المونديال في زمن الإبادة الجماعية

  علي أنوزلا

مفارقة يصعب على الضمير الإنساني أن يستوعبها، ففي وقت يحتفل العالم بأكبر تظاهرة كروية على وجه الأرض، وتتعالى الهتافات في الملاعب، وتزدان الشوارع بالأعلام، وتتحوّل كرة القدم إلى لغة كونية للفرح، يعيش في الجانب الآخر من شرق المتوسط شعب محاصر، يُجوَّع ويُقصف ويُقتل كل يوم. ذلك هو الوجه الآخر لمونديال 2026. وليس لأن كرة القدم مذنبة، ولا لأن الناس لا يحق لهم أن يفرحوا، بل لأن العالم بدا قادراً، للمرّة الأولى بهذا الحجم، على التعايش مع مشهدين متناقضين من دون أن يرفّ له جفن؛ احتفال عالمي استثنائي، وإبادة مستمرة لا تتوقف.

في غزّة، لا توجد صافرة بداية ولا صافرة نهاية، ولا استراحة بين الشوطين، ولا وقت إضافيّاً يمنح المدنيين فرصة لالتقاط أنفاسهم، ولا حكم يرفع البطاقات في وجه المعتدين، بل هناك فقط قصف متواصل، ومجاعة، وحصار، ونزوح، وخوف، وموت يتكرّر كل يوم حتى فقد العالم قدرته على الدهشة. وإذا كانت الحروب، عبر التاريخ، لم تتوقّف بسبب إقامة كأس العالم، فإن ما يجعل مونديال 2026 مختلفاً أنه يقام بينما تستمر حرب الإبادة في غزّة. ومع هذا، بدا المشهد العالمي وكأنه قرّر أن يؤجل ضميره إلى ما بعد انتهاء البطولة!

كان يمكن لهذا المونديال أن يتحوّل إلى منصّة عالمية للتذكير بأن ملايين البشر ما زالوا يعيشون تحت القصف والحصار ويعانون التجويع والتهجير، ليس بهدف إفساد فرحة الجماهير، ولا بتحويل الملاعب إلى منابر سياسية، وإنما لمجرّد التذكير بأن ضمير الإنسانية ينبغي ألا يترك في غرفة تبديل الملابس. لكن ما حدث العكس تماماً، إذ اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، المنظمة الرياضية الأقوى والأغنى في العالم، الصمت الكامل؛ لا حملة إنسانية، ولا دعوة إلى حماية المدنيين، ولا مطالبة بوقف قتل الأطفال، ولا حتى رسالة رمزية تذكّر بأن قيمة الحياة البشرية تعلو على كل المنافسات الرياضية. والأسوأ أن أي تعبير تضامني مع غزّة داخل محيط البطولة كان يُواجَه بالمنع أو التضييق، تحت ذريعة أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة.

سيُذكر مونديال 2026 بوصفه أول كأس عالم أُقيم في زمن أبشع إبادة جماعية في عصرنا الحديث

تبدو هذه الذريعة جميلة نظرياً، لكنها تنهار أمام ذاكرة ليست بعيدة، فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لم تتردد “فيفا” في اتخاذ إجراءات استثنائية وسريعة، شملت إقصاء روسيا من التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2022، واستمرّ تعليق مشاركتها في المسابقات الدولية إلى أجل غير مسمّى، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. يومها لم يقل أحد إن الرياضة يجب أن تنأى بنفسها عن السياسة، ولم تعتبر العقوبات الرياضية خرقاً لمبدأ حياد كرة القدم. أما اليوم، فإسرائيل، التي تتحدّث منظمات دولية وهيئات أممية عن ارتكابها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتواصل عملياتها العسكرية في غزّة والضفة الغربية، إضافة إلى لبنان وسورية، ما تزال تشارك بصورة طبيعية في مختلف مسابقات “فيفا”، من دون أي إجراءات مماثلة. في ازدواجية فاضحة يصعب إنكارها. وتصبح المفارقة أكثر إيلاماً عندما نستعيد ما حدث خلال مونديال قطر سنة 2022. فقبل انطلاق البطولة، دعا رئيس “فيفا”، جياني إنفانتينو، إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا طوال فترة كأس العالم، وإلى فتح ممرّات إنسانية، مؤكداً أن كرة القدم قد لا تنهي الحروب، لكنها تستطيع أن تكون “شرارة إيجابية” للحوار والسلام، كما أطلقت “فيفا” حينها حملة “كرة القدم توحد العالم”، حاملة شعارات السلام والتضامن والوحدة ومناهضة التمييز. كانت رسالة نبيلة، لكن أين اختفت هذه الرسالة اليوم؟ ولماذا لم يعد ممكناً إطلاق الدعوة نفسها لحماية أطفال غزّة؟ ولماذا لم تعد كرة القدم قادرة على أن تكون “شرارة إيجابية” عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟

وتزداد المفارقة قسوة عندما نتذكّر أن أكثر من ألف رياضي وحكم وإداري وغيرهم من منتسبي الأندية والاتحادات والمؤسسات الرياضية الفلسطينية استشهدوا في غزّة والضفة الغربية منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينهم مئات من لاعبي كرة القدم وكوادرها، ورغم هذا، لم يصدر عن “فيفا” موقف يرقى إلى حجم هذه المأساة، ولا حتى بيان تضامن واضح مع أسرة كرة القدم الفلسطينية. كما أن إنفانتينو نفسه، الذي لم يتردّد خلال هذا المونديال في المطالبة بالإفراج عن صحافي فرنسي معتقل في الجزائر، في موقف إنساني يُحسب له، لم يصدر عنه موقف مماثل بشأن مئات الصحافيين الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الحرب، ولا بشأن الصحافيين الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، وبينهم صحافيون رياضيون. ليست المشكلة في الدفاع عن صحافي هنا أو هناك، فحرّية الصحافة لا تتجزأ، وإنما المشكلة أن المعيار نفسه لا يُطبَّق على الجميع، وهنا الأزمة الأخلاقية الحقيقية.

ليس هذا المقال دعوة إلى مقاطعة كأس العالم، ولا إلى مصادرة حقّ الناس في الفرح، فالناس تحتاجه كما تحتاج الهواء، وكرة القدم ستظلّ من أجمل ما ابتكرته الإنسانية. لكن الإنسانية نفسها تصبح ناقصة حين تتحوّل قدرتنا على الفرح إلى قدرة على النسيان. يمكن للعالم أن يستمتع بالمباريات، وأن يتابع أهداف البطولة، وأن يحتفل بالأبطال، لكن ينبغي له ألا ينسى أن هناك، على الضفة الأخرى من هذا الكوكب، أطفالاً لا يحلمون بالكأس الذهبية، بل برغيف خبز، أو جرعة ماء، أو ليلة بلا قصف. وينبغي ألا نسمح بأن تتحوّل أضواء الملاعب إلى ستار يحجب الدخان المتصاعد من غزّة والضفة الغربية ولبنان، ولا أن يصبح انشغال الرأي العام العالمي بالمهرجان الكروي فرصة إضافية لمواصلة قتل المدنيين وتوسيع الاحتلال بعيداً عن عدسات الكاميرات.

سيُطوى مونديال 2026 كما طُويت كل البطولات السابقة، وستُحفظ الأهداف في الأرشيف، وستُرفع الكأس، وستتغير أسماء الأبطال. أما صور الأطفال تحت الأنقاض، فستبقى شاهدة على زمن استطاع فيه العالم أن يهتف لهدف جميل، بينما كان شعب كامل يبحث، تحت الركام، عن معنى لحياة حوّلها الاحتلال إلى جحيم لا ينتهي. ربما لهذا السبب، سيُذكر مونديال 2026، لا على أنه أكبر احتفال كروي عرفته البشرية فحسب، بل بوصفه أيضاً أول كأس عالم أقيم في زمن أبشع إبادة جماعية في عصرنا الحديث، بينما اختارت مؤسّسات رياضية يُفترض أنها تمثل الضمير العالمي أن تكتفي بالصمت، الذي ليس دائماً حياداً؛ لأنه قد يتحوّل إلى موقف يدين صاحبه.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى