أي أفق للاندفاعة الأميركية في ملف الصحراء الغربية؟

محمد طيفوري

تتجاوز الدينامية المتسارعة التي تشهدها قضية الصحراء في الأسابيع الأخيرة مجرّد التحرك الإجرائي، لتكشف عن تحول ملموس في إيقاع العملية السياسية، فتواتر اللقاءات بين الأطراف المعنية بالنزاع، المغرب وبوليساريو بشكل مباشر، والجزائر وموريتانيا بشكل غير مباشر، يعكس وجود إرادة دولية ضاغطة لكسر حالة الجمود، فالزخم غير المسبوق بمثابة محاولة لترجمة مخرجات قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ما يؤشّر إلى أن المرحلة الحالية لا تهدف إلى مجرّد الحفاظ على التهدئة، بل تسعى بجدّية نحو هندسة أرضية مشتركة قادرة على استيعاب التعقيدات الإقليمية، والانتقال بالملف من “إدارة النزاع” إلى “مربّع الحل” في ظل توازنات جيوسياسية جديدة.
في أقل من شهرين، عُقدت ثلاث جولات (فلوريدا ومدريد وواشنطن) بين أطراف النزاع، مع تواتر أنباء عن جولة رابعة مرتقبة منصف مارس/ آذار الجاري، ما يعكس رغبة الإدارة الأميركية بقيادة مسعد بولص، المبعوث الرئاسي للشؤون العربية والأفريقية، تذليل العقبات الفنية والسياسية في ظل تسريباتٍ عن تباعد المسافة بين طرفي النزاع، قبل نهاية شهر أبريل/ نسيان موعد الاجتماع الرسمي لمجلس الأمن بشأن الصحراء، حيث يرتقب أن يقدّم الأمين العام تقريره بناء على نتائج المفاوضات بين الأطراف.
يعكس حجم الانغماس الأميركي الراهن في الملف أولوياته الدبلوماسية لدى واشنطن؛ فهي الراعي الرسمي للمفاوضات والممسكة بزمام المبادرة، لأنها حاملة القلم في مجلس الأمن عند صياغة القرار 2797. ويؤكّد هذا الاستعجال غير المسبوق في تاريخ القضية وجود رغبة أميركية جامحة لطي الملف نهائيا، رغم إقرار بولص مهندس الصفقات الكبرى في الإدارة الأميركية بصعوبة المهمة، وتبريره طابع السرية بكون الملف “شائكاً ومعقداً للغاية”، ما يضع الطموح السياسي في مواجهة مباشرة مع تعقيدات الواقع.
اختارت واشنطن فرض سياج صارم من الكتمان والسرية المطلقة على مسار المفاوضات؛ وذلك تحصينا لها من أي تشويش إعلامي أو استغلال سياسي مبكر. ولم يكن نهج التغيير الدائم لأماكن اللقاءات مجرد إجراء لوجستي، بل رغبة حقيقة في رفع سقف فرص نجاحها، واستثمار ما تراكم منذ انطلاق جولات التفاوض بين الأطراف.
دبلوماسية الكواليس التي تقودها واشنطن قد تجاوزت مرحلة جسّ النبض إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد
واقعياً، تكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية لكونها اللقاء المباشر الأول بين المغرب وجبهة بوليساريو منذ مفاوضات 2007 في مانهاست. كما يُعد الاجتماع الأول من نوعه منذ إعلان الجبهة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 إنهاء التزامها بوقف إطلاق منذ 1991. وفي السياق، يعتبر قبول الجزائر الجلوس إلى طاولة الحوار إنجازاً دبلوماسياً ملموساً، سيما وأنها اختارت، بصفتها عضواً غير دائم في مجلس الأمن، عدم المشاركة في التصويت على القرار الأممي المتعلق بالصحراء. طبعا، يأتي هذا التحول تحت وطأة ضغوط أميركية، تجلت في زيارتين لمسعد بولص الجزائر قبيل انطلاق هذه الجولات، تزامنا مع خفض واشنطن مستوى تمثيلها الدبلوماسي الأميركي في الجزائر والاكتفاء بقائم بالأعمال.
وقد فرضت الإدارة الأميركية إيقاعها الخاص ومنهجيتها البراغماتية على مسار المفاوضات، مستمدة زخمها من العقيدة السياسية للرئيس ترامب التي تؤمن باستراتيجية النتائج السريعة، فقد استطاع مهندس الصفقات في إدارة ترامب اختزال سنوات من الجمود السياسي في ثلاث جولات تفاوضية مكثفة خلال شهر؛ وهو عدد قياسي لم يحققه أي مبعوث أممي، بدءاً من جيمس بيكر وصولا إلى ستيفان دي ميستورا.
