مِخيال الهوية الانعزالية السورية بين الأنساق النقلية المُضمَرة والأنساق الاغترابية الظاهرة من نقد العقل النقلي المقلوب إلى نقض الاغتراب الانعكاسي

د. مازن أكثم سليمان

_ مَحاوِر البَحث:

_ مدخل تمهيديّ: الانعزاليَّةُ بوصفِها إخصاءً لتعيينِ (الأنا) في (ذاتٍ) خلَّاقة.

أوَّلاً: الأنساق البِنيويَّة المُضمَرة للهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة:
1_1 العقل النَّقليّ.
1_2 العقل النَّقليّ المَقلوب.
1_3 تمويه النَّقد بحُجُب النَّقض.

ثانياً: الأنساق الوظيفيَّة الظَّاهرة للهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة:
2_1 التَّراتبيَّة.
2_ 2 الاغترابُ، والاغترابُ الانعكاسيُّ.
2_3 التَّراحميَّة المُوارِبة.

ثالثاً: هجرةُ الأنساق الانعزاليَّة المُضمَرة والظَّاهرة إلى مُنفتَح الثَّورة السُّوريَّة:
3_1 نقد التَّجلّيات الطَّبقيَّة.
3_2 نقد التَّجلّيات العُنصريَّة.
3_3 نقد التَّجلّيات النُّخبويَّة.

_ ما يُشبِهُ الخاتمة: ما بعدَ سُقوطِ الأبَد (هجرةُ الهجرة).

_ نصّ البَحث:

هل يمكنُ الزَّعمُ، وإنْ بدا ذلكَ زعماً مُسَبَّقاً لغاياتٍ إجرائيَّة، بأنَّ إحدى أهم (القيَم المُهيمِنة) نسبيَّاً على بِنية المِخيال السُّوريّ هيَ الموقف (الانعزاليّ)، بمَا ينطوي عليهِ هذا المِخيال من ارتيابٍ (هُوِيَّاتيٍّ/ عن، وضدَّ) الآخَر المَحكوم عليهِ، قَبْلِيَّاً، بالإعدام المَعنويِّ، وبالمُخالَفة المَرفوضة؛ أي بالنَّفي الجوهرانيّ، وبالخِلاف الحدِّيّ التَّفاصُليّ والإلغائيّ، لا بالاختلاف التَّعايُشيّ والتَّراحُميّ المَقبول؟
هل يُمكنُ تفسيرُ جوانبَ من الواقع السُّوريّ طوالَ عُقودٍ طويلَةٍ بالحديث عن موقفٍ (أنَوِيٍّ/ فرديّ وجمعيّ) انعزاليٍّ طارِدٍ ورافضٍ للآخَر، وبأنَّهُ موقفٌ ينطوي على نمطٍ من المِخيال التَّراتُبيّ المُتكوِّر ظاهريَّاً على مُستويات عدَّة ممَّا أَصطلِحُ عليهِ في هذهِ المادّة بـِ (الاغتراب الانعكاسيّ)، والمُبطَّن بِنيويَّاً بأنساقٍ مُضمَرة تنتمي إلى آليَّاتِ العقل النَّقليّ، وإلى ما اصطلحتُ عليهِ أيضاً بـِ (العقل النَّقليّ المَقلوب)؟
وفي حال كانَ هذا الاعتقاد صحيحاً إلى حدٍّ ما، كيفَ نتلمَّسُ حُضورَهُ في مُستويات الأساليب الوُجوديَّة السُّوريَّة المُختلِفة؟
… ثُمَّ، كيفَ انعكَسَ ذلكَ سلبيَّاً على الثَّورة السُّوريَّة، أوَّلاً؟ وهل يُمكِنُ مُجاوَزَتَهُ، ثانياً، بعد إسقاط السُّوريِّين المنظومةَ المجرمة بغية بناء دولة (المُواطَنَة) الدِّيمقراطيَّة التَّعدُّديَّة المُنتمية إلى العصر والحُرِّيَّة والمُستقبَل، كما يُفترَض؟.

