
شهدت سوريا في تموز 2025 تحولاً هيكلياً بارزاً بإصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (113)، القاضي بتأسيس “الصندوق السيادي السوري”. يهدف هذا الكيان الاقتصادي المستقل، المرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، إلى إدارة الموارد البشرية والمادية وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاجية. إلا أن هذا الإجراء أثار انقساماً واسعاً بين التفاؤل بقدرته على تنشيط الاقتصاد الوطني، والمخاوف من تحوله إلى قناة مالية موازية تفتقر للشفافية وتعمل بمعزل عن السلطة التشريعية.
يتزامن تأسيس الصندوق مع نشاط مكثف لـ “اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع”، التي أتمت تسويات مالية كبرى مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق (أمثال سامر فوز ومحمد حمشو وطريف الأخرس)، أفضت إلى استرداد أصول وشركات تُقدر قيمتها بـ 1.6 إلى 3 مليارات دولار. وبينما يرى خبراء اقتصاديون ضرورة توجيه هذه الموارد لدعم البنية التحتية وتعويض المتضررين (جبر الضرر)، يشدد حقوقيون على أن هذه “التسويات المالية” لا يمكن أن تشكل حصانة قانونية أو تسقط الحق في المساءلة الجزائية عن جرائم الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان ـ وهو ما أكدته اللجنةـ مؤكدين أن العدالة الانتقالية والشفافية في إدارة “أموال الشعب” هما الضمانة الوحيدة لاستدامة السلام والاستقرار الاقتصادي في سوريا المستقبل.
الصندوق السيادي السوري
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في تموز المرسوم رقم (113) لعام 2025 القاضي بإحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي في الجمهورية العربية السورية تسمى الصندوق السيادي، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقره دمشق ويرتبط برئاسة الجمهورية. ويهدف إحداث الصندوق وفق المرسوم إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من الاختصاصات كافة، وتنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.
ويعمل الصندوق بالاعتماد على نظام حوكمة صارم وشفاف من خلال تقارير ربع سنوية وسنوية تقدم إلى رئاسة الجمهورية، والتدقيق المالي عبر أجهزة مستقلة عن الصندوق والرقابة الآنية وتصويب الأخطاء قبل وقوعها، وفق بيان نقلته وكالة سانا.
وبين المرسوم أن الموارد المالية للصندوق تتكون من المصادر الآتية:
الاعتمادات والأموال التي تخصصها الدولة له
الموارد التي تتحقق من نشاطات الصندوق
قيمة الأصول الثابتة في المجلس والاستثمارات الخاصة به
الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة
وعلى سبيل المثال، قالت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية في الرابع من آذار الجاري، إن سوريا طرحت مناقصة عالمية لترخيص جديد لمشغل شبكة هواتف محمولة يحل محل إم.تي.إن سوريا.
وقالت الوزارة إن المشغل الفائز، بموجب ترخيص مدته 20 عاما، سيحصل على 75 بالمئة في الشركة المحلية، بينما سيحتفظ الصندوق السيادي السوري بالنسبة المتبقية.
الصندوق السيادي واسترداد المال العام
عقب الإعلان عن الصندوق قال الباحث الاقتصادي كرم الشعار في تدوينة على “فيس بوك”، إن المرسوم يسمح للرئاسة السورية التصرف بممتلكات القطاع العام والاستثمار بمعزل عن الوزارات أو السلطة التشريعية .
في 26 من شباط الماضي، قال باسل السويدان رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع لوكالة “سانا”، إن استرداد المال العام الناتج عن الكسب غير المشروع، أو ما وصفت بـ”التسويات”، جاء ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، بوصفه إجراءً قانونياً ذا طبيعة مالية علاجية.
وقال: إن تحديد نسبة 80 بالمئة في بعض التسويات جاء نتيجة لتدقيق قانوني ومالي متخصص، وتقييم دقيق للقيمة السوقية للأصول، ومدى التعاون وصدق الإفصاح، مع مراعاة المصلحة العامة.
وأعلنت اللجنة إتمام تسويات مع عدد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام المخلوع من أبرزهم محمد حمشو وسامر فوز وطريف الأخرس وغيرهم، إضافة إلى نقل ملكية أصول شركة “شام القابضة” إلى الدولة.
وأشار السويدان إلى أن معالجة الكسب غير المشروع لبعض الأفراد، مثل سامر فوز، تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت قطاعات صناعية وتجارية وخدمية ومصرفية، حيث جرى تحويل هذه الأصول والمبالغ المحصلة إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي لإدارتها واستثمارها بما يخدم الاقتصاد الوطني ويحافظ على قيمتها الإنتاجية.
يذكر أن “صندوق التنمية السوري”، كما يعرف نفسه “مؤسسة اقتصادية وطنية أُنشئت بموجب المرسوم الرئاسي رقم (112) لعام 2025، تعنى بمشروع إعادة بناء سوريا ومستقبل مزدهر لكل السوريين. ككيان يتمتع بالاستقلال المالي والإداري ويرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، فإننا نكرّس جهودنا لقيادة مسيرة التنمية المستدامة في البلاد”.
يشار إلى أن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع لجنة وطنية مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وأُحدثت بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025 لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة، وتعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات الدولة وقطاعات الأعمال.
مخصصات صندوق التنمية بحسب ما ورد في موقعه الإلكتروني الرسمي، مشيرا إلى أن تعهدات التبرع تتطلب فترة معالجة. وسيتم تحديث البيانات وعكسها على المنصة بمجرد اكتمالها.
كم دخل من أموال وأصول إلى الصندوق السيادي؟
حول هذا السؤال يقول الباحث الاقتصادي محمد علبي لموقع تلفزيون سوريا، إنه حتى الآن لا يوجد رقم إجمالي رسمي منشور يوضح حجم الأموال والأصول التي دخلت الصندوق السيادي نتيجة التسويات التي تجريها لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. فالبيانات الحكومية تؤكد فقط أن التسويات تهدف إلى استرداد الأموال أو نقل ملكية الأصول إلى الدولة، ثم إدارتها عبر صندوق التنمية أو الصندوق السيادي. لكن في غياب تقارير مالية لهذا الصندوق السيادي يبقى الحجم الحقيقي لهذه الموارد غير واضح.
ويضيف علبي “مع ذلك، توفر بعض التحقيقات الصحفية تقديرات تقريبية. فتحقيقاتٌ استقصائية أشارت إلى أن السلطات حصلت على أصول تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار من خلال تسويات مع عدد من رجال الأعمال “الكبار” المرتبطين بالنظام السابق، شملت حصصاً في شركات كبيرة وأصولاً صناعية وتجارية. كما أشارت إلى أن بعض التسويات الفردية تضمنت نقل ملكية شركات وعقارات واستثمارات متنوعة إلى الدولة، ما يعني أن الجزء الأكبر من الموارد ليس سيولة نقدية فقط، بل مجموعة أصول اقتصادية وعقارية يجري وضعها تحت إدارة الصندوق أو الدولة، ولا أحد يعلم ضمن أي إطار قانوني وما إن كان تم نقل الملكيات، لأن لا قراراتٍ قضائية معلنة بهذا الشأن. بالنتيجة، يمكن القول إن القيمة الإجمالية ربما تتراوح بين 2 و3 مليار دولار، إذا أُخذت بعين الاعتبار كل التسويات التي جرت خلال العام الماضي، لكن الرقم النهائي لا يزال غير معلن رسمياً”.
أين يجب أن تستخدم أو تُستثمر أموال الصندوق السيادي؟
التجارب الدولية تظهر أن الأموال المستردة من الفساد أو التسويات يمكن أن تتحول إلى أداة مهمة للاستقرار الاقتصادي إذا وُظفت في القطاعات الإنتاجية ذات الأثر المضاعف المرتفع. في الحالة السورية، يبرز العامل الاجتماعي خصوصاً، وهنا يرى علبي أن الاستخدام الأكثر جدوى يتمثل في توجيه جزء من هذه الأموال (المنقولة) إلى تمويل مستحقات بعض الموظفين والمتقاعدين المحجوزة (كتلك للمعلمين في إدلب)، وهو ما يساعد في تخفيف الضغوط الاجتماعية. إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والطاقة والمياه والنقل، لأن هذه القطاعات تمثل جوهر التحديات الهيكلية أمام التعافي الاقتصادي، كما يمكن تخصيص جزء من السيولة (إن كانت بالقطع الأجنبي) لتعزيز الاستقرار النقدي وتمويل الواردات الأساسية.
أما الأصول غير المنقولة التي انتقلت إلى الدولة أو الصندوق (مثل الشركات أو العقارات) فالأفضل إدارتها ضمن استراتيجية إعادة هيكلة واضحة وشفافة. كما يمكن أن تُستخدم هذه الأصول كأداة لجبر ضرر الضحايا ضمن استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية، يجري التوافق عليها مع هيئات العدالة الانتقالية والمفقودين ضمن إطار تشريعي يُقرّه مجلس الشعب. فالمتضررون من كسب هؤلاء المسؤولين ورجال الأعمال غير المشروع هم الأحق بأن تُسهم هذه الأموال في جبر ضررهم.
بهذه الطريقة تتحول الأصول المصادرة من أصول جامدة إلى محفظة إنتاجية تولّد تدفقات مالية مستدامة، واجتماعية تساعد في مسار تحقيق العدالة للضحايا. وفق علبي.
هل يتحول الصندوق السيادي إلى قناة مالية موازية؟
يلفت علبي إلى أنه “من حيث المبدأ المالي السليم فإن أموال الصندوق السيادي تذهب للخزينة لا مباشرةً لتمويل الموازنة، لأن الموازنة تصدر بقانون”.
ويوضح أن الأموال المستردة من الكسب غير المشروع هي في النهاية مال عام ويجب أن تخضع لنفس قواعد الشفافية والرقابة التي تخضع لها الإيرادات العامة. وجود صندوق سيادي لإدارة الأصول ليس أمراً غير مألوف، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول إلى قناة مالية موازية للموازنة العامة لا يعرف أحدٌ عنها شيئاً، وهي غير مطابقة بأي شكلٍ من الأشكال للمعايير الدولية (الشهيرة بمعايير سانتياغو) لهذا النوع من الصناديق، كما أنها غير شفافة، فتقاريرُ التدقيق لها لا تخرج عن رئاسة الجمهورية.
ويرى علبي أن الحل الأكثر توازناً بعد إصلاح حوكمة الصندوق، هو الفصل بين نوعين من الموارد. الأصول طويلة الأجل مثل الشركات والعقارات يمكن أن تُدار عبر الصندوق السيادي بهدف تعظيم قيمتها الاستثمارية وفي ذات الوقت جبر ضرر الضحايا. بينما يجب أن تُحوَّل العوائد النقدية أو جزء كبير منها إلى الخزينة العامة وتُدرج في الموازنة بشكل واضح وقابل للتدقيق. هذا يضمن الحفاظ على قيمة الأصول من جهة، ويمنع إخراج المال العام من منظومة الرقابة المالية من جهة أخرى. فلا معنى لصندوقٍ سيادي غير خاضعٍ لأي رقابة، هذا يصبحُ أشبه بثقبٍ أسود، يُشبه تلك لنظام الأسد كـ”الأمانة السورية للتنمية”، على حد قوله.
الشفافية.. جذب الاستثمارات واستقرار الليرة
يوضح علبي أن الشفافية المالية عامل أساسي في بناء الثقة الاقتصادية. فالمستثمرون المحليون والدوليون ينظرون إلى وضوح الملكية وقوانينها وإجراءات الحكومة تجاهها، وقواعد الحوكمة قبل اتخاذ أي قرار استثماري. وعندما يكون حجم الأصول تحت إدارة الصندوق السيادي غير معروف، أو عندما تكون طريقة إدارتها غير واضحة، يزداد ما يُعرف اقتصادياً بـ«المخاطر المرتفعة»، وهو ما يضعف تدفق الاستثمارات ويزيد الضغط على العملة المحلية.
أما عندما تكون الأصول معلنة وقواعد الإدارة واضحة (من حيث التقارير المالية والتدقيق والحوكمة) فإن ذلك يعزز مصداقية السياسة الاقتصادية ويخفض مستوى عدم اليقين. هذا لا يؤدي وحده إلى استقرار العملة، لكنه يسهم في تحسين توقعات السوق ويزيد قدرة الاقتصاد على جذب التمويل والاستثمارات.
سوريا والابتعاد عن “اقتصاد الظل”
بعد رفع العقوبات لم تعد سوريا بحاجة إلى اقتصاد الظل للالتفاف على القيود. فهل يمكن للصندوق السيادي أن يلعب دوراً حيوياً بتحويل أموال التسويات إلى مشاريع تنموية؟ يقول علبي إن ذلك ممكن، وقد يكون أحد أهم أدواره في المرحلة القادمة. فخلال سنوات العقوبات الواسعة كانت معظم المؤسسات التي استُحوِذَ عليها عبر التسويات مقيدة بالعقوبات، وتعمل عبر شبكات مالية غير رسمية أو ما يسمى اقتصاد الظل. أما مع إدراجها في كيان غير معاقب كالصندوق السيادي، فإن الفرصة أصبحت متاحة لنقل هذه الموارد إلى قنوات مالية رسمية وشفافة، «ولكن» ولتجنب تعرّض الصندوق نفسه للعقوبات (حيث أن أصول رجال الأعمال هؤلاء لازالت معاقبة) فيجب على الصندوق، ولجنة الكسب غير المشروع أن تكشف بشفافية عن العملية والإطار القانوني الذي نقلت بموجبه إلى الصندوق السيادي، “إن كانت فعلاً قد نقلت إليه”، يقول علبي.
التسويات تسترد الأموال العامة فقط
التسويات أثارت جدلا وغضبا لدى السوريين المتضررين، وفي حين أن التسوية لا تسقط الحق القانوني بالتوجه إلى القضاء، يوضح المحامي والحقوقي “المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان” المعتصم كيلاني لموقع تلفزيون سوريا، أنه استنادا إلى الإعلان الدستوري المؤقت للجمهورية العربية السورية لعام 2025، ولا سيما المواد 1 و2 و12 و13 منه، فإن مبدأ سيادة القانون وفصل السلطات وصون الحقوق والحريات يشكّل الإطار الناظم لأي نقاش حول التسويات المالية والمساءلة القضائية.
فالمادة الأولى تؤكد سيادة الدولة ووحدة كيانها القانوني، والمادة الثانية تقرّ مبدأ فصل السلطات، بما يعني خضوع جميع الأفراد والهيئات “دون استثناء” لرقابة القضاء، وعدم جواز تحصين أي قرار إداري من الطعن. كما أن المادة الثانية عشرة تنص على صون حقوق الإنسان وتكريس الاتفاقيات الدولية المصادق عليها كجزء من المنظومة القانونية الوطنية، الأمر الذي يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويجعل الحق في التقاضي والمحاكمة العادلة ضمانة دستورية قائمة. أما المادة الثالثة عشرة، التي تحمي الحريات العامة وحرية التعبير، فهي تؤسس لحق المجتمع في مراقبة إدارة المال العام ومساءلة القائمين عليه.
ويؤكد كيلاني أنه في ضوء هذه النصوص، فإن التسويات المالية التي تُبرم أمام هيئة إدارية، بما في ذلك هيئة الكسب غير المشروع، لا تُنشئ حصانة جزائية تلقائية ما لم يرد نص قانوني صريح وواضح بذلك، وبما لا يتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري نفسه.
ويتابع أن “الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة يبقى للنيابة العامة، ويجوز للمتضرر المباشر أن يتقدم بادعاء شخصي تبعا للحق العام، كما يجوز الطعن في القرارات الإدارية أمام القضاء الإداري إذا شابها عيب مخالفة القانون أو إساءة استعمال السلطة. وعليه، فإن أي تسوية مالية تعالج الشق المدني أو المالي لا تمحو بذاتها المسؤولية الجزائية عن أفعال قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون”.
هل سلوك المسار القضائي بحق المتورطين ممكن في سوريا؟
يشير كيلاني إلى أنه من الضروري التأكيد على مبدأ جوهري في هذا السياق، وهو أن التسويات المالية يجب أن تبقى ضمن نطاقها المحدد بوصفها أدوات لمعالجة أوضاع مالية أو لاسترداد أموال عامة، ولا يجوز لها على الإطلاق أن تتجاوز هذه العتبة لتطول الحق في المحاسبة عن الجرائم أو أن تنتقص من حق الضحايا وذويهم في العدالة وجبر الضرر. فالمساءلة الجزائية عن الجرائم، ولا سيما الجرائم الجسيمة، حق للمجتمع بأسره وليست مسألة قابلة للتفاوض المالي. كما أن جبر الضرر للضحايا هو حق مستقل، لا يمكن استبداله بتسوية إدارية أو اتفاق مالي لا يمر عبر قنوات العدالة المستقلة. وأي توسيع لمفعول التسويات ليشمل إغلاق باب الملاحقة أو تعطيل حقوق الضحايا يشكل مساسًا مباشرًا بمبدأ صون الحقوق المنصوص عليه في المادة 12 من الإعلان الدستوري.
