
مفي السياسة كما في الحروب، التوقيت ليس تفصيلاً. فـحزب الله الذي التزم لسنوات قواعد اشتباك دقيقة مع إسرائيل، وتجنّب الانجرار إلى مواجهة شاملة رغم الضربات المتكررة التي طالت قياداته وعناصره، قرر هذه المرة أن يردّ بالصواريخ عقب الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران ومقتل مرشدها علي خامنئي.
السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تغيّر؟ هل تبدّل ميزان الردع، أم أن طبيعة الحدث في طهران فرضت على الحزب تحركاً يتجاوز الحسابات اللبنانية الضيقة؟
من منظور أنصار الحزب، الردّ واجب استراتيجي وأخلاقي، لأن أي ضربة لإيران تُعد استهدافاً لمحور كامل، وحزب الله جزء عضوي منه. وهم يرون أن الصمت في لحظة كهذه كان سيُفسَّر ضعفاً ويشجّع على مزيد من الاستهداف.
لكن من منظور لبناني داخلي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. الرد الإسرائيلي القاسي، وطلبات إخلاء مناطق واسعة في الجنوب والبقاع، وتشريد آلاف العائلات، تعيد طرح السؤال القديم: من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟ وهل تُحتسب كلفة المواجهة وفق ميزان المصلحة الوطنية اللبنانية أم ضمن حسابات إقليمية أوسع؟
المعضلة هنا ليست أخلاقية فحسب، بل سيادية أيضاً. عندما تتحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة ردّ على أحداث تقع خارج حدودها، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة أكبر منه.
قد يكون الحزب مقتنعاً أنه يحمي توازناً إقليمياً يردع إسرائيل على المدى البعيد، لكن اللبناني الذي يغادر منزله تحت القصف يفكر في أمنه الآني لا في توازنات المحاور.
بين الولاء لمحور إقليمي ومتطلبات الدولة الوطنية، يقف لبنان مرة أخرى على خط النار، يدفع ثمن سؤال لم يُحسم بعد: أولوية العقيدة أم أولوية الوطن؟
المصدر: كل العرب