مدخل تمهيديّ: الانعزاليَّةُ بوصفِها إخصاءً لتعيينِ (الأنا) في (ذاتٍ) خلَّاقة

يدلُّ الفعلُ (عزَلَ يَعزِلُ، عَزْلاً، فهوَ عازِلٌ، والمَفعولُ مَعْزولٌ) في المُعجَمِ العربيِّ على فصْلِ الشَّيء عن اتِّحادِهِ بغيرِهِ، وعن فرزِهِ عن ذلكَ الشَّيءِ وإبعادِهِ عنهُ وتنحيتِهِ جانباً.
أمَّا الفعلُ (انعزلَ عن ينعزِلُ، انعزالاً، فهو مُنعزِلٌ، والمَفعولُ مُنعزَلٌ عنهُ)، فهوَ مُطاوِعُ (عزَلَ)، وانعزَلَ عنِ النَّاس: انزوَى، وتنحَّى، وابتعدَ عنهم، وانْعَزَلَ في خَلْوَتِهِ: اعْتَزَلَ، وعاشَ في عُزْلَةٍ.
والانعزالُ هو حيلةٌ نفسيَّةٌ في نظريَّة التَّحليل النَّفسيّ كان سيغموند فرويد أوَّلُ من اقترَحَها؛ وتُوصَفُ بأنَّها عمليَّةٌ عقليَّةٌ تتضمَّنُ إحداثَ فجوةٍ بين إدراكٍ بغيضٍ أو تهديديٍّ، والأفكارِ والمَشاعرِ الأُخرى عبرَ تقليلِ الصِّلاتِ التَّرابُطيَّةِ مع الأفكارِ الأخرى.
وفي علمِ النَّفسِ المُعاصِرِ وُصِفَ (اضطِّراب الشَّخصيَّة الانعزاليَّة) بأنَّها الشَّخصيَّةُ الخَجولةُ والمُنسحِبَةُ والخائِفةُ من رفضِ الآخَرِ لها، حيثُ تميلُ إلى العُزلَةِ عنِ المُجتمَع، والانطواءِ على الذَّاتِ بفعلِ شُعورٍ مُحكَمٍ بضعفِ الثِّقةِ بالنَّفْس.
… وباختصارٍ، أُعرِّفُ من جهتي الفعلَ الانعزاليَّ إنسانيَّاً ووطنيَّاً، بأنَّهُ:
آليَّةٌ دفاعيَّةٌ فوقيَّةٌ (مُتعالية) في أساليبِ وُجودِ المُنبسَطِ الظَّاهريِّ، هُجوميَّةٌ دونيَّةٌ في العُمقِ البِنيويّ الدَّاخليِّ، فرديَّةٌ أو جماعيَّةٌ أو كليهِما معاً، تقومُ على شُعورٍ حادٍّ بالتَّمركُزِ الطُّهرانيِّ والجوهرانيِّ على الأنا الفرديَّة والجمعيَّة، بتأثيرِ ارتيابٍ يَنطوِي على هَواجِسَ نرجسيَّةٍ (فوقيَّةٍ ودونيَّةٍ في الوقتِ نفسِهِ)، حيثُ ينبسِطُ فعلُ الانعزالِ انسحابيَّاً عبرَ بناءِ حَواجِزَ (دفاعيَّةٍ/ هُجوميَّةٍ) في مُواجَهَةِ الأنا للآخَرِ ثقافيَّاً واجتماعيَّاً وسياسيَّاً، وهيَ الآليَّاتُ التي تُعدِمُ الآخَر مَعنويَّاً في حالات السِّلم، ومادِّيَّاً في حالات الحرب، وتُخصِي الذّات نفسها بتثبيتِها في/ وطيِّها على مركزيَّة (أناها)، بما يمنعُ تعيُّنَ (الأنا) وانبساطهِ في ذاتٍ فاعِلَةٍ ومُتفاعِلَةٍ وخلَّاقةٍ إنسانيَّاً ووطنيَّاً.

أوَّلاً: الأنساق البِنيويَّة المُضمَرة للهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة

