
حين تأسّست الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، اقتصر هدفها المُعلَن على البحث عن “ملاذ آمن” ليهود يتعرّضون للاضطهاد في أماكن مختلفة. لم تكن فلسطين الملاذ الوحيد المُقترَح لهم في ذلك الوقت، كانت هناك ملاذات عدّة مقترَحة، شملت أوغندا في أفريقيا والأرجنتين في أميركا اللاتينية على سبيل المثال. ثم حين نجحت في الحصول من بريطانيا على “وعد” بالمساعدة في إنشاء “وطن قومي لليهود في فلسطين”، اكتسبت الحركة الصهيونية زخماً غير مسبوق، وبرزت قوةً لا يستهان بها في الساحة الدولية. فتاريخ فلسطين يختزن دلالات ورموزاً تسمح لها بتعبئة وحشد جماعات يهودية مختلفة، قد ترتبط فيما بينها بروابط دينية، لكن لا تجمعها أيّ روابط عرقية أو ثقافية، عبر توظيف ممنهج لأساطير دينية من قبيل “الأرض الموعودة” و”شعب الله المختار”، لإلباس الدعوة الصهيونية ثوب القومية الباحثة عن عودة “شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب”. ولأن فلسطين كانت، في ذلك الوقت، ضمن الولايات العربية التابعة لإمبراطورية عثمانية على وشك الانهيار، فقد وجدت دول الاستعمار الأوروبي المتطلّعة لوراثتها في مساعدة الحركة الصهيونية على تحقيق أهدافها فرصة تضمن لها ولاء يهود العالم لها إبان الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بالفعل، وفي الوقت نفسه، غرس كيان غريب في المنطقة يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، ويحول دون قيام دولة عربية كُبرى تحلّ محلّ دولة الخلافة الإسلامية. ولأنّ العالم العربي اجتاحته في ذلك الوقت أيضاً مشاعر قومية تدفعه إلى التطلّع نحو الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية، فقد لاحت أمام القوى الأوروبية فرصةٌ مزدوجةٌ لاستغلال الحركتَين الصهيونية والقومية العربية معاً، ما يفسّر صدور “وعد بلفور” وإبرام “اتفاقية سايكس ـ بيكو”، ومراسلات “حسين ـ مكماهون”، وظهور “لورانس” في المنطقة لدعم “الثورة العربية الكبرى”.
يبدو أن الصراع مع المشروع الصهيوني دخل مرحلة الحسم، التي قد تشهد بداية أفول مشروع صهيوني وصل إلى ذروة توحّشه
في سياق كهذا، كان من الطبيعي أن يحدُث التلاقي التام والعضوي بين أهداف (ومصالح) القوى الاستعمارية الغربية وأهداف المشروع الصهيوني ومصالحه، وأن تتناقض كلّياً مع أهداف شعوب المنطقة ومصالحها في ذلك الوقت، ما يفسّر خيانة بريطانيا العربَ وتنكّرها لكلّ الوعود التي قطعتها لهم وانحيازها المطلق للحركة الصهيونية، كما يفسّر لاحقاً تبنّي الولايات المتحدة هذا المشروع الاستعماري عقب تراجع مكانة أوروبا في النظام العالمي مع اقتراب هبوب رياح الحرب العالمية الثانية. فلم تكتفِ الولايات المتحدة بممارسة الضغوط على بريطانيا لحملها على التراجع عن قرار تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وإنما مارست أيضاً ضغوطاً مكثّفة على دول عديدة أعضاء في الأمم المتحدة لتوفير الأغلبية اللازمة في الجمعية العامة لاعتماد قرار تقسيم فلسطين. وبعد قيام الدولة اليهودية في جزء من فلسطين، راحت هذه الدولة تتعهد بالرعاية إلى أن وصلت إلى مرحلة التوحّش الراهنة، التي يتحدّث فيها بعض وزراء حكومتها علناً عن الحقّ في إقامة “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات”، وبدعم علني أيضاً من السفير الأميركي الحالي في إسرائيل.
لم يكن أمام الشعب الفلسطيني من خيار آخر سوى الوقوف وحيداً في مواجهة هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني، فكان عليه في فترة ما بين الحربَين مواجهة الاحتلال البريطاني، ومواجهة الهجرة اليهودية متسارعة الإيقاع، ما يفسّر ثوراته المتعدّدة خلال هذه الفترة، منها ثورة كبرى ظلّت مشتعلةً ما يقرب من ثلاث سنوات (1936 ـ 1939). ولم تتحوّل المسألة الفلسطينية من قضية “وطنية” تخصّ الشعب الفلسطيني وحده إلى مسألة “قومية” تخصّ العالم العربي ككل، إلا مع تحرّك الدول العربية المستقلّة نسبياً في ذلك الوقت لإقامة “جامعة دول عربية” تأسّست في 1945. فما إن أعلن ديفيد بن غوريون قيام “دولة إسرائيل” في 14 مايو/ أيار 1948، حتى قرّرت الدول العربية التدخّل عسكرياً لإجهاض قيام دولة يهودية أُعلنت من جانب واحد، ما أتاح للدولة اليهودية الوليدة فرصةً لاحتلال مساحات شاسعة تتجاوز الحدود المرسومة لها في قرار التقسيم. ولم يتمكّن مجلس الأمن، لا من حمل إسرائيل على العودة إلى حدود التقسيم، ولا من فرض تسوية على الأطراف المتصارعة، واكتفى المبعوث الأممي بتقديم المساعدة لإبرام هدنة فتحت الباب على مصراعيه لصراع عربي ـ إسرائيلي تسبّب في اندلاع سلسلة متتالية من الحروب أعوام 1956 و1967، انتهت بحرب 73 التي اعتبرها الرئيس أنور السادات آخر الحروب، وقرّر بعدها زيارة القدس (1977) ثم إبرام معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل (1979)، فانتقل الصراع بين الدول العربية وإسرائيل من مواجهة لا يحسمها إلا السلاح إلى خلاف على الحدود يدار بوسائل التسوية السياسية.
يعتقد نتنياهو أنّه حقّق انتصارات كاسحة في جميع المعارك التي دارت في هذه الجبهات كافّة، لكنّه يدرك جيّداً أنه لم يكسب الحرب بعد
تميل شرائح من النُّخب السياسية والفكرية العربية إلى ترويج مقولة مفادها أنّ تبنّي الأفكار القومية الراديكالية المعادية للغرب، خصوصاً خلال المرحلة التي تولّت فيها مصر الناصرية قيادة العالم العربي، حال دون التوصّل إلى تسوية شاملة لهذا الصراع، غير أن هذه المقولة تدحضها حقيقتان: الأولى أن الدول العربية التي صوّتت ضدّ قرار التقسيم عام 1947، ثمّ خاضت الحرب لمنع قيام دولة يهودية في جزء من أرض فلسطين، ثم أصدرت عام 1950 قراراً بمقاطعة إسرائيل أو الدخول معها في علاقات من أيّ نوع، وتحريم الاعتراف المنفرد بها، كانت تقودها جميعاً نظم سياسية تقليدية تقيم أفضل العلاقات مع الغرب، وليست لها علاقات تذكر بالاتحاد السوفييتي. والثانية أن السياسة التي دشّنها السادات بزيارة القدس، وسارت فيها من بعده أنظمة عربية عديدة، بما فيها منظّمة التحرير الفلسطينية، لم تُفلح على مدى نصف قرن في التوصّل إلى تسوية شاملة ومقبولة، رغم كل ما قدّمته من تنازلات نحو نصف قرن، بسبب رفض إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967.
حين اندلعت الثورة الإسلامية في إيران قبل أسابيع قليلة من توقيع مصر على معاهدة سلام منفرد مع إسرائيل، مطيحة أحد أهم الأنظمة الحليفة لإسرائيل في المنطقة، خشيت الأخيرة من انهيار “العملية السياسية” التي ابتكرها كيسنجر وسار السادات في نهجها، ثم سارعت باستغلال شعار “تصدير الثورة” لتأجيج الصراعات الطائفية في المنطقة، ثم نجحت بالتعاون مع الولايات المتحدة في استدراج العراق لشنّ حرب على إيران، ما دفع المنطقة برمّتها نحو فوضى لا مثيل لها، وصلت إلى ذروتها بإقدام العراق على احتلال وضمّ الكويت. فقد أفرزت التفاعلات الناجمة عن هذه الفوضى تيارَين متناقضَين ومتصارعَين: يدفع الأول في اتجاه التخلّي نهائياً عن الكفاح المسلّح والسير وراء النهج الساداتي، تبنته معظم الأنظمة العربية وأسفر عن إبرام اتفاقيات أوسلو (1993) ووادي عربة (1994) ثم الاتفاقات الإبراهيمية لاحقاً. ويدفع الثاني في اتجاه رفع راية الكفاح المسلّح والتصدّي للسياسات الأميركية والصهيونية في المنطقة، تبنّته حركات من غير الدول، وقدّم له الدعم المالي والتسليحي، ما أسفر تدريجياً عن قيام “محور المقاومة”. ومن بين ركام التفاعلات الناجمة عن الصراع المحتدم بين هذَين التيّارَين، وُلِد “طوفان الأقصى” الذي أشعل جولةً جديدةً من الصراع المسلّح مع إسرائيل، ولكن من نوع غير مسبوق في تاريخ هذا الصراع. فللمرّة الأولى تضطر إسرائيل لخوض حرب متزامنة في عدّة جبهات، شملت فلسطين ولبنان وسورية واليمن، منها جبهة تبعد عنها آلاف الكيلومترات هي الجبهة الإيرانية، تشارك فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، وتظلّ مشتعلةً أكثر من عامَين.
