
في وقت تتصدّر فيه “عواجلُ” الأخبار في حرب الخليج الرابعة؛ الإيرانية – الإسرائيلية الأميركية، كلَّ التغطيات الصحافية في القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية، فإن حرباً أخرى تجري في بغداد، ليست متعلّقةً فقط باشتراك طرفٍ عراقيٍّ في الحرب الكبيرة، وإنما بمحاولة استثمار الحرب لإعادة ترتيب المشهد في بغداد، بما يُخلّ بالتوازنات الهشّة التي طبعت الواقع السياسي والأمني في العراق خلال العقد الماضي على الأقلّ.
ربّما كانت النخبة السياسية الحاكمة تظنّ أنّ الحرب ستكون خاطفةً أو تنتهي بعد أسبوعَين على الأكثر، كما في حرب يونيو 2025. لذلك لم تجد نفسها مطالَبةً بمواقف واضحة، وهي التي تعوّدت على إمساك العصا من المنتصف، ما بين الضغوط الأميركية وتلك الإيرانية ربع قرن. ولكن امتداد الحرب، والتوقّعات بأنها ستستمرّ أسابيعَ أخرى، فجّر التوازنات الهشّة، ولم تعد الصواريخ التي تطلقها الفصائل مجرّد حدث عابر يحدث بين حين وآخر، وإنّما صارت ممارسةً يوميةً سحبت الجسم السياسي للدولة كلّه باتجاه جبهات مفتوحة، تورّط العراق الرسمي في مغامراتٍ تخرّب العلاقات كلّها مع الحليف الاستراتيجي الأميركي الذي يواصل الطلب من الحكومة أن تؤدّي أدوارها في حماية البعثات الدبلوماسية، ومع الشريك السياسي الكردي في الشمال، الذي شُلَّت فيه قطاعات مختلفة من الحياة بسبب موجات الصواريخ اليومية. وكذلك مع الجوار العربي، إذ يُعتقد أنّ العراق كان مصدراً لموجات صواريخ انطلقت باتجاه الكويت أو المنطقة الشرقية في السعودية. وليس آخرُ سلسلة التخريب مع إيران نفسها، التي تنظر بامتعاض إلى دور الحكومة العراقية السلبي تجاه معركتها المصيرية، وكيف أنها تحاول الحفاظ على خطاب محايد لا تنظر إليه إيران بعين الرضا. ولذلك، لا عجب أن يظهر العراق في خطابات المسؤولين الإيرانيين واحدةً من الجبهات الإقليمية العدوّة.
من المرجّح، إن انتهت الحرب بأيّ سيناريو كان، أن تخسر إيران علاقاتها الطيّبة مع الجوار العربي، وينتهي أكثر من عقد من الاستثمار البطيء في السياسة الناعمة، التي تُوِّجت باتفاق 10 مارس (2023) في بكّين بين إيران والسعودية. ولكنّ العراق المتردّد، الواقع في ضباب اللامعنى، يمكن أن يكون في موضع مشابه إن بقي في الضباب حتى بعد انتهاء الحرب. كذلك، فإن أميركا، ما لم يكن هناك سيناريو خفي في علم الغيب، ستنظر إلى تلكّؤ العراق في ضبط الأمن، وخسارتها المادية في منشآتها داخل العراق خلال الحرب، بعين غير راضية. العراق، باختصار، في وضعه الحالي، معرّض لخسارة الجميع.
النُّخبة السياسية العراقية ليست غافلة، وتعرف أنّ انخراطها في صفّ إيران في هذه الحرب خطوة انتحارية؛ فأميركا تقبض على أموال عائدات النفط، كما أن إيران يمكن أن تخرج منتصرة، إن كان النصر هو الحفاظ على النظام القائم، ولكنّها ستخرج أكثر عزلة، مع سلسلة عقوبات أشدّ، ودمار كبير، وتراجع اقتصادي، واحتمالات تحرّك الشارع الغاضب مجدّداً. وبلد كهذا لن يقدّم للعراق شيئاً، بل هو من يحتاج إلى عون. كما أن من المستحيل أن تُعلن هذه النُّخبة أنها مع أميركا في حربها، فهذا سيجعلها في صفّ إسرائيل، وهذا لا يريده أحد. كما أن أحداً، في هذه الأجواء الملتهبة، لا يريد سماع نغمة أننا مع طرف ثالث في هذا الصراع، هو العراق.
تجرّ الفصائل الحكومة جرّاً من المنطقة الضبابية، وتصعّد عملياتها، التي انتهت أخيراً إلى منطقة خطرة، مع استهداف مبنى المخابرات العراقية، ومقتل ضابط مخابرات عراقي، ثم استهداف مديرية مكافحة الإرهاب، وهما المؤسّستان الأكثر رصانة في العراق، مع تلاسن وتلاعن بين فاعلين في الحكومة وقادة الفصائل في الكواليس. والحكومة، مع هذا الجو كلّه الذي أخاف المواطنين، لا تريد الخروج من الضباب، ورفضت حتى تسمية الجهات المتّهمة باستهداف مؤسّساتها الأمنية.
وعلى الأغلب، سيستمرون، الحكومة وداعموها السياسيون، في المناورة داخل مساحة ضيّقة، ريثما تُلقي الحرب الكُبرى أوزارها، فيعرفون من المنتصر ومن المهزوم. حينها لن يحتاج أحدٌ إلى الخروج من الضباب، لأنّه سينقشع من تلقاء نفسه عن الجميع.
المصدر: العربي الجديد