أعتقدُ أنَّ مخيالَ الهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة ينبسطُ في عُمقهِ البِنيويّ في ثلاثة أنساق مُضمَرة، هيَ:
1_1 العقل النَّقليّ:
يُوصَف العقلُ النَّقليُّ بأنَّهُ نقيضُ العقل؛ أي إنَّهُ عقلٌ تمركزيٌّ أحاديٌّ ينفي بالمُطابَقات المُتعالية الخبرةَ والاختبارَ النَّقديَّ، ويُقدِّم ثوابتَ المَعرفةِ والثَّقافةِ المُسَبَّقة، بوصفها ماهيَّات مُنجَزة، على أدواتِ (النَّقدِ)، مُغلِقاً بابَ التَّفكير العقلانيّ أمام سجنِ (النَّصّ/ مكتوباً او شفويَّاً) ويقينيَّاته، ومُحوِّلاً الزمانيَّةَ الوقائعيَّة، وتاريخيَّتها المُستقبَليَّة، إلى بِنية مُغلَقة ومُتعالية ونهائيَّة.
في مادَّتي المُعنونة بـِ (نحوَ موجة نهضويَّة عربيَّة ثالثة/ مُقارَبة فكريَّة جديدة لمُصطلحَي “الأسلَمة” و”ما بعدَها”)، المنشورة في موقع (الجمهوريَّة) بتاريخ 11/ 8/ 2023)، فكَّكتُ الموجتيْن النَّهضويتيْن الآتيتيْن:
1_ موجة عصر النَّهضة/ اليقظة العربيَّة أو التَّنوير العربيّ/ الحداثة الأُولى: (حقبة الأَسلَمة الانفعاليَّة/ أو الأيديولوجيا بوصفِها وُجوداً بالقُوَّة):
ويُؤرَّخُ بدؤها عند مُعظَم الباحثين بالحملة الفرنسيَّة على مصر والشَّام (حملة نابليون بونابرت 1798_ 1801م).
2_ موجة عصر الحداثة العربيَّة/ ما بعدَ اليقظة العربيَّة/ الحداثة الثَّانية: (حقبة الأَسلَمة المُنظَّمة/ أو الأيديولوجيا بوصفِها وُجوداً بالفعل):
يميلُ مُعظَم الباحثين إلى تأريخ/ أو إرجاع (إرهاصات) هذهِ الحقبة إلى بدايات القرن العشرين، حيثُ نضُجَت مَعالِمُها، رُويداً رُويداً، مع بدء ما سُمِّيَ (استقلال) الدُّول العربيَّة عن الاستعمار القديم، وُصولاً إلى أواسط القرن العشرين.
لعلَّ حقبتَي (الأَسلَمة)، كما كتبتُ في مادَّتي المُشار إليها، تُشكِّلان انفتاحَ (نسَقٍ وُجوديٍّ عامّ/ كُلِّيّ) اشتركَتْ فيهِ (الخطاباتُ) بجُملَةٍ من المُحدِّدات التَّكوينيَّة وعناصر الحُضور الواقعيَّة، محكومَةً بعددٍ من المُنطلَقات والأفكار والمَفاهيم والمُسَبَّقات والرُّؤى الأيديولوجيَّة واليوتوبيَّة التي نهَضَ عليها (الإبستمي) لتسويغ شرعيَّة (تملُّكِهِ الاجتماعيّ للذَّوات العربيَّة) عبرَ توظيف رأس مال (رمزيّ/ ثقافيّ) كامن ومُلِحّ في أسئلة الوعي واللَّاوعي الجمعيّ العربيّ المُتعطِّش للنَّهضة والتَّقدُّم والحضارة والعودة إلى التَّاريخ والعصر.
وبهذا المعنى، حكَمَ النَّسَقَ الوُجوديَّ العامّ/ الكُلِّيّ للخطاب في هاتيْن الموجتيْن، صراعٌ (تمركزيّ تطابُقيّ) لثُنائيَّاتٍ كانتْ سائدةً بينَ (التَّناحُر/ الإقصاء، والجدَل)، هيَ:
1_ الأنا/ الشَّرق، والآخَر/ الغرب.
2_ التُّراث/ الماضي، والمُعاصَرة/ الحاضِر (التَّقليد والحداثة).
3_ الاتِّباع والإبداع.
4_ السُّلطة والدَّولة (المرجعيَّات المَطلوبة أو المُفترَضة أو الضَّروريَّة أو اللّازمة/ المُلزِمة).
انطلاقاً من ذلكَ، سادَتْ أجوبةٌ عن هذهِ الثُّنائيَّات تُهيمِنُ عليها قيَمٌ خطابيَّةٌ (حدِّيَّةٌ/ تفاصُليَّةٌ) و(مَركزيَّة/ تطابُقيَّة) قائمَةٌ في مُعظمِها على مَبادِئِ (المنطق الأرسطيّ):
1_ مبدأ الجوهر الثَّابت للهُوِيَّة.
2_ مبدأ عدم التَّناقض (الوَحدة المُتماسِكة والمُتعالية).
3_ مبدأ الثَّالث المرفوع (إمَّا/ أو).
وهذا ما يُمكِنُ وصفُهُ بالخطاب الشُّموليّ الأُحاديّ، المُنبثِق من فكر الثُّنائيَّات الجوهرانيَّة المُتحفِّزة بمُسَبَّقاتٍ مَركزيَّة تطابُقيَّةٍ، لمُواجَهَةِ الأسئلة الكيانيَّة المُقلِقة عربيَّاً؛ أو بصياغة أُخرى: انبسطَ في هاتيْن الموجتيْن صراعٌ أيديولوجيّ شُموليّ (تناحُريّ في الغالب، وجدَليّ أحياناً) قائِم لدى جميع التَّيَّارات، نسبيَّاً، على الإقصاء والتَّمركُز الأُحاديّ، وعلى جوهرانيَّة امتلاك مَعرِفة الحقيقة النَّهضويَّة المُطابِقَة للمُسَبَّقاتِ.
إذ لطالَما اشتغلَتْ تلكَ (الخطابات/ المُؤدلَجة) في (تملُّكِها الاجتماعيّ) على آليَّاتٍ أُصوليَّة شُموليَّة تمنحُها شرعيَّتَها انطلاقاً من مُصادَرَةِ الوُجودِ قَبْلِيَّاً، وطيِّهِ على (وَحدة/ وَحداتٍ) أيديولوجيَّةٍ جوهرانيَّةٍ ومَركزيَّة تطابُقيَّة (مُتعاليةٍ ونهائيَّةٍ ومُغلَقةٍ).
ويبدو أنَّ هذهِ الأنساق مالتْ إلى نمطٍ وُجوديّ مُنحاز إلى مُطابَقة أحد طرفيّ الثُّنائيَّات، إمَّا بطيّ الأجوبة والحلول على الماضي/ العربيّ الإسلاميّ، أو بطيِّها على الحاضر/ الغرب، وهو الأمر الذي يعني أنَّ هذهِ الأنساق ظلَّت وفيَّةً للعقل النَّقليّ المُسَبَّق، بما هو نفيٌ جوهرانيٌّ يُبطِّن أساليبَ الوجود بمِخيال هُوِيَّاتيّ انعزاليّ، قد يكونُ مُموَّهاً نسبيَّاً، لكنَّني أُميِّزُ هُنا بينَ العقل النَّقلي التَّقليديّ، وما سأُبيِّن دلالاتهِ المَفهوميَّة في الفقرات القادمة؛ أي: العقل النَّقليّ المَقلوب.

1_2 العقل النَّقليّ المَقلوب:
إثرَ نشر مادَّتي البَحثيَّة المُشار إليها هُنا (نحْوَ مَوجة نهضويَّة عربيَّة ثالثة)، ورَدتني انتقاداتٌ مُفيدةٌ عدَّة، وتساؤلاتٌ جادَّةٌ، وحواراتٌ غنيَّة، دفعتنِي إلى إشهار مُصطلَحي الجديد (الذي كنتُ أُرجئُ إشهارَهُ من قبل): (العقلُ النَّقديّ الزَّائِف: العقلُ النَّقليّ المَقلوب/ المُزدوَج) في مَنشورٍ على حسابي في الفيس بوك، وذلكَ للارتباط العُضويّ بينَ مَضامين مادَّة المَوجة النَّهضويَّة الثَّالثة، والمَفهوم الذي آملُ أنْ ينطوي عليهِ مُصطلَح (العقلُ النَّقليّ المَقلوب/ المُزدوَج).
في مادةِ الموجة النَّهضويَّة جعلتُ دلالات مُصطلَح (الأسلَمة) الخطابيَّة المَفهوميَّة غيرَ مُقتصِرَة ومحصورة، فقط، في الإسلام السِّياسيّ، وحدَه، ولتطويَ معها (أي تلكَ الدَّلالات المَفهوميَّة) التَّيَّارات العربيَّة الأيديولجيَّة في القرن العشرين التي دُعيَتْ (تقدُّميَّة وعلمانيَّة) من قوميَّة ويساريَّة وحتَّى ليبراليَّة، التي رأيتُ أنَّها (أُصوليَّات شُموليَّة مَقلوبة) في مُعظم خطاباتِها وسُلوكيَّاتِها؛ أي إنَّها لا تخرجُ عن كونِها (جوهرانيَّات مَركزيَّة)، طبعاً باعتماد (نسبيَّة) مَفهوم (القيمة المُهيمِنة)، وليسَ عبرَ التَّعميم المَذموم والمرفوض عندي، نظَريَّاً وإجرائيَّاً.
ذلكَ أنَّني اعتقدتُ أنَّ سبب اندراجها تحت مروحة (الأسلَمة) يكمنُ في تحليل خطاباتِها القائِمَة على (لُوغوس) التَّحكُّم الميتافيزيقيّ/ أو: لُوغوس إخضاع الوُجود لمُسَبَّقاتِ الأيديولوجيَّات الشُّموليَّة والأُحاديَّة/ اليقينيَّة، والقائمَة على (منطق الثَّنائيَّات التَّناحُريَّة)، وعلى منطق (التَّطابُق الجوهرانيّ وامتلاك الحقيقة)، لا على الاختلاف والتَّعدُّديَّة والانفتاح _نحوَ_ التَّجربة والإبداع والمَجهول.
ولا بدَّ من الإشارة إلى كون مُنطلقاتي، النَّظَريَّة والعمليَّة، تنهَضُ هُنا، على الدِّفاع عن منطق الحُرِّيَّة والاختلاف والثَّقافة بمَعانيهِم الواسِعة، لا بدلالاتِهِم المُصادَرَة أيديولوجيَّاً، وعلى فهم الرَّأسمال الحضاريّ الرَّمزيّ بمَعناه الواسِع، لا بدلالاتِهِ الأيديولوجيَّة (الجوهرانيَّة والمَركزيَّة التَّطابُقيَّة) المرحليَّة الضَّيِّقة والمُتعالية والنِّهائيَّة.
لطالَما تحدَّثَ/ وانتقدَ المُفكِّرون العرب (العقلَ النَّقليَّ) بوصفِهِ أحد سِمات العقل العربيّ المُتهافِت، ولا سيما في بُعدِهِ الأُصوليّ والمُحافِظ.
وتغنَّى هؤلاء المُفكِّرون بِـ: (العقل النَّقديّ)، الذي يفتَحُ طريقَ مُجاوَزة العقل النَّقليّ (المُتخلِّف والغارق في الفوات الحضاريّ)، نحْوَ الالتحاق بالعصر والتَّقدُّم وقيَم الحُرِّيَّة والتَّعدُّديَّة وولادة الفرديَّة.
لكنْ، للأسف: لم تكُنْ مُعظَم (المُهيمِنات النِّسبيَّة) لطُروحات (العقل العربيّ النَّقديّ) سوى طُروحات لِـ (عقل نقديّ زائف)، لا لِـ (عقل نقديّ أصيل)، ذلكَ أنَّهُ استُبدِلَ بِـ (مُطابَقات النَّقل التُّراثيّ): (مُطابَقات النَّقل الحداثيّ الغربيّ = نقل مَقلوب)، كأنَّها، مقولاتٌ وأفكارٌ (مُنزَلة) و(مُقدَّسة) و(ثابتة).
فنسبة لا بأسَ بها من الطُّروحات الفكريَّة العربيَّة (النَّقديَّة) تفتقدُ الأصالةَ، فمَا سمِّيَ (الفكر النَّقديّ) سعى في أغلبِهِ إلى (مُطابَقة فكر الآخَر)، واستيرادِهِ بحذافيرِهِ، وإسقاطِهِ أوتوماتيكيَّاً، وكمَا هوَ، على إشكاليَّاتِنا العربيَّة سياسيَّاً واجتماعيَّاً واقتصاديَّاً وفكريَّاً، ذلكَ عبر غياب واسع نسبيَّاً لروح الابتكار والتَّخليق والاختلاف.
هُنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ هذا التَّفكيك لا يعني موقفاً مُضادَّاً للتَّفاعُل الثَّقافيّ، ولا ضدّ الاستفادة من مُنجزات البشر في كُلِّ مكانٍ، لكنَّني أسجِّلُ تحفُّظي على غياب أصالة الفكر العربيّ النَّابع من ذاتٍ ندِّيَّة واثِقة من نفسِها _إلّا فيما ندر من كتاباتٍ ورؤىً ومُؤلَّفات_ لا من ذاتٍ هشَّةٍ تشعرُ بالدُّونيَّة وعُقد النَّقص الحضاريّ النَّرجسيَّة، وتستبدلُ بنقلٍ قديمٍ (تمركُز دفاعيّ على الماضي/ الذَّات المُتخيَّلة هُناك)، نقلاً حديثاً (تمركُز دفاعيّ على الحاضِر/ الآخَر؛ بما هو الذَّات المُتخيَلة هُنا)، ظنَّاً منها أنَّهُ (طريقُ/ أو: وصفةُ) الخلاصِ الوحيدة والحاسِمَة..
يتَّسِمُ (العقل العربيّ النَّقديّ الزَّائف)، أو: (العقل النَّقليّ المَقلوب/ المُزدوَج)، بمُستوييْن نفسييْن نقلييْن (مُزدوَجيْن)، يستحقَّان التَّفكيك الخطابيّ والأُنطولوجيّ/ النَّفسيّ، هُما:
1_ اللّاشعور/ أو اللّاوعي النَّقليّ التَّقليديّ (نسَق مُضمَر):
وهوَ ينطوي على رواسبَ بِنيويَّة مُتعلِّقة بالانتماء الجمعيّ إلى العقل النَّقليّ العربيّ التُّراثيّ: (هُوِيَّة لا شُعوريَّة مَوروثة).
ورُبَّما كانَ هذا الكلام هوَ تفسيرٌ جادّ وطَموح لدوافع ما دُعيَ بـِ (نكوص) عددٍ كبيرٍ من العلمانيِّين والتَّقدُّميِّين إلى انتماءاتِهِم الدِّينيَّة والطَّائفيَّة والإثنيَّة المُغلَقَة.
وهو ما يلتقي، أيضاً، مع توظيفي لمفهوم (العصبيَّة) عند ابن خلدون، الذي يُفسِّر بمعنىً ما أنَّ (عدم التَّديُّن) عند نسبة كبيرة من (النُّخب) السِّياسيَّة والثَّقافيَّة العربيَّة، لا يعني الخلاص من سُلطةِ عصبيَّة الهُوِيَّة الموروثة، ومركزيَّاتِها.
2_ الشُّعور/ أو الوعي النَّقليّ الحديث (نسَق ظاهر):
وهوَ ينطوي على غلافٍ من (الوعي الزَّائف) القائِم على (عقلٍ نقليٍّ مَقلوبٍ)، يتدثَّرُ برداءِ الحداثة والعلميَّة والحُرِّيَّة، وعلى مُطابَقات (دونيَّة) لمُنجَزات الآخرين (لنتذكَّر هُنا كلام ابن خلدون، أيضاً، عن تقليد الأُمم المهزومة للأُمم المُتقدِّمة)، وهذا العقل ينهضُ على (هُوِيَّة شُعوريَّة مُكتسَبَة)، لا تلبث أنْ تتحوَّل إلى مُسَبَّقاتٍ مُتحكِّمة قَبْلِيَّاً.
يبدو لي، بعدَ هذا التَّمحيص، والاقتراح الاصطلاحيّ والمَفهوميّ، أنَّ إحدى سمات الهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة قارَّة في عمق بِنية العقل النَّقليّ، والعقل النَّقليّ المَقلوب، وهذا ما يُمكنُ مُناقشتُهُ لاحقاً عند ما يُسمَّى (النُّخب) السِّياسيَّة والثَّقافيَّة في سوريّة.

1_3 تمويه النَّقد بحُجُب النَّقض:
لعلَّ عطالة (جدليَّة النَّقد والنَّقض) هيَ من أهمّ أمراض بِنى الهُوِيَّة الانعزاليَّة المُضمَرة، والتي تُؤبِّدُ إخصاء الذَّات بتثبيتها وطيِّها على مركزيَّة (أناها)، بما يمنعُ تعيُّنها وانبساطها في (ذات) فاعلة ومُتفاعلة وخلَّاقة إنسانيَّاً ووطنيَّاً.
في الكتاب المُهمّ، وفقَ اعتقادي، للنَّاقد السُّوري الدُّكتور خلدون الشَّمعة: “كعب آخيل: النَّقدُ الثَّقافيُّ والنَّقضُ المَعرفيُّ” الصَّادرُ عن دار (خطوط وظلال) الأردنيَّة في العام 2021؛ رأى الشَّمعة أنَّ النَّقدَ يتقاطبُ مع النَّقضِ؛ فالنَّقدُ تأويلٌ، والنَّقضُ برهانٌ؛ فإذا كانَ النَّقدُ الثَّقافيُّ منهجٌ نقديٌّ عابرٌ للمَناهجِ والأنساقِ المَعرفيَّة، فإنَّ النَّقضَ المَعرفيَّ نتيجةٌ سببيَّةٌ افتراضيَّاً للنَّقد الثَّقافيّ.
بناءً على هذا الضَّبط الاصطلاحيّ والمفهوميّ، أدَّعي أنَّ نسَقاً مُضمَراً ثالثاً يتحالفُ مع نسَقَي (العقل النَّقليّ)، و(العقل النَّقليّ المَقلوب)، في تأبيد أساليب وُجود الهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة (ورُبَّما العربيَّة أيضاً)؛ ذلكَ أنَّ مُعظَم (النَّقد) يميلُ إلى الإرجاء، في حين يتقدَّمُ (النَّقضُ) بوصفهِ عامِلاً يسبِقُ (النَّقدَ)، أو بالأحرى يُزيِّفُهُ ويُعطِّلُهُ ويُلغيهِ بتحويلِهِ إلى أساليب وُجود مركزيَّة وأُحاديَّة وإقصائيَّة تنهَضُ على النَّفي الجوهرانيّ التَّطابُقيّ.
وهكذا، يُلحِقُ ما يتزيَّا زيْفاً برداء النَّقد، بقبليَّات العقليْن النَّقليّ، والنَّقليّ المَقلوب، كأنَّما تُوضَعُ عربة (النَّقل/ التَّقليد) أمامَ حصان (النَّقد/ الابتكار)، كبحاً لانفتاح الذّات الفاعلة والمُتفاعلة في فضاءات الوطنيَّة والمُواطَنة، أو بالأحرى: إغراقاً لها في هُويَّاتٍ انعزاليَّة موروثة بالنَّسب، بدلاً من تخليق هُوِيَّاتٍ تفاعليَّة حرَّة وحيويَّة عبر الانتساب.

