رمضان المغربي وحدود المجال العام

نور الهدى سعودي

الجدل الدائر في المغرب حول الإفطار العلني كلّ رمضان يحمل طابعاً موسمياً في ظهوره، غير أنّ مادّته ثابتةٌ: فصل قانوني قائم (الفصل 222) يجرّم المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان داخل مكان عمومي لمن عُرف باعتناقه الإسلام، مقابل أصوات مدنية وحقوقية تدفع نحو المراجعة أو الإلغاء، وأصوات ترى في الإبقاء حمايةً لحُرمة الشهر ولانتظام المجال العام. يملك كلُّ طرفٍ سرديته، غير أنّ نقطة الخلل غالباً تقع قبل السرديات؛ عند التعريف. فـ”العلني” كلمة تشتغل إشارةَ مرور، مع أنّها تحمل أكثر من معنى. علني قد يعني ظهور الفعل للغير، وقد يعني قصداً إعلانياً أو تحدّياً متعمّداً، وقد يأتي حركةً يوميةً عابرةً داخل فضاءٍ متعدّد الطبقات: شارع، محطّة، متجر، إدارة، رواق، سيارة متوقّفة. اختلاف الطبقات يبدّل معنى الظهور، ويبدّل حساسية التلقّي، وقابلية الفعل للتحوّل إلى “رسالة”. هنا تظهر أهمية التمييز بين ظهور عابر واستفزاز يُراد له أثر عام. من دون هذا التمييز، تظلّ الكلمة مرنةً أكثر من اللازم، ويظلّ الجدل قابلاً لإعادة الاشتعال مع كلّ واقعة.
يحضر البعد الديني في النقاش بحكم مركزية الصوم في الوعي الإسلامي العام. فالصوم فريضة، والإفطار من غير عذر يُنظر إليه في الفقه الإسلامي إخلالاً بالتكليف التعبّدي. غير أنّ المعالجة الفقهية تنصرّف أساساً إلى المسؤولية الفردية أمام الله، ولا تتضمّن نصّاً صريحاً بعقوبة دنيوية محدّدة لمجرّد الإفطار العلني في ذاته. هنا تظهر مسافةٌ دقيقةٌ بين المجال التعبّدي والمجال الزجري؛ مسافة يختلف تقديرها تبعاً للتصوّر المعتمّد لدور الدولة في حماية النظام العام أو صون الحساسية الدينية داخل الفضاء المشترك. ومن ثم يتغيّر وجه النقاش بحسب الجواب الضمني عن سؤال الحماية: أهي حماية للشعيرة في بعدها الروحي، أم حماية لانتظام اجتماعي؟ أم استجابة لشعور جمعي متجذّر في العرف؟
رمضان زمن جماعي في المغرب، يتموضع في العادات بقدر ما يتموضع في الاعتقاد: انتظام المواعيد، اقتصاد الطعام، التضامن، الامتناع الجماعي، الإحساس بأنّ الإيقاع واحد. لذلك يتحوّل الإفطار العلني عند كثيرين كسراً لصورة جامعة أكثر منه كسراً لفكرة دينية مجرّدة. غير أنّ الصورة الجامعة، مهما بلغت قوتها، لا تبتلع المجتمع كلّه؛ فالمجتمع يحمل تنوّعاً في القناعات والسلوكيات والظروف، ويجرّب يومياً طرائقَ مختلفة في تدبير هذا التنوّع.
رمضان زمن جماعي في المغرب، يتموضع في العادات بقدر ما يتموضع في الاعتقاد
عند هذه النقطة يبدأ المستوى السياسي القانوني: ماذا يفعل التجريم هنا؟ التجريم في منطق الدولة الحديثة يُفترض أنْ يُسند إلى ضرر قابل للتحديد. في موضوع الإفطار العلني يصير السؤال: أين يُرسم حدّ الضرر؟ في الفعل نفسه؟ في قصده الإشهاري؟ في أثره على السكينة العامة؟ في ردّة الفعل الاجتماعي الذي قد يتضخّم حوله؟ غياب الحدّ الدقيق يجعل تطبيق النصّ عرضةً للتفاوت، ويترك مساحةً واسعةً للتقدير الظرفي، وهو ما يفتح الباب أمام شعورَين متقابلَين: شعور بأنّ النصّ يحمي المجتمع، وشعور بأنّ النصّ يُستدعى انتقائياً.
أمّا المستوى اليومي، فهو مختبر الفكرة كلّها. أغلب الحالات تُدار عبر مهارة اجتماعية (فالمجتمع سابق على الفرد): مراعاة، تجنّب احتكاك. هناك من يختار طرقاً تقلّل الظهور احتراماً للإيقاع العام، وهناك من يترك للناس فسحة طالما بقي الفعل خارج لغة الاستفزاز. غير أنّ المنصّات الرقمية، مع التصوير والتعليق السريع، تستطيع تحويل جزئية إلى قضية، وتحويل نقاش إلى محكمة رمزية.
لهذا تبدو الثنائية الرائجة (حرّية فردية مقابل حرمة الشهر) ثنائيةً مضلِّلة. الحرية داخل فضاء مشترك ترتبط بمسؤولية ووعي بالسياق، واحترام السياق لا يقتضي محكمةً أخلاقيةً متحرّكة. النقاش الأكثر نضجاً يبتعد عن خطاب “مَن المنتصر؟” و”مَن على حقّ؟”، ويتجه نحو سؤال تدبير: كيف يُصان الإيقاع العام من دون تحويل الفضاء المشترك إلى مجال تفتيش وإقصاء؟ كيف تُحمى الاختلافات الفردية من دون تحويل الاختلاف استعراضاً؟ كيف يُضبط دور الدولة كي لا يتحوّل النصّ أداةً ظرفية، ودور المجتمع كي لا يتحوّل العرف عقوبةً اجتماعية؟
يحمل المجتمع تنوّعاً في القناعات والسلوكيات والظروف، ويجرّب يومياً طرائقَ مختلفة في تدبير هذا التنوّع
من هنا تبرز فكرة التدبير المدني بديلاً ثالثاً يمكن اعتباره أكثر عقلانية: وضوح في المعايير، تضييق مساحة التأويل، حماية الناس من التشهير والاحتكاك، وترك مساحة للعرف كي يقوم بدوره الطبيعي بوصفه توازناً اجتماعياً، مع رفض تحوّله قضاءً شعبياً. التدبير المدني لا يُرضي من يبحث عن غلبة، غير أنّه يخفّض كلفة الصدام، ويعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: إدارة الفضاء المشترك.
يتجاوز الجدل الرمضاني في المغرب الواقعة إلى كيفية إدارة المجال المشترك عند تقاطع الحساسية الدينية والعرف مع النصّ القانوني والتحوّلات الاجتماعية. ما يجري يمسّ رسم الحدود داخل الفضاء العمومي، وحدود السلطة في تعريفها. غير أنّ النقاش، في صورته الراهنة، يكشف أيضاً حدود البيئة التي يُقال فيها. فخطاب إعادة التعريف يحتاج إلى أرضية تتقبّل التغيير، وتتحمّل التمييز بين الرمز والتشريع، وبين الحساسية والتنظيم، وإلى فعل الممارسة، تلك الأرضية لم تستقرّ بعد بالقدر الكافي. ولهذا يتكرّر الجدل بصيغ متشابهة كلّ عام من دون حسم. هناك، في مستوى البنية، يتقرّر ما إذا كان المجال العام قادراً على استيعاب هذا التحوّل، أو سيظلّ يدور داخل إيقاع موسمي يعيد إنتاج توتّره.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى