
تاريخ المدن، هو أحد التعبيرات عن الحضارات القديمة، وصولا إلى الحضارة الحديثة والمعاصرة، وتتجسد من خلال المدن ثقافة الجماعة والمجتمع، ومدى تطوره التقني والمعماري والتخطيطي والجماليّ ، ومن خلال الطرز المعمارية يتجلى جماليات المعمار، وآخيلة البنائين ثم المعماريين، والأهم المدن كانت ولاتزال فضاءات تطبيق القوانين على السكان أيا كانت نماذج وأشكال الحكم التي عرفتها البشرية على تعددها، ومعها إمبراطورياتها، وحكامها وولاتها ، ومن ثم تميزت المدن بأنماط من السلوك الاجتماعي تمايزت عن الأرياف والبوادي. المدينة مثلت مرآيا كل ثقافة وأديان ومذاهب -أيا كانت مصادرها الماورائية والوضعية- كل بلدان عالمنا، ومراحلها التاريخية المختلفة، لأن الأديان وطبقة رجال الدين، كانوا مع الحكام يركزون على معمار القصور ، والمعابد والأديان، وأماكن العبادة، لأن فخامة وضخامة القصور والمعابد والكنائس والأديرة، كانت جزءاً من الهيبة الروحية والسلطوية للملوك والأمراء ورجال الدين، وهو ما نجد بعض من أثر ذلك حتى الآن في المدن الحديثة، التي لا تزال تعطي اهتماما خاصاً من الدول والحكومات والمؤسسات الدينية لهذه الأبنية الأثرية ، وذلك بوصفها مكون أساس من التراث المادي والتاريخي لكل دولة لاسيما في المجتمعات الأوروبية، وشمال العالم، بل وفي دول جنوب العالم. مفهوم التراث المادي يشمل بعض بقايا المدن القديمة من أبنية، وتراث مادي، مع التراث اللا مادي، الذي بات موضع اهتمام دولي من اليونسكو، وأيضا من الحكومات -أيا كانت-، وذلك من خلال الاتفاقيات، والبيانات الدولية.
لجأت الحكومات -أيا كان نظامها السياسي- إلى سياسة الحفاظ على التراث المادي، واللامادي، كجزء من الذاكرة التاريخية لكل مدينة، وامتد ذلك إلى الأرياف والبوادي.
الذاكرة المدينية باتت تتجسد في الأحياء والشوارع والأبنية التراثية، من هنا شكل الحفاظ عليها، وترميمها جزءًا من السياسة المعمارية والتخطيطية، والأهم جزءًا من هويات المدن والأمكنة ، وتطوراتها العمرانية، ومن ثم باتت موضوعا للحماية القانونية لاسيما في البلدان المتقدمة.
في عالمنا العربي، لاسيما في الدول والمجتمعات ذات التاريخ العريق، والقديم تجاورت الآثار، مع بقايا تشكلات المدن، وتطوراتها، وتأكلها، وانهيارها، مع الغزوات، والاحتلال الأجنبي، والاستعمار الغربي، ونشأة المدن الحديثة، وأنماط طرزها المعمارية المستعارة من المتون المعمارية الأوروبية مثل قاهرة القرن التابع عشر، لاسيما مع إسماعيل باشا، وما بعد، على نحو ما تجسد من طرز معمارية في القاهرة والإسكندرية، وبعض المدن الأخرى كالمنصورة، وبورسعيد.
أدت المدن الحديثة دورها في رفد وتشكيل الثقافة الكوزموبوليتانية، وروافدها المتعددة مع الثقافات المتعددة والمتفاعلة لسكان هذه المدن، والأهم بروز فاعل لقدرة الثقافة المصرية، على تمصير هذه الروافد الثقافية المتعددة، وأثرها على السلوك الاجتماعي، في ظل النظام القانوني والقضائي الحداثي الذي نظم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد بعضهم بعضا، و بينهم، وبين الدولة وسلطاتها وهيئاتها، وأجهزتها البيروقراطية.
كانت المدينة الكوزموبولتيانية، هي مرآيا دولة القانون والحريات العامة، والمجال العام السياسي المفتوح، وكان تطبيق القانون على جميع المخاطبين بأحكامه سمت غالبُ السلوك الاجتماعي في فضاءات المدنية الحديثة مع تجاوزات تعرفها المدن الحديث وتخضع لسلطان القانون ومجالاته المتعددة.
كان تطور القاهرة والإسكندرية، وإحياءها الحديثة معماريا، انعكاسًا، للنظام الاجتماعي، وطبقاته المختلفة، من أماكن وإحياء من القصور والفيلات ، والعمارات، التي كان يقطنها الباشوات والبكوات من الطبقة شبه الرأسمالية ، وملاك الأراضي الزاراعية ، وكبار التجار .. الخ ، وأماكن وإحياء يسكن فيها أبناء الطبقة الوسطى التي تبلورت مع الانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1919. كان الانتقال من حي إلى أحياء أخرى، تعبيرا عن الحراك الاجتماعي لإعلي، والرغبة في التمايز الاجتماعي، والتعبير عن المكانة الاجتماعية، في كل مرحلة تاريخية.
لم تكن القاهرة والإسكندرية قاصرة فقط وعلى الإحياء الحديثة، والأنماط المعمارية المستعارة من التقاليد والطرز المعمارية الأوروبية – الإيطالية والفرنسية والبريطانية-، وإنما كانت هناك الأحياء الشعبية التي كان يسكنها “أبناء البلد”، من الطبقات الشعبية العمالية، وصغار الموظفين، والبروليتاريا الرثة .
تمددت الأحياء الشعبية في القاهرة والإسكندرية، مع الانفجار السكاني المتتالي، وتكونت حولها عشوائيات حاصرت المدينة، وأحياءها التاريخية وطرزها المعمارية، بل والأحياء الجديدة الممتدة، ومعها أنماط معمارية جديدة، وغالبها مستعار من التقاليد والمدارس المعمارية الأوروبية الغربية، والأهم الشرقية وخاصة بعد نظام يوليو 1952، ونظام المساكن الشعبية المستمد من التقاليد والأنظمة المعمارية في دول الإمبراطورية السوفيتية السابقة، إلا أن نظام الإسكان الشعبي وطرزه النمطية الوظيفية، لم يستطع أن يستوعب الانفجارات السكانية، والأهم الهجرات المتتالية من الأرياف إلى المدن، ولا أن يحد من نمو ظاهرة العشوائيات وإحياءها التي تمددت في القاهرة والإسكندرية وكافة محافظات مصر.
موجات الهجرة من الأرياف إلى المدن بدأت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية سعيا وراء فرص العمل والرزق، والخدمات، والتعليم لبعضهم.
مع نظام يوليو، والناصرية في أعقاب سياسات التصنيع، والتأميمات، والتعليم، اتسعت الهجرة من الريف للمدن، وهو ما ساهم في تمدد المناطق العشوائية حول المصانع، والشركات الكبرى، على نحو ما تم في حلوان، وشبرا الخيمة، وإمبابة وضواحي الجيزة والهرم ، وغيرها، وهو ما ساهم في تحول بعض الأراضي الزراعية حول القاهرة، والجيزة إلى مساحات وإحياء للبناء العشوائي، غير المخطط، في ظل فساد الأجهزة الإدارية، لاسيما في عهدي السادات ومبارك، وما بعد.
لا شك أن انفجار الأحياء والمناطق العشوائية، وتتالي موجات الهجرة من الأرياف ساهم في ترييف المدن لاسيما القاهرة والإسكندرية، في أنظمة القيم الريفية المغايرة لقيم وثقافة المدينة، وأدى ذلك إلى هيمنة ثقافة الفوضى، في المرور وأنظمته، وأيضا في السلوك اللامدينى، ومفهوم الزمن، وتحول الفوضى السلوكية والقيمية إلى ثقافة، ونظام، لم يُعد قاصرًا على الريفيين في المدن، وإنما إلى أبناء المدينة، وغالب طبقاتها الاجتماعية وأجيالها . أدى ذلك إلى تراجع الثقافة القانونية الحديثة، ومن ثم ضعف سيادة القانون في الواقع لأن المجتمع بات أكبر من الدولة وأجهزتها، لاسيما أجهزة إنفاذ القانون نظرًا للتضخم السكاني ، وانفجاراته المتتالية !
من هنا لم تعد روح وثقافة المدن وتنظيمها وانضباطها وفق التنظيم القانوني، سائدة في المدن الكبرى في مصر، وفي عديد من بلدان العسر العربية كالسودان واليمن، وسوريا، والعراق ما بعد صدام، والجزائر، والمغرب. من ثم تنامت وارتفعت معدلات الجرائم في المدن وتفاقمت وتزايدت، نظرا لفرض العشوائية كسلوك ونمط تفكير في مختلف مناحي الحياة العامة ، وهيمنة قانون المكانة والقوة والسلطة، والفساد الذي بات شائعا في هذه الدول ومجتمعاتها من اعلي لأسفل ومن القاع الي قمة النظام الاجتماعي ، وفقا للتقارير الدولية .
لم تستطع السياسات السكانية والإسكانية، الرسمية الفاشلة ان تحقق أهدافها وفعاليتها، ولم تعد قادرة على استيعاب ظواهر الترييف، والهجرات المتتالية، نظراً لأزمات نماذج التنمية،، وفشلها ، وأيضا لتهميش الأرياف والبوادي في سياسات التنمية، والتركيز على العواصم والمدن الكبرى.
من هنا باتت العشوائية، واللا تخطيط سمت بعض المدن العربية المعسورة، ومع الهجرات العربية الي إقليم النفط ، واتباع النيوليبرالية ، والمديونيات الخارجية المتزايدة ، واتساع الفوارق الاجتماعية، نشأت الأحياء والمناطق السكانية المغلقة – الكومبوندات – في المدن الجديدة حول المدن الكبرى، وذلك كأحد مظاهر التمايز الطبقى، ودلالة على المكانة الاجتماعية في الحياة في التجمعات السكنية المغلقة، وطرزها المعمارية وبعضها ردئ ، وأسواقها وأماكن الخدمات داخلها، والأمن -من خلال الشركات الأمنية- ، ومن ثم أدت إلى حالة من الانفصال عن التركيبة السكانية للمدن الكبرى بكل مكوناتها لاسيما الطبقات الوسطى والشعبية. بات ثمة انفصال، وتمايز قيمي، وتمثيلات واستعراضات سلوكية متعالية على بقية مكونات المدينة، وسطوة أنماط استهلاكية مكثفة وفائقة. وهذا ما ادي الي ظواهر تفكك الانتماء الوطني ، بل وساهم في تفكيك مفهوم القومية والأمة الواحدة في مصر والمغرب علي سبيل المثال في ظل رداءة التعليم العام والخاص ومستوياته ، وغياب المعرفة التاريخية والوعي التاريخي لدي عديد الأجيال من واي وزد وآلفا وهو ماسيتفاقم مع جيل بيتا !
هذه التجمعات السكانية والإسكانية المغلقة انكسرت معها وحدة ثقاف المدينة والمجتمع والدولة، بل باتت تعبيرا عن عقلية المقاولين، والمطورين العقاريين الساعين لتعظيم الربحية، وهو ما أدى إلي استيعاب مدخرات الميسوريين في المجتمعات العربية المعسورة في مجال العقارات وتملكها، والمضاربة على أسعارها، وليس توظيف هذه المدخرات في مجالات صناعية أو مشروعات اقتصادية تساهم في تطور البلدان العربية المعسورة. الأخطر ان عقلية المقاولين والمطورين العقاريين مثقف من ثقافة الاستهلاك المفرط لهذه الطبقة الاجتماعية فائقة الثراء ، والوسطي العليا !
لا شك أن فوضى ثقافة اللا نظام ساهمت في أزمات فاعلية قانون الدولة في هذه البلدان العربية المعسورة، وأيضا في الفوضى المعمارية، والقيمية لاسيما بين أجيال y وz و آلفا من الطبقات الثرية وفائقة الثراء . بات سلطة الثراء الفائق – وبعضه ناتج عن بعض الفساد السلطوي تتعالي علي القانون ، وأصبح علامة محفزة علي ان القانون لايطبق سوي علي المعسورين والطبقة الوسطي التي تتأكل ، وتعاني من مشكلات كبري في مجتمعات كانت تشكل قاعدة تطورها الحديث .
باتت المدن العربية المعسورة مرآيا لفوضي الطرز المعمارية، وثقافة الفساد، واللا نظام وتفسخ أنظمة القيم ، وعلامة على تدهور الحداثة في المعمار، والقانون والقيم ، وغياب تقاليد التخطيط ، والانصياع لأنظمة القانونية الحديثة واحترامها ، بديلا عن قانون المكانة والقوة واللانظام .
المصدر: الأهرام