ثانياً: الأنساق الوظيفيَّة الظَّاهرة للهُوِيَّة الانعزاليَّة السُّوريَّة

أعتقدُ أنَّ مِخيالَ الهُوِيَّةِ الانعزاليَّة السُّوريَّة ينبسِطُ وظيفيَّاً في ثلاثة أنساق ظاهرة، هيَ:
2_1 التَّراتبيَّة:
التَّراتبيَّةُ هيَ التَّسلسُلُ الهرميُّ التَّفاضُليُّ الهادفُ إلى تنظيمِ جماعةٍ أو مجموعةٍ عبرَ ارتباطِ هذهِ التَّراتبيَّة بالطَّبيعة (التَّقديسيَّة أو التَّبخيسيَّة/ التي تصلُ إلى حدود الشَّيطنة أحياناً) بهذا القدر أو ذاكَ، بحيث يُعيَّنُ تبعاً لذلكَ تموضعُ فردٍ ما أو جماعةٍ ما أو مفهومٍ ما أو شيءٍ ما.
وتنهَضُ التَّراتبيَّة في اعتقادي على (جُملة/ جُمَل) مُقارَنة ذات تكوين مُسَبَّق مُتكوِّر على موقفٍ فوقيٍّ مُتعالٍ، وهوَ في عُمقِهِ (الثَّقافويّ) موقفٌ مُؤسَّسٌ على مِحوريَّة التَّمركُز الجوهرانيّ بوصفِهِ إعداماً مَعنويَّاً للآخَر، وبما هو تثبيت تطابُقيّ للثُّنائيَّات التَّقابليَّة المُتناحرة، وتجذير عميق لمِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة، تأسيساً على مُضمَرات العقل النَّقليّ والعقل النَّقليّ المَقلوب، ومواقفهما النَّاهضة على تمويه النَّقد بحُجُب النَّقض.
وقد رأى علماء الاجتماع أنَّ مفهوم التَّراتبيَّة يعكسُ حالةَ (عدم المُساواة) القائمة بين الأفراد والجماعات في المُجتمعات البشريَّة، فهو يشيرُ إلى ترتيب النَّاس وتقسيمهم وفقَ مبدأ المكانة والنَّسَب والمِلكيَّة والسُّلطة وغيرها من عناصر النُّفوذ والقوَّة والحُضور في المُجتمع.

2_ 2 الاغترابُ، والاغترابُ الانعكاسيُّ:
الاغترابُ مفهومٌ مُركَّبٌ ومُتعدِّدُ الأبعاد إن في علم النَّفس أو في علم الاجتماع أو في الفلسفة.
ويُمكِنُ اختزالُ مفهوماتِهِ وتكثيفِها بالقول إنَّهُ حالة نفسيَّة اجتماعيَّة يشعرُ فيها الإنسان بالانفصال عن ذاتِهِ، وهوَ ما يُؤدِّي تلقائيَّاً إلى الانفصال عن المحيط الاجتماعيّ.
إنَّهُ شكلٌ من أشكال الاستلاب الخارجيّ الذي يبني فَجْوة بينَ المرء والعالَم، وتتعدَّدُ في هذا الإطار تفسيراتُ أسبابِهِ، وتصنيفُ أنماطِهِ تبعاً للمدارس النَّفسيَّة والاجتماعيَّة، وتبعاً، كذلكَ، للاتِّجاهات الفلسفيَّة.
لكنْ، إذا أردتُ أنْ أضَعَ رسماً بيانيَّاً افتراضيَّاً لحركيَّةِ أساليب وُجود الاغتراب وفقَ وِجهةِ نظَري، أرى أنَّ معظَم التَّيَّارات قد جعلتِ العلَّةَ السَّببيَّةَ الاغترابيَّةَ خارجيَّةً، والنَّتيجةَ داخليَّةً؛ أي إنَّها رأتْ أنَّ حركيَّةَ الاغترابِ هيَ انعكاسٌ داخليٌّ لمَا هوَ خارجيٌّ.
في هذا الإطار، أقترِحُ من جهتِي مُصطلَحاً ومَفهوماً مُكمِّلاً وجديداً للاغتراب، هوَ: (الاغتراب الانعكاسيّ)؛ بوصفِهِ قائِمَاً على فرضيَّة أنَّ للاغترابِ حركيَّةً ثانيةً مُتشابِكةً مع الحركيَّةِ الأُولى، أو مُتحالِفةً معها ضمنيَّاً، مَصدرُها الدَّاخلُ المُكبَّلُ بالمُسَبَّقات والقَبْليَّات الموروثة والمكتسبة النَّفسيَّة والاجتماعيَّة والاعتقاديَّة والأنتربولوجيَّة والسِّياسيَّة.
فالدَّاخلُ المُغترِبُ ليسَ فقط مفعولاً بهِ بوصفهِ صنيعةَ الخارِجِ؛ إنَّما هوَ في الآنِ نفسِهِ، مفعولٌ به وفاعلٌ بوصفهِ صنيعة عقلٍ كُلِّيٍّ قارّ في أعماقِ الدَّاخلِ، بقدر ما هو مُتأثِّرٌ بهذا الخارج، وهوَ في مُستوىً منهُ وعيٌ زائِفٌ مُكتسَبٌ يُكرِّرُ بسْطَ نفسِهِ في الأفعال والمواقف والأحداث.
فهذا الاغترابُ الانعكاسيُّ هو فاعلٌ رئيسٌ في توليدِ حالاتِ الاغتراب النَّفسيّ والاجتماعيّ والوُجوديّ، ما دامَ قدِ انتشَرَ الانفصالُ في كلا الاتِّجاهيْن، فالمُتأثِّر هو مُؤثِّر في الوقتِ نفسِهِ، والعكسُ صحيحٌ، وهذا ما يُحيلُنا، نسبيَّاً، إلى مفهومَي (الانتشار) عند فوكو، و(الانثناء) عند دولوز؛ ذلكَ أنَّ الاستلابَ الخارجيَّ قد تكونُ مُحرِّضاتُهُ مُودَعَةً (نسبيَّاً) في مُحايثَةِ استلابٍ داخليٍّ مُسَبَّقٍ، يُعدِمُ الذَّاتَ نفسَها بِـ (تثبيتِها) في مركزيَّةِ (أناها) المُغلَقة قبلَ أنْ يُعدِمَ آخَرَها، ويُسقطهُما معاً في دُوَّامة نفي جوهرانيّ مُستمرَّة.
ولهذا تنزاحُ عندي مقولةُ سارتر الشَّهيرة عنِ الاغتراب: “الآخَرونَ همُ الجَحيمُ”، لتغدو في مُستوىً مُكمِّلٍ لها: (نحنُ جَحيمُ الآخَرينَ)، ونحنُ رُعاةُ مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة؛ المُعطِّلةُ لانفتاحِ أيَّةِ ذاتٍ حُرَّة أصيلة في وعاء هُوِيَّة مُواطَنة مُشتهاة، والغارقةُ حتّى الثُّمالة في (لُوغوس) التَّحكُّم القَبْليّ (المُموِّه للنَّقد بحُجُب النَّقض)، بينَ تراتبيَّات مركزيَّات العقل النَّقليّ والعقل النَّقليّ المَقلوب، وثنائيَّاتهما الحدِّيَّة الإقصائيَّة.

