خطاب حالة الاتحاد والحرب على إيران

نجيبة بن حسين

يمثّل خطاب حالة الاتحاد الذي يلقيه الرئيس الأميركي سنوياً أمام الكونغرس واحدةً من آليات الرقابة التي يمارسها الكونغرس على الرئيس، يتابع من خلالها سياساته وبرامجه والتقدم في تنفيذها، ويراقب الشعب الأميركي عبرها مدى التزام الرئيس باحترام القوانين والمعاهدات والالتزامات التي تعهّد بها داخلياً وخارجياً، بغية عدم انجرافه وراء ممارساتٍ تسيء للاتحاد أو تمثل تعسّفاً في استعمال سلطته. وقد اعتُبر خطاب الرئيس دونالد ترامب يوم 25 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) استثنائياً بكل المقاييس من حيث الشكل والمضمون، فمن حيث الشكل هو الأطول قي تاريخ الولايات المتحدة منذ بدء توثيق الخطابات في ستينيات القرن الماضي، فقد تجاوز ساعة و47 دقيقة. ويثير طول الخطاب تساؤلاً يتعلق بما إذا كان يدخل في باب الثرثرة السياسية والتمطيط المجاني، أم أنه طولٌ يقتضيه تشعّب المسائل المطروحة وضرورة الإطناب والاستفاضة في طرحها لتمكين المتلقي من الإلمام بمختلف جوانبها. وفي كل الأحوال، إلقاء خطاب في أثناء هذه المدّة وقوفاً، وفي سنّ متقدمة (79 سنة) يعد مؤشّراً على أن الحالة الصحية الجسدية والعقلية لترامب جيدة، رغم أن الخطاب لم يخل من التهريج والاستعراض والإشادة ببعض الحضور والخروج عن الموضوع والاستفزاز لخصومه السياسيين، الأمر الذي يعد مألوفاً في خطاباته وشخصيته، كما تخلّل الخطاب تصفيق متواتر ووقوف بين حين وآخر، وأيضاً بعض أشكال التوتر والتنديد والمقاطعة من أعضاء في الكونغرس من الحزب الديمقراطي، كالصادرة عن النائب الديمقراطي عن ولاية تكساس، أل غرين، الذي رفع لافتة كتب عليها “السود ليسوا قروداً” خلال إلقاء الرئيس خطابه، قبل اقتياد الرجل خارج القاعة. وورد هذا الاحتجاج رداً على نشر الرئيس ترامب مقطع فيديو يظهر الرئيس السابق باراك أوباما وزوجته على هيئة قردين.
من حيث المضمون، أُلقي الخطاب في سياقين، إقليمي ودولي، شديدي الحساسية والخطورة، جعلا العالم على شفا حربٍ عالمية ثالثة: حرب روسية أوكرانية وهجوم صهيو أميركي على إيران وحرب إسرائيلية على غزّة وعلى لبنان وسورية وحربٍ طاحنة في السودان وغيرها من النزاعات المسلحة في كل أصقاع العالم. وفي الداخل الأميركي، لا نهاية للحروب التي شنها ترامب ولا أفق لها، فتح جبهات متعدّدة في آن، من دون أن يردعه رادع أو يجرُؤ أحد على أن يلجم شراسته وعنجهيته في الدفاع عن خياراته وقراراته التي تصدم الجميع، فمن حربٍ ضد الهجرة غير الشرعية إلى حرب الرسوم الجمركية إلى حرب الرفاه والانتعاش الاقتصادي الأميركي. لقد انتابه هوس العظمة، ما جعله يعلن، في خطابه، عودة “العصر الذهبي لأميركا”، مفاخراً بأن أمته صارت “أكبر وأفضل وأغنى وأقوى من أي وقت مضي”، وبأنها تعيش “قصة نجاح استثنائية”، ومعدّداً إنجازاته وفتوحاته، لا سيما أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي، المقرّرة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، يدفعه إلى عرض مواطن انتصاره على خصومه الديمقراطيين، للفوز عليهم في هذه الانتخابات الحاسمة، فتحدّث عن الحط من نسبة التضخم ورفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية وحفض أسعار الأدوية وغيرها وانخفاض معدّل البطالة، وتقليل الأعباء على الأميركيين… كما حرص ترامب على المقارنة بين إنجازاته ومواقف خصومه الديمقراطيين، مباهياً بتفوقه عليهم، مقدماً شواهد حية على ذلك.
خارجيا، أطاح الرئيس ترامب رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو. في سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، تُضرب فيها بسيادة الدول عرض الحائط، ويُخطف فيها رئيس من قصره عنوة. لقد فاخر بهذه البلطجة وغنائمها المتمثلة قي تلقيه أكثر من 80 مليون برميل نفط من شركائه الجدد في كاراكاس، متناسياً أنه خرق كل مبادئ القانون الدولي وثوابته، كما دعم حرب إبادة جماعية خاضها الكيان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزّة ودعم حرب الكيان نفسه ضد إيران ولبنان وسورية، وروّج مقولة ‘أميركا أولاً’ والسلام الذي يُفرض بالقوة، وخاض حروباً تجارية للرسوم الجمركية ضد العالم بأسره بما في ذلك شركاؤه التقليديون، كالاتحاد الأوروبي، جعلت الجميع يتسابقون للتفاوض معه وتقديم تنازلاتٍ له. وسعى جاهداً إلى نيل جائزة نوبل للسلام، وتلميع صورته ليبدو رجل سلم وقوة ردع لفرض الاستقرار في العالم. وفي هذا السياق، يترأس مجلس السلام الذي أحدثه للإشراف على تنفيذ خطة السلام وإعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي في قطاع غزّة، والعمل على حل أي نزاع آخر.
لا يستبعد أن تكون على يدي ترامب بداية النهاية للإمبراطورية الفاشية التي يروم تشييدها
ولكن البحث في مدى صحة الادّعاءات والإنجازات التي أشاد بها ترامب يدعو إلى مراجعة ما تحقق فعلياً طوال السنة الأولى من حكمه، ومتابعة مدى الرضاء الشعبي على سياسات ترامب، ذلك أن الواقع يخالف هذه التصريحات، فقد تراجعت نسب الرضى الشعبي على أداء ترامب في السياسة والاقتصاد وملفّ الهجرة، إذ بيّنت استطلاعاتٌ للرأي أن 39% فقط من الأميركيين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد، بينما يرفض طريقته 59% منهم، وأن 34% من الناخبين المسجلين يعتبرون أن ترامب حقق توقعاتهم بشأن الاقتصاد، في حين يعتبر 63% منهم أنه لم يحقق النتائج المرجوّة، كما أن ستة من كل عشرة أميركيين يعتقدون أن ترامب بات متقلب المزاج مع تقدّمه في السن، إلا أن المتحدّث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل، شكك في صحة هذه الاستطلاعات، قائلاً إن نتائج الاستطلاع كانت مثالاً على “روايات زائفة ويائسة” وأن “ذهن ترامب المتقد وطاقته التي لا تضاهى وسهولة الوصول إليه تاريخي”.
ورغم تشكيك ترامب وإدارته، يفنّد ارتفاع نسب التضخم والصعوبات المعيشية التي يواجهها الأميركيون ادعاءاته، الأمر الذي جعل الديمقراطية، أبيغيل سبانبرغر، حاكمة ولاية فيرجينيا تقول إن ترامب “في خطابه، فعل ما يفعله دائماً: الكذب والبحث عن كبش فداء وتشتيت الانتباه وعدم تقديم أي حل عملي للتحدّيات التي تواجهها أمتنا”. وفي السياق، رأى زعيم كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي، شاك شومر، أن خطاب الرئيس ترامب منفصلٌ عن الواقع. وفي ما يتعلق بالرسوم الجمركية التي فرضها على دول كثيرة، أبطلت المحكمة العليا الأميركية نسباً عالية منها، فانتقد قرارها واعتبره سيئاً جدّاً. ولم يفوّت الفرصة في خطابه لتحدّي هذا الإبطال، والإشادة بخياراته بحضور ممثلين للمحكمة نفسها، مدّعياً أن الشركاء التجاريين للولايات المتحدة يريدون الحفاظ على الاتفاقات التي أبرموها، وأن سلطاته تسمح له بإبرام اتفاقات جديدة قد تكون أكثر سوءاً لهم ، كما أن ملف الهجرة أثار استياء كبيراً لدى جمهور الأميركيين إثر التعاطي الزجري والعنيف لشرطة الهجرة معه ، وما ترتّب عنه من مقتل أميركيين، بالإضافة إلى ما سيترتب عن السياسة التضييقية والقمعية التي ينتهجها ترامب في مجال الهجرة غير الشرعية من تداعيات خطرة اجتماعية واقتصادية وأمنية، علاوة على أن سياساته الصارمة على الحدود وحملته لترحيل مهاجرين جعلت، حسب استطلاعات للرأي، معظم الأميركيين يعتقدون أن إدارته تمادت في اعتقال المهاجرين غير الشرعيين وفي الإفراط في استعمال القوة.
والملاحظ أيضاً أن ترامب تحاشى الحديث عن قضية إبستين، رغم ما أثارته هذه الملفات من جدلٍ كبير ارتبط بورود اسمه فيها، وبدء التحقيق في الموضوع أمام الكونغرس ووجود ضحايا أميركيين محتملين يخشون من تفشّي سياسة الإفلات من العقاب في هذا المستنقع الآسن الذي كاد يهزّ عرش سياسيين كثيرين، مشكّكاً في مصداقيتهم وفي أخلاقهم.
يفنّد ارتفاع نسب التضخم والصعوبات المعيشية التي يواجهها الأميركيون ادّعاءات ترامب
وفي ما يتعلق بالملف الإيراني، قال الرئيس الأميركي، في خطابه، إنه يود انتهاج السبل الدبلوماسية لفض هذا الملف الشائك، ولم يخف مخاوفه من تطوير الأسلحة النووية الإيرانية. قائلاً إنه لن يسمح “لأكبر راعٍ للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي”، ومألوفة في تصريحات ترامب المخاتلة والتلاعب بالكلمات واعتماد المباغتة في الهجوم على الأعداء، وهو ما حدث في حرب الـ 12 يوماً التي اندلعت الصيف الماضي بالوكالة عن طريق الكيان الإسرائيلي، مدعوماً بأكثر الأسلحة الأميركية تطوراً، وهو ما يحدث اليوم في ثاني الحروب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، بتعلّة أن الأخيرة تمتلك أسلحة يمكن أن توجّهها ضدها، وأنها تدعم الإرهاب. والغرض الحقيقي من هذه الحرب إسقاط النظام الإيراني وإزالة التهديد الوجودي الذي يشكّله على الكيان الصهيوني. وقد اعتمد الرئيس ترامب خطاب الاتحاد للمراوغة والتضليل للتهيئة الفعلية للحرب على إيران، بالإيهام بمواصلة التفاوض والاحتكام للحلول السلمية لإلهاء العدو، وبثّ الطمأنينة، وشن هذه الحرب التي قد تتحوّل طويلة المدى، رغم تصريحات القادة الإسرائيليين أنها ستمتد أياماً فقط، سيؤدي ضرورة إلى زعزعة الأمن والسلم في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم بأسره، لأن تداعياتها ستغرق الجميع في الفوضى وانعدام الاستقرار. وستكون غير معلومة العواقب والآثار على المديين، البعيد والقريب، سيما إثر اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وما يختزله من رمزية دينية وسلطوية لدي الشيعة، فهل ستنجح أميركا وحليفها الإسرائيلي في كبح جماح هذه الحرب، حتى لا تمتد كالنار في الهشيم فتحرق الجميع، وهل ستحقق أهدافها بأسرع وقت ممكن، وبأخف الأضرار للحليفتين المتهوّرتين والمنقادتين وراء ذريعة القوة المطلقة ووهم التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباري؟ وأين هي الشرعية الدولية من كل هذه الغطرسة والجبروت الصهيو أميركي؟ وأين هو ضمير العالم الحر الذي يبدو عاجزاً أمام إرادة ترامب وأطماعه التي لا حدود لها؟
أسئلة عديدة تبدو الإجابة عنها صعبة، وتنتظر ما ستكشف عنه الأيام والأشهر المقبلة من تجليات. وفي كل الأحوال، لا يمتّ “رجل السلام”، كما يسوّق لنفسه بصلة، لا من بعيد ولا من قريب، للسلم والأمن بوصفهما من القيم الإنسانية العليا، بل هو مهندس الحروب والصراعات بامتياز ومبشّر بالعصر الذهبي للإمبريالية الصهيو أميركية في أبشع صورها. ولا يستبعد أن تكون على يديه بداية النهاية للإمبراطورية الفاشية التي يروم تشييدها، لأن التاريخ أثبت أن كل إفراط في القوة الظالمة والغاشمة مؤذنٌ لا محالة بالخراب على صاحبه.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى