
حين تندلع الحرب، يُطرح فوراً السؤال عن موعد نهايتها، وعن الطرف أو الأطراف المرشحة لتولي الوساطة بين المتحاربين، وبلورة الصيغة المحتملة لنهايتها. الحرب الأميركية الإسرائيلية المشتعلة ضد إيران، والتي تدخل بعد أيام شهرها الثاني، وأشعلت كل المنطقة، بل وتجاوزتها إلى جنوب القفقاز في أذربيجان، ومرشحة أن تبلغ آسيا الوسطى في تركمانيا، التي يتهمها نظام الملالي بإفساح أثيرها لبث القوى الإيرانية المناهضة له، قد خرجت عن مألوف الحروب. فعدا عن روسيا بوتين شريكة إيران ولي الفقيه الإستراتيجية، لم ينبر أي طرف آخر ليعرض وساطته في هذه الحرب. وبقي السؤال عن موعد نهايتها المحتمل يتأرجح على مزاجية ترامب في تصريحاته التي وضعت حتى الآن أكثر من موعد لنهايتها، ثم لا تلبث أن تعلن عن موجة قصف جديدة لأهداف إيرانية طال آخرها موقع ناطنز النووي الإيراني.
اصطدمت الحرب بالكثيرين من منتقديها، وخصوصاً داخل الولايات المتحدة، لكنها لم تجد من يقف علناً ضدها سوى أصدقاء النظام الإيراني الذين تتزعمهم كوريا الشمالية. حتى الصين وروسيا اللتين تتزعمان مشروع النظام العالمي الآخر المناهض لنظام الهيمنة الأميركية السائد، لم تستخدما حق الفيتو في مجلس الأمن لدى التصويت على قرار إدانة قصف طهران لدول الخليج. حتى لهاتين الدولتين اللتين تمدان نظام الملالي بالسلاح والمعلومات الإستخبارية في حربه ضد أميركا وإسرائيل، لم يترك لهما بسلوكه فرصة لدعمه في المنظمة الدولية. وقد أصبح من الواضح أن النظام، وبعد تصفية مرشده الأعلى ومعظم قياداته السياسية والعسكرية والأمنية من المستويين الأول والثاني وما دونهما، وتدمير معظم ترسانته من الصواريخ والمسيرات ومصانع إنتاجها، يعتمد استراتيجية العداء لكل ما ومن يحيط به. ويحتار المراقبون في تفسير هذه الاستراتيجية التي يجدونها مناقضة لأبسط قواعد المنطق، والتي تفترض الانطلاق من واقع الضعف الذي بلغه لا من الواقع الذي تقول به قناعته بأنه المنتصر طالما بقي على قيد الوجود. فقد كان من البديهي أن تتصرف إيران وفقاً لواقعها المستجد من الضعف، وترفع شعارات أقل استفزازاً لمحيطها التي عاث به تخريباً منذ نشوء نظامها الحالي، وأن تطرح شروطاً ومطالب أكثر تواضعاً لإنهاء الحرب المدمرة ضده، والتي لا يخفي مشعلوها الأميركيون والإسرائيليون غايتهم بالقضاء عليه.
من الذين استهجنوا اعتماد النظام الإيراني الاستراتيجية العدمية، كان البوليتولوغ الروسي (من مسلمي جمهورية بشكيريا الاتحادية) المناهض لنظام بوتين عباس غالياموف. فقد نشر في 22 الجاري على موقعه في الفايسبوك نصاً رأى فيه أن استراتيجية السلوك الأفضل لإيران على المسرح الدولي الآن كان يجب أن يعبر عنها “التواضع” في مطالبها. لكن، وبدلاً من ذلك، يُعلن النظام الإيراني إما نيته إعادة النظر في وضع مضيق هرمز، وفرض سيطرته الدائمة عليه، أو يطالب بمقعد في مجلس الأمن الدولي مع حق النقض (الفيتو) على قراراته. هذه الطموحات، التي تُظهر نية آيات الله في تغيير الوضع العالمي الراهن جذرياً، إلى جانب الهجمات غير المبررة ضد الدول المجاورة، تعزز الشعور بضرورة إنهاء الحرب كما يجب أن تنتهي عليه. “لقد بدأتم بتدميرهم، وعليكم أن تنهوا الأمر. فالتعايش السلمي معهم لن ينجح على أي حال؛ فهم عدوانيون للغاية”، كما يفترض الكاتب رأي من يخشون نظام الملالي وهو يترنح.
يرى غالياموف أن الإيرانيين بسلوكهم “غير اللائق” هذا، إنما يعبرون عن معاناتهم في المقام الأول من مخاوفهم الذاتية، ولذلك، يشجعون بعضهم بعضًا بمزايدات من نوع “سنريهم”.