ومن حيث إمكانية سلوك هذا المسار القضائي حاليًا داخل سوريا، فإن الإعلان الدستوري لعام 2025، من خلال تكريسه لفصل السلطات وصون الحقوق، يؤسس من الناحية الدستورية لإمكانية مساءلة أي شخص طبيعي أو اعتباري. غير أن الفعالية العملية لهذا المسار ترتبط بدرجة استقلال القضاء وتوافر الإرادة المؤسسية لمباشرة التحقيقات بصورة نزيهة وشفافة. ومع ذلك، فإن المبدأ الدستوري واضح: المساءلة ليست خيارًا سياسيًا بل التزام قانوني.
المساءلة والتدقيق
وفيما يتعلق بالصندوق السيادي، يوضح كيلاني أنه إذا كانت أمواله ناتجة عن موارد عامة أو عن تسويات تتصل بالمال العام، فإنها تندرج ضمن الملكية العامة التي تُدار باسم الشعب. ومقتضى سيادة القانون وصون الحقوق يفرض خضوع إدارة هذه الأموال للشفافية والرقابة، بما يشمل نشر تقارير دورية عن مصادر التمويل، وآليات الاستثمار، والعوائد، وإخضاعها لتدقيق مستقل، وتمكين السلطة التشريعية أو الجهة الرقابية المختصة من ممارسة دورها الكامل. ويضيف “أن حق السوريين في معرفة ما يوجد داخل الصندوق السيادي ليس مطلبا سياسيا فحسب، بل استحقاقا دستوريا متفرعا عن مبدأ خضوع المال العام للمساءلة”.
ويلفت إلى أن أي عملية انتقال سياسي لا تُبنى على العدالة تبقى معرضة للهشاشة والانهيار. ففكرة أن لا سلام بلا عدالة ليست شعارا نظريا، بل خلاصة تجارب دول عديدة خرجت من نزاعات مسلحة، حيث أثبتت العدالة الانتقالية — بما تتضمنه من كشف للحقيقة، ومساءلة للمسؤولين، وجبر لضرر الضحايا، وإصلاح للمؤسسات — أنها الطريق الوحيد إلى سلام مستدام. ويجد هذا المسار سنده في المادة 12 من الإعلان الدستوري التي تلزم الدولة بصون الحقوق والحريات، إذ لا يمكن حماية الحقوق من دون مساءلة من انتهكها.
وفيما يتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يقول كيلاني إنها وفق القانون الدولي العرفي واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يغير من طبيعتها تبدل الأنظمة أو تغير الأحوال السياسية. كما أن المسؤولية عنها لا تقتصر على المنفذ المباشر، بل تمتد إلى الآمر والمشارك والمحرض والمساعد والمتواطئ، وكل من قدّم دعمًا ماديًا أو لوجستيًا أو ماليًا مع علمه بالسياق الجرمي، أو سهّل أو تستر أو دلّس. وهذه القاعدة تعكس مبدأ راسخًا في القانون الدولي مفاده أن الجرائم الأشد خطورة تمس الإنسانية جمعاء ولا يجوز أن تكون محل مساومة أو إغلاق إداري.
ويختم مؤكدا أن “الإعلان الدستوري المؤقت لعام 2025، بما يكرسه من سيادة للقانون وفصل للسلطات وصون للحقوق، لا يجيز حصانة ضمنية ناتجة عن تسويات مالية، ولا يمنع مساءلة أي شخص تتوافر بحقه أركان المسؤولية الجزائية. كما أن إدارة الأموال العامة، بما فيها أموال الصندوق السيادي، يجب أن تخضع للشفافية الكاملة. والعدالة الانتقالية، القائمة على المساءلة وعدم التقادم في الجرائم الجسيمة، تمثل الشرط الضروري لقيام سلام مستدام في سوريا”.
المصدر: تلفزيون سوريا