فشل جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران قد تفضي إلى حرب استنزاف طويلة الأجل
يعتقد نتنياهو أنّه حقّق انتصارات كاسحة في جميع المعارك التي دارت في هذه الجبهات كافّة، لكنّه يدرك جيّداً أنه لم يكسب الحرب بعد، ولن يحقّق انتصاراً نهائياً فيها إلا بتغيير النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام التام لشروطه، سلماً أو حرباً، ما يفسّر استماتته في جرّ الولايات المتحدة إلى المشاركة معه في حربٍ جديدةٍ على إيران تُفضي إلى إسقاط نظامها العنيد. ولذا لم يستطع إخفاء شعوره بالقلق فور الإعلان المفاجئ عن موافقة ترامب على إجراء جولة مفاوضات جديدة مع إيران بوساطة عُمانية. صحيحُ أن أهدافهما الاستراتيجية تكاد تكون متطابقة، لكن هذه الأهداف إذا كانت غير قابلةٍ للتحقّق إلا بحرب يدرك نتنياهو جيّداً أنه لا يستطيع أن ينتصر فيها إذا اضطر لخوضها وحده، فمن الطبيعي أن تختلف حسابات قوة عظمى في حجم الولايات المتحدة عن حسابات دولة صغيرة في حجم إسرائيل، مهما كانت متانة العلاقات بينهما. لذا يتملّك نتنياهو شعورٌ عميقٌ بالقلق من هذه الجولة بالذات، التي شهدت عدّة جلسات في مسقط وجنيف، ويجرى الاستعداد لعقد جلسة في فيينا لمناقشة “مسائل فنية”، ما يوحي بأنها جولة واعدة ليس من المستبعد أن تنتهي باتفاق.
غير أنه ينبغي الحذر من الإفراط في التفاؤل، فخيار الحرب لم يسقط بعد، خصوصاً في ظلّ استمرار الحشود العسكرية الأميركية الهائلة في المنطقة التي تواجهها إيران باستعدادات ضخمة للدفاع عن نفسها والردّ على أيّ عدوان محتمل. إذ يصعب التكهّن بسلوك ترامب الذي اعتاد الغدر والكذب والخديعة، الذي لا يختلف كثيراً عن نتنياهو؛ فكلاهما لا يحملان مشاعر ودٍّ تجاه العرب والمسلمين كافّة، لا فرق عندهما بين عربي مسلم وعربي مسيحي، أو بين مسلم شيعي ومسلم سنّي، ومن ثم يتّفقان تماماً في الأهداف، حتى إن اختلفا أحياناً حول الوسائل. لذا يُتوقّع أن تلعب هذه الجولة دوراً حاسماً في تحديد مصير المنطقة عقوداً طويلةً مقبلة. ففشلها سيفضي إلى حرب لا يعلم إلا الله كيف ستنتهي، والأرجح أن تتحوّل بسرعة إلى استنزاف طويل الأجل، ونجاحها سيفضي إلى اتفاق قد يعكس الصمود الإيراني ويحدّ من الغطرسة الأميركية والإسرائيلية. وفي جميع الأحوال، يبدو أن الصراع مع المشروع الصهيوني دخل مرحلة الحسم، التي قد تشهد بداية أفول مشروع صهيوني وصل إلى ذروة توحّشه وإجرامه، ما يفرض على جميع العرب والمسلمين التوحدّ لإسقاطه، طال الزمان أم قصر.
المصدر: العربي الجديد