تبدو خريطة التحرّكات الأميركية الراهنة، التي أعقبت صدور قرار مجلس الأمن أقرب إلى هجوم دبلوماسي كاسح. وهذا ما يثبته الإقصاء المتعمد للاتحاد الأوربي من أي دور، ولو رمزياً، رغم استضافة الأراضي الأوروبية (مدريد) إحدى هذه الجولات، ما يعكس رغبة واشنطن الواضحة للانفراد بالملف. ما يثير تساؤلا جوهريا بشأن طبيعة الدور المتبقي للأمم المتحدة في ملف الصحراء، بعد أن انتقل مركز الثقل من الوساطة الدولية إلى المظلة الأميركية، لتغدو واشنطن أقرب إلى فرض الحل، وفق جدول زمني، منه إلى إدارة النزاع بين الأطراف.
عملياً، يبدو أن إدارة ترامب تتبنّى مقترح الحكم الذاتي الذي اشتغل المغرب على تسويقه سنوات، في كبرى العواصم العالمية، بوصفه الحل الأكثر واقعية لملف الصحراء. في هذا السياق، قدّمت الرباط في لقاء مدريد خطة تفصيلية للحكم الذاتي في 40 صفحة، منهية بذلك الذي وسم مقترح 2007 بأنه مجرّد “عنوان بلا تفاصيل”. تتضمن الوثيقة الآليات العملية للحكم الذاتي بالتفصيل في الصلاحيات التشريعية والتنفيذية (انتخاب برلمان جهوي وحكومة جهوية) وطبيعة النظام القضائي والسياسات الاقتصادية المحلية… وغيرها من تفاصيل تُبقي السيادة للرباط وتتنازل عن التسيير للإقليم.
فرضت الإدارة الأميركية إيقاعها الخاص ومنهجيتها البراغماتية على مسار مفاوضات المغرب وبوليساريو
استئناف المفاوضات في واشنطن بعد أسبوعين من جولة مدريد (9 و10 فبراير/ شباط)، يحمل دلالتين أساسيتين: تتمثل الأولى في قبول الأطراف بمقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، والثانية بقاء التفاوض داخل مقترح الحكم الذاتي لا من خارجه. فهل يعني ذلك التخلّي، وبشكل ضمني، عن خيار الاستفتاء وتقرير المصير، بعد التوافق على إنشاء لجنة تضم خبراء قانونيين لدراسة تفاصيل تطبيق الحكم الذاتي. ولكن جبهة بوليساريو، مدعومة بالجزائر، ترفض هذا التفسير؛ إذ ترى أن مهام اللجنة لا تقتصر على مقترح الحكم الذاتي، بل تتعدّاه لتقديم خيارات أخرى، استناداً إلى ما جاء في بعض بنود قرار مجلس الأمن، ما يعني الرجوع إلى مسار تقرير المصير، وسندها في ذلك المواثيق الأممية التي تربط تحقّقه بصندوق الاقتراع، فيما يدافع المغرب عن أن الحكم الذاتي، بحد ذاته، من أشكال تقرير المصير.
يكشف الفحص الدقيق لتفاصيل جولات التفاوض، سيما مدريد، عن تحول جوهري في الخطاب؛ إذ تجاوز نطاق الجدل “أحقّية الملكية” لينتقل إلى البحث في “آليات الإدارة”. وهذا يعني صراحة تجاوز التساؤل المبدئي بشأن “قبول مبدأ الحكم الذاتي”، والانتقال الفعلي إلى مرحلة المقاربات الإجرائية المتمثلة في “كيفية إنفاذ هذا الحكم على أرض الواقع”. ويبدو أن دبلوماسية الكواليس التي تقودها واشنطن قد تجاوزت مرحلة جسّ النبض إلى محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد. ومع اقتراب موعد إحاطة الأمين العام للأمم المتحدة في أبريل/ نيسان المقبل، يبقى السؤال الجوهري: هل تنجح الإرادة الدولية في تحويل هذا الزخم السرّي إلى اتفاق إطار علني ينهي عقوداً من الجمود؟ لن تختبر الأيام المقبلة فقط جدّية الأطراف المعنية، بل ستختبر قدرة الدبلوماسية الأميركية على صياغة حلٍّ يوازن بين طموحات الصفقة الكبرى وتعقيدات الواقع على الأرض.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى