التفكير النقدي.. ببساطة

مؤيد اسكيف

لم تكن علاقتنا بالنقد علاقة مريحة في المجال السوري العام، كان النقد – وما يزال – يُفهم غالباً بوصفه تطاولاً، أو وقاحة، أو خروجاً عن الصف والجماعة وبالتالي خيانة. ينطبق ذلك على مفهوم التفكير النقدي عموماً لما يشكله من حالة تمرد غير مرغوب بها على السلطات السائدة في مجتمعنا والتي تتسم بالبطريركية أو الأبوية.

طالما كانت عبارات مثل “لا تتفلسف”، و “لا تنظر”، و”لا تنتقد” تتردد في البيوت والمدارس والاجتماعات وأماكن العمل ووسائل التواصل الاجتماعي، يتم تحذير المرء من خلال هذه العبارات كإشارة إلى بلوغ حد ينبغي ألا يتم تجاوزه.

لا تعتبر مفاهيم مثل الفلسفة، والتنظير، والنقد، في المخيال الشعبي نشاطاً ذهنياً طبيعياً، بل إنها سلوك مريب يقوم به أشخاص مريبون، وربما يعود ذلك إلى أن النقد يتطلب بنية ذهنية قائمة على التفكيك والتساؤل، بينما اعتادت بيئاتنا الاجتماعية على مفاهيم الطاعة والتماهي والتسليم لا على السؤال.

ومع ذلك، فإن مفهوم النقد في جوهره ليس فعلاً عدائياً، إنه نشاط ذهني يمارسه كل إنسان وبشكل يومي من دون أن يسميه كذلك. حينما يستيقظ المرء ويقف أمام مرآة الصباح، فإنه يقيم مظهره. حينما يختار طريقاً إلى عمله، فإنه يقارن بين الخيارات الأفضل. حينما يقرر ما يأكله وإن كان الطعام يحتاج لأي تحسينات، كيف يتحدث، ماذا يلبس، أو أي سيارة يشتري، أو أي كتاب يقرأ، فإنه يمارس شكلاً صريحاً من أشكال النقد التي فيها تقييم، مقارنة، اختيار. وأعتقد أنك عزيزي القارئ وفي هذه اللحظات، تقوم بهذا النوع من التفكير النقدي مع قراءة هذا المقال على وجه التحديد، وهو المطلوب دوماً على كل حال.

فالنقد لا يعني الهجوم بالضرورة، إنه عملية فرز مستمرة بين ما هو أفضل وما هو أقل تفضيلاً، بين ما هو جيد وأكثر جودة، فهو آلية تطوير وبقاء أيضاً. بل إن الكائنات الحية المختلفة تمارس – بشكل يتناسب مع وعيها – عمليات تقييم مشابهة للإنسان، وإلا كيف تمكنت من البقاء؟!

يشير ريتشارد داوكنز في كتابه الفذ “الجين الأناني” إلى مثال عن أحد أصناف العصافير، فإذا عثر العصفور على طعام بالكاد يكفيه، التزم الصمت، وإذا كانت الكمية تكفي عائلته، أطلق نداء موسيقياً يفهمه أفراد العائلة فينضموا له ليشاركوه الوليمة، وإذا كانت الوفرة أكبر، وسع دائرة الدعوة بإطلاق نداء يفهمه أفراد فصيلته، فتصبح الوليمة عامرة. ما يحدث هنا ليس مجرد عاطفة عشوائية، بل إنها عملية تقدير وتقييم لكمية الموارد، وتحديد المدعويين ودائرة الاستحقاق على حسب درجة القرابة. إنها صورة أولية لما يمكن تسميته نقداً غريزياً في خدمة البقاء. وإذا كان النقد بهذا المعنى جزء من الطبيعة البيولوجية فلماذا يبدو سلوكاً مريباً في المجال الاجتماعي للإنسان لا سيما بين السوريين؟

إن المجتمعات التي تهيمن عليها الديماغوجيا، والفهلوة، والشعارات الجاهزة والمعلبة، يصبح التفكير النقدي فيها مصدراً للإزعاج. وذلك لأنه يفكك السرديات الكبرى، ويسأل عن المسلمات، ويطالب بالبرهان. وبالتالي فهو يدعو إلى التفكير والمحاكمات العقلية، وهو بهذا المعنى يشكل تهديداً للسلطة السياسية لأنه يراجع خطابها ويقيم أدائها. ويقلق السلطة الدينية، لأنه يعيد تفكيك وقراءة نصوصها ويزعزع استقرار سرديتها. ويزعج سلطة المجتمع، لأنه يكسر أعرافه المكتوبة وغير المكتوبة.

رغم انتشار هذا الفهم السائد إلا أن النقد لا يعني الهدم بالضرورة كما يتم الترويج له، بل هو آلية للفهم والمراجعة، وإن كان ينظر إليه في أي بيئة استبدادية باعتباره خروجاً على الاجماع والجماعة، أو تمرداً على النظام الرمزي القائم. وهكذا تمت عبر عقود، عملية شيطنة السؤال نفسه لا الجواب فقط. فالسؤال جريمة في ظل هذه السلطات الثلاث في سوريا.

وفي مدارسنا، رسخ النظام التربوي السوري آليات التلقين أكثر مما رسخ مهارات التفكير. فالمناهج الدراسية قائمة على الحفظ لا على الفهم، وعلى الإجابة المحددة سلفاً وليس على منطق السؤال والبحث. فالطالب السوري يتعلم كيف يكرر لا كيف يفكر. وفي مثل هذا المناخ يصبح التفكير النقدي فعلاً غير مألوف، لأن أدواته لم تدرس أصلاً، وبالتالي تمت شيطنته واتهامه بالسعي نحو الفوضى؟

لا يمكن بأي حال أن يكون من أهداف النقد السعي نحو الفوضى كما يدعي تيار واسع في مجتمعنا، بل ما يدعو له النقد هو التنظيم، التأسيس للتفكير والرفع من سوية التفكير وجودته، جعله أكثر مرونة وأكثر صفاء. وفتح بوابات العقل أمام احتمالات متعددة لا إجابة واحدة جاهزة ومغلقة.

إن تدريب الذهن على إنتاج الأفضل في العمران، والصناعة، والإدارة، والحقوق، والاجتماع، والتخطيط، والتعليم. إلخ، من أهداف النقد، وبالتالي حينما نخاف من النقد فإننا لا نحمي أنفسنا، بل نحمي هشاشتنا وأخطاءنا وتخلفنا. نحمي الكم الهائل من الأخطاء المتراكمة. فالنقد ببساطة هو أن نسأل: هل هذا صحيح؟ هل يمكن أن يكون الأفضل؟ هل هناك زاوية أخرى نطل منها على الأكثر صحة؟ من دون هذه الأسئلة لا يمكن أن تتطور العلوم، ولا أن يترسخ عدل ولا تنضج فكرة الحرية، وبالطبع لا تبنى الدول، ولن يتمكن المجتمع السوري من حماية حاضره ومستقبله.

إن أخطر ما في غياب التفكير النقدي هو العجز عن المراجعة، والمسائلة، وبالتالي النجاة. فالمجتمع السوري حينما توقف عن مسائلة نفسه بدأ بالتكلس، فتحول الخطأ إلى قدر، وأصبح الكسل الذهني مجرد عادة، وتحولت السلطة إلى حقيقة مطلقة لا يمكن مناقشتها. عندها لا تعود المشكلة في الحاكم وحده، ولا في المؤسسة، بل في البنية الذهنية التي تقبل أن تقاد إلى مسلخ الاستبداد من دون سؤال أو مراجعة أو حتى استنكار.

ألم تكن الثورة السورية في أحد وجوهها قائمة على التفكير النقدي الجماعي؟ ألم يرفض المجتمع أن يبقى في حالة إذعان لسردية النظام السوري وأدوات سلطته من خلال احتجاج السوريين العام؟!

أعتقد أن النقد في حالتنا السورية الراهنة لم يعد مجرد رفاهية ثقافية، ولا زينة فكرية لنخبة محدودة، بل إنه شرط من شروط الكرامة الإنسانية. لأن الكرامة لا تعني أن تتم معاملتك باحترام فقط، بل أن يكون لك الحق في أن تسأل، وأن تعترض، وأن تراجع، من دون أن تتهم بالخيانة أو الوقاحة. الحرية تبدأ من السؤال من دون خوف، ومن القدرة على التفكير خارج إطار القطيع، ومن الشجاعة في قول: نحن مخطئون. حينما يكون الخطأ سائداً.

في مجتمعات خرجت من حرب طويلة كما في الحالة السورية، لا أعتقد أن يكون الطريق إلى التعافي عبر النسيان، بل عبر التفكير والمراجعة والاستفادة من الدروس، والنقد هنا كما أسلفنا ليس أداة هدم وفوضى، بل أداة علاج ناجعة. إنه تمرين على التفكير والاعتراف، على تصحيح المسار، وعلى بناء معيار جديد لا يقوم على الخوف، بل على الوعي.

لا أعتقد أن النقد سيتمكن من تغيير العالم دفعة واحدة، تحديداً في حالتنا السورية، لكنه يفتح احتمالات أخرى للمعنى، وفي زمن اختلطت فيه الأصوات والانقسامات، ربما يكون أكثر ما نحتاجه عقلاً أكثر هدوءا، وأكثر جرأة على التفكير النقدي وعلى السؤال.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى