
في خضمّ الحرب الصاخبة الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والحرب الإسرائيلية على حزب الله، والحرب الإيرانية غير المعلَنة رسمياً، والجارية فعلياً، على دول الجوار: دول الخليج والعراق (إقليم كردستان العراق تخصيصاً)، يُواجَه المرء بسيل عارم من التحليلات والتوقّعات والبيانات الميدانية التفصيلية المتباينة المتعارضة التي تتناول أسباب الحرب القريبة والبعيدة، وأهدافها الظاهرية التكتيكية والباطنية الاستراتيجية. وتبحث في احتمالات تصاعدها واتّساع نطاقها، أو تحوّلها إلى حرب استنزاف، أو توقّفها بناءً على اتفاق شامل أو جزئي مرحلي، أو حتّى من دون اتفاق فعلي… إلى آخر المسائل والتفاصيل التي تخطر في البال، وحتّى التي لا تخطر. ووسط المناقشات والتحليلات عن الحرب، تبرز تلك التي تتمحور حول مستقبل مجتمعات منطقتنا ودولها في ضوء النتائج المحتملة لهذا الصراع العنيف في الإقليم. وتختلف الآراء بين من يمتلكون نزوعاً استراتيجياً بانورامياً، يتجاوز متاهات وسراديب التفاصيل في تحديد المواقف من المجريات العامة؛ تبعاً للخلفيات الفكرية والأيديولوجية التي يستمدّون منها مُوجِّهات تحليلهم وخطوطه الرئيسة وخلاصاته.
فالنظام الإيراني الحالي، في منظور قسم كبير من أنصار الأيديولوجية القومية، يمثّل خطّ الدفاع الأول أمام أطماع إسرائيل ومخطّطاتها في المنطقة، وإسرائيل، بموجب تحليلاتهم، تريد الهيمنة على المنطقة، والتحوّل إلى القوة الإقليمية الأكبر القادرة على التحكّم بتوجّهات دول المنطقة وإرغامها على التزام المسارات التي تضمن تفوّقاً إسرائيلياً في مختلف الميادين. ووجود النظام الإيراني، وفق القومويين، رغم ما ارتكبه من انتهاكات بحقّ مجتمعات المنطقة ودولها، بقواه الذاتية المباشرة، أو عبر أذرعه في سورية والعراق ولبنان واليمن، يمثّل عائقاً منيعاً أمام المشاريع الإسرائيلية. ويرى هؤلاء ضرورة إدانة الحرب الأميركية الإسرائيلية على النظام الإيراني، وتجاوز ذهنية التشفّي والروحية الانتقامية، وأنّه ينبغي الضغط على الجراح العميقة التي تسبّب النظام المعني في إحداثها ضمن مجتمعات المنطقة، وتجاهل الجهود التخريبية المنهجية التي بذلها هذا النظام حتى تمكّن من تحويل الدول العربية التي هيمن عليها إلى كيانات هشّة فاشلة، مهمّتها التغطية على التخريب الذي مارسته وتمارسه الأذرع في تلك الدول التي فقدت السيادة، وغدت من دون حول ولا قوة أمام مجتمعاتها في الداخل، وتجاه الخارج الإقليمي والدولي، فغياب إيران أو تغييبها قوّةً إقليميةً كبيرةً تدعم محور المقاومة والممانعة في مواجهة إسرائيل وخططها التوسّعية في المنطقة، سيكون، كما يرى القوميون، في صالح إسرائيل، الأمر الذي لا ينبغي أن تتجاهله، وفق منظور أصحاب هذا التوجّه، الدول العربية في الإقليم، خصوصاً الدول الخليجية وسورية وبقية الدول.
دفع مشروع تصدير الثورة الإيراني، واستراتيجية التجييش المذهبي لصالح المشروع السياسي التوسّعي، عديداً من قوى الإسلام السياسي السنّي إلى محاولة محاكاة التجربة
أمّا الإسلامويون فهم يميلون في غالبيتهم إلى الموقف المتعاطف مع إيران، بل يطالب قسم كبير منهم بالوقوف إلى جانبها ودعمها، لأنّ الصراع الجاري حالياً هو صراع بين دولة إسلامية من جهة، وإسرائيل ومعها الولايات المتحدة من جهة أخرى. أمّا الحديث عن الاعتداءات الإيرانية المباشرة أو عبر الأذرع على الدول والمجتمعات العربية (سورية، ولبنان، والعراق، واليمن)، وتدخّل الإيرانيين في شؤون الفلسطينيين عبر دعم طرف مقابل طرف (“حماس” في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير بقيادة “فتح”)، فهو من الأحاديث التي ينبغي أن تؤجَّل أو تُعلَّق، بل وحتى تُنسى، في الظروف المستجدَّة بعد الحرب الحالية. ورغم دور النظام الإيراني السلبي على صعيد إثارة الفتنة الطائفية في مجتمعات عربية عدّة، من خلال تبنّي فكرة المظلومية الشيعية، واعتماد المذهبية في مشروعه التوسّعي، وقطع الطريق أمام الشيعية الوطنية التي من دون تعزيزها لن تستقرّ الأوضاع في لبنان والعراق والبحرين ودول عربية أخرى… رغم ذلك كلّه، يُلاحظ أن جملة من قوى الإسلام السياسي تتعاطف بصيغ مختلفة، وبتسويغات متباينة، مع النظام الإيراني؛ بل وتروّج هذا النظام من دون أن تطالبه بضرورة إعادة النظر في سياساته وممارساته في الداخل الإيراني وعلى مستوى الإقليم. ومن يدري، ربّما تجد بعض هذه القوى أنّ سقوط النظام الإيراني سيقطع الطرق أمام فكرة إمكانية سيطرة تيارات الإسلام السياسي على الحكم في دول المنطقة، وسيمهّد الطريق أمام فكرة الدولة المدنية الحيادية تجاه سائر مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم المجتمعية الدينية والمذهبية والقومية منها، ومن دون أيّ تمييز أو استثناء.
من جهة أخرى، كان مشروع تصدير الثورة الإيراني، واعتماد استراتيجية التجييش المذهبي لصالح المشروع السياسي التوسّعي المبني على نزوع إمبراطوري تخيّلي، دافعاً لعديد من قوى الإسلام السياسي في الوسط السنّي إلى محاولة محاكاة التجربة، والاستثمار في المظلوميات السنّية، وطرح نفسها حاميةً للسنّة من المشروع الإيراني المذهبي، رغم العلاقات الوثيقة بين الجمهورية الإسلامية وحركات وشخصيات إسلاموية كثيرة. ويشار هنا، على سبيل المثال، إلى “القاعدة” وجماعات الإخوان المسلمين في دول عدّة. لذلك تشعر قيادات هذه الحركات وكوادرها بأن غياب النظام الإيراني بتركيبته الحالية، وأيديولوجيته المذهبية، سيرفع الغطاء عن مشروعيتها، لأنّ مثل هذا الغياب، في ما لو حصل، سيفتح الآفاق أمام مشروع الدولة الإيرانية الوطنية القادرة على حماية ورعاية مواطنيها من سائر المكوّنات من دون أيّ تمييز، والساعية، في الوقت نفسه، من أجل بناء أفضل علاقات التفاهم والتعاون مع جوارها الإقليمي، ومحيطها الدولي، على أساس الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية.
وبين هذين التوجّهَين الأيديولوجيَّين: القوموي والإسلاموي، هناك توجّه ثالث، ليس بقوّتهما وتأثيرهما؛ ولكنّه يلتقي معهما من جهة مهاجمة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من دون تحميل الأخيرة مسؤولية القسم الأكبر من كوارث المنطقة، وعدم الدعوة إلى محاسبة النظام الإيراني وإلزامه بالكفّ عن التدخّل في الشؤون الداخلية الخاصّة بدول المنطقة وتهديد سيادتها. واللافت بالنسبة إلى هذا التوجّه، أنّ معظم أنصاره أعضاء سابقون في أحزاب شيوعية ويسارية في المنطقة. والغريب المثير للدهشة والاستغراب في مواقف كثيرين من هؤلاء، أنهم ما زالوا يعتبرون روسيا الحالية وريثة الاتحاد السوفييتي، ولا يجدون غضاضةً في الاستنجاد بها، لتدعم الشعوب والدول التي تعاني من سياسات الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الإمبريالية. وملاحظٌ أنّ القاسم المشترك بين مواقف أنصار التوجّهات المشار إليها استخفافها بحقّ الشعب الإيراني في الخلاص من سلطة لم تضمن له أبسط قواعد العيش الكريم، رغم إمكانات إيران الاقتصادية الهائلة.
كان النظام الإيراني، وما زال، بالنسبة إلى دول منظمة التعاون الخليجي، الخطر المحدق المهدِّد لأمنها
كما يتجاهل أصحاب التوجّهات حقّ الشعب الإيراني في التمتّع بحرّياته الشخصية، وحقّه الطبيعي في إبداء الرأي، والنقد، والمشاركة في المساءلة والمحاسبة وفق الأطر والقواعد الديمقراطية. ليس الشعب الإيراني طرفاً في الحرب الحالية، ولم يشارك فيها حتى هذه اللحظة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. ولكن من حقّه أن يحصل على حرّيته، ويضمن مستقبلاً أفضل لشبابه وأجياله المقبلة؛ بعد التخلّص من هذا النظام القمعي القروسطي الذي أعاد إيران، 47 عاماً، قروناً إلى الوراء؛ واتخذ من إيران قاعدةً لزعزعة الأمن والاستقرار في الإقليم، بقواته وعبر أذرعه التي عاثت فساداً في دول المنطقة ومجتمعاتها، كما رسّخ هذا النظام ظاهرة هيمنة المليشيات على الدول ومصادرة قراراتها السيادية على المستويَين الداخلي والخارجي. ولعلّ ما حصل في سورية، ويحصل حالياً في كلّ من لبنان والعراق واليمن، يؤكّد هذا الأمر. ففي لبنان، فرض حزب الله على الدولة اللبنانية معادلة (الشعب والجيش والمقاومة)، وفي العراق أُلزمت الحكومة العراقية القبول بأنّ تكون فصائل “الحشد” والمليشيات الولائية جزءاً من المنظومة الدفاعية العراقية، وهذا فحواه إلزام هذه الحكومة بدفع الأموال لهذه الفصائل والمليشيات وتزويدها بالسلاح، رغم أنها تتلقّى أوامرها من الحرس الثوري وفيلق القدس وبقيّة الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الإيرانية. ولم يكتفِ النظام الإيراني بذلك في العراق، بل تمكّن من إقحام عديدين من ممثّلي تلك الفصائل والمليشيات في مجلس النواب العراقي والحكومة العراقية، وحتى في القضاء العراقي، ليكونوا جزءاً من آلية اتخاذ القرار وصياغة القوانين وإقرارها على المستوى التشريعي، وجزءاً من منظومتَي الحكم التنفيذية والقضائية في الوقت نفسه. وما فعله في اليمن، عبر الحوثي، لم يكن أقلّ تخريباً ممّا فعله في كلّ من لبنان والعراق، بل يفوقهما بكثير. أمّا في سورية فحدّث ولا حرج.
هذا في حين أنّ النظام الإيراني كان، وما زال، بالنسبة إلى دول منظمة التعاون الخليجي، الخطر المحدق المهدِّد لأمنها. وقد أكّد النظام الإيراني، من خلال هذه الحرب، حقده الأعمى على هذه الدول، ورغبته في إلحاق أقصى درجات الأذى بها، وكذلك فعل في إقليم كردستان، ولعلّ هذا الحقد هو ما يفسّر الأعداد الكبيرة من الصواريخ والمسيّرات التي خصّصها لهذه الدول مقارنةً بما أطلقه من صواريخ ومسيّرات على إسرائيل.
سيناريوهات عديدة تجري مناقشتها تتمحور حول طبيعة مآلات الحرب الجارية اليوم، أبشعها هو الذي يتحدّث عن بقاء النظام بعد إجراء تعديلات ورتوش طفيفة في سلوكياته وتوجّهاته، والتزامه بما يطلبه الأميركيون والإسرائيليون. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا ظلّ النظام الإيراني محتفظاً بتماسكه ومحافظاً على قدراته، هل يمكن لأحد من أنصار التوجّهات الثلاثة الذين يطالبون بالوقوف إلى جانب هذا النظام، ولو معنوياً، أن يتخيّل، حتى من باب التخمين، نسبة الغطرسة والسلوك الانتقامي الحاقد، واللغة التضليلية، والممارسات التخريبية التي سيواجه بها هذا النظام شعبه وشعوب المنطقة ودولها؟
المصدر: العربي الجديد