في النص الآخر الذي ألحقه غالياموف في اليوم عينه بالنص الأول، نقل عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تصريحه بأن إيران تعتزم اعتبار أي حامل لسندات الخزانة الأميركية “الملطخة بالدماء الإيرانية”، هدفاً مشروعاً. ويشمل ذلك جميع الدول الأوروبية تقريباً، إذ تمتلك معظمها قدراً من هذه السندات.
اعتماد نظام إيران استراتيجية اعتبار الجميع أعداء، قد تجد تفسيرها في إدراكه أنه، ومنذ نشوئه، لم يسلف أحداً ما يمكن أن يدفعه للتعاطف معه، ناهيك عن تأييده. ومنذ اندلاع هذه الحرب ضده، أوغل في اعتماد هذه الاستراتيجية، وأطلق على دول الخليج التي سعت لمنع الحرب ضده من الصواريخ والمسيرات أضعاف ما أطلقه على إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة. كما أطلق العنان لفصائله في المنطقة التي لم تراع أدنى “لياقات” التعامل مع دول وشعوب انتشارها، والتي زجتها في مجابهة مع التنين الذي كانت تحاول عدم التحرش به. وكشفت هذه الفصائل عن كل ما تلقنته من نظام الملالي من ضرورة إعلان إنسلاخها الكلي عن “أوطانها وشعوبها”، وإنصهارها بعقيدته تمجيد الموت، حتى أنها تخلت هذه المرة عن نعي قتلاها وإحصائهم، وتركت الأمر لذوي من تتمكن من استرجاع جثته من ميدان القتال.
الدول التي ابتلت بأذرع إيران، وتلك التي كانت تسعى لإنقاذها من الحرب الحالية، لم تعد تسأل عن نهاية هذه الحرب، بل أخذت تخشى توقفها قبل أن تشل كل قدرات هذا النظام، أو تتطيح به.
موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 17 الجاري نصاً عنونه بالقول: “إيران أصبحت عدواً: لماذا تفقد دول الخليج صبرها، لكنها لا تدخل الحرب”؟ وألحقه بآخر ثانوي “يحاول القادة الإقليميون معرفة ما يهددهم أكثر: الهجمات من طهران أم تحركات الولايات المتحدة وإسرائيل المتحالفتين”.
استهل الموقع نصه بالقول إن دول الخليج، بالرغم من أنها لم تطلب من الولايات المتحدة شن حرب على إيران، إلا أن معظمها يصر الآن على الأميركيين بألا يوقفوا العملية. وينقل عن رويترز قولها في 17 آذار/ مارس، أن دول المنطقة تخشى من أن تحتفظ إيران، بعد انتهاء الحرب، بقدرات عسكرية تمكنها من إبقاء دول الجوار في حال توتر دائم. وفي الوقت عينه، تواصل واشنطن الضغط على الدول العربية المجاورة لإيران، سعياً منها لإشراكها في العملية العسكرية ضد نظام الملالي. ونقل عن مصادر لم يذكرها قولها إن ترامب يريد من إبراز دعم دول المنطقة تعزيز موقعه السياسي الداخلي والشرعية الدولية لما يقوم به.
ونقل الموقع عن رئيس مركز دراسات الخليج في الرياض عبد العزيز صقر قوله إن المنطقة يسودها شعور وكأن إيران قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء الممكنة في علاقاتها مع جميع دول الخليج. وأضاف بالقول “في البداية، دافعنا عن إيران وعارضنا الحرب، ولكن ما إن بدأت بمهاجمتنا حتى أصبحت عدوًا. لا يمكنك وصف الأمر بغير ذلك”.
رأى موقع يديعوت أحرونوت أن إيران قد أظهرت بالفعل قدراتها على شن هجمات صاروخية وإطلاق طائرات مسيرة على مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومراكز تجارية في ست دول خليجية. وفي الوقت عينه، تعمل طهران على زعزعة استقرار الملاحة في مضيق هرمز باستهداف السفن العابرة له. وينقل هذا المضيق ما يقارب خُمس نفط العالم، مما يجعله بالغ الأهمية للاقتصاد العالمي. وقد أدت الهجمات المتعددة إلى زيادة المخاوف من أنه إذا احتفظت إيران بعد نهاية الحرب بترسانة من الأسلحة الهجومية أو القدرة على إنتاجها، فإنها ستهدد موارد الطاقة في المنطقة بشكل متكرر، مستخدمة إياها كـَ “رهينة” كلما تصاعدت التوترات.
المصدر: المدن