2_3 التَّراحميَّة المُوارِبة:
إنَّ السِّيادة البِنيويَّة لسُلطتَي العقل النَّقليّ والعقل النَّقليّ المَقلوب، ذلكَ في إطار تمويه الفكر والموقف النَّقديّ بحجاب النَّقض المُسبَّق، وبما هو موقفٌ ميتافيزيقيّ ينهَضُ على مركزيَّة النَّفي الجوهرانيَّة الوفيَّة لمنطق الثُّنائيَّات التَّناحريَّة، كلُّ هذا ينبسطُ في أساليب الوُجود السُّوريَّة الوظيفيَّة، بدءاً بالتَّراتبيَّة، ومروراً بالاغتراب والاغتراب الانعكاسيّ، وانتهاءً بنمطٍ من التَّراحميَّة المُوارِبة، أو بالأحرى التَّراحميَّة الكاذبة، التي لا يبقى منها عند كُلّ مُنعطَف تاريخيّ سوى دالّ مُعلَّق في هواء التَّجريد الغنائيّ المُتخيَّل، مُنفصِلاً عن أصالةِ الهُوِيَّة التَّفاعليَّة، لمصلحة مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة.
لم تكُن التَّراحميَّة في أحسن حالاتها غير قشرةٍ أو قناعٍ يُيَسِّرُ التَّعامُلَ بحُكم الضَّرورة، في ظلِّ سُلطات العنف المتوالدة تاريخيَّاً، وفي كُلِّ مرَّة؛ فهيَ مخيالٌ حدِّيٌّ تفاصليٌّ وإقصائيٌّ نقيضٌ للاختلاف التَّواصليّ والتَّبادليّ، وهيَ وفيَّةٌ أيَّما وفاءٍ للأعرافِ الانعزاليَّةِ المُتجسِّدَةِ بغيابِ المَعرفة، وبتعطيل التَّعرُّف على الآخَر، والاعتراف بهِ وفقَ فضاء التَّعدُّد والتنوُّع وغنى الاختلاف.
حينما كانت تُغلَقُ أبوابُ بيوت السُّوريِّين، ويتحدَّثون بطلاقة، نعي من أحاديثهم مدى زيْف التَّراحميَّةِ التي تنتمي إلى أسلحةِ الحرب المعنويَّة الباردة، وتكشفُ عن طبيعتها عند كُلِّ انفجارٍ أو احتقانٍ تُغذِّيه قبضةٌ أمنيَّةٌ مُتماسكة، أو يُغذِّيه انحسارُ قبضةٍ أمنيَّةٍ ما، فترتفعُ الحواجزُ _التي كانت سِّرِّيَّةً أو مسكوتاً عنها_ جهاراً، في ظلِّ غياب أو تغييب المُواطَنة والهُوِيَّة الوطنيَّة، وتُهيمنُ أساليبُ وُجودٍ أُحاديَّةٌ وجوهرانيَّةٌ تعملُ عبر آليَّاتٍ معياريَّةٍ تعميميَّةٍ مُطلَقةٍ وتلفيقيَّةٍ اختزاليَّةٍ؛ فهي آليَّاتٌ تنظرُ إلى الجماعاتِ بوصفها وَحداتٍ مُتعاليَّةً ومُغلَقةً وثابتة، وهو الأمرُ الذي يُلحِقُ التَّراحميَّةَ تراتبيَّاً واغترابيَّاً بمنطقِ ثُنائيَّاتٍ شعبويَّةٍ انتقائيَّةٍ، لا ينمو فيها سوى النَّفي الجوهرانيّ، وازدواجيَّةِ المعايير، وقتلِ الآخَر معنويَّاً، تمهيداً لقتلهِ مادِّيَّاً.

ثالثاً: هجرةُ الأنساق الانعزاليَّة المُضمَرة والظَّاهرة إلى مُنفتَح الثَّورة السُّوريَّة

أزعمُ أنَّ الأنساق الانعزاليَّة المُضمَرة والظَّاهرة قد هاجرَت إلى مُنفتَح الثَّورة السُّوريَّة لأسباب كثيرة، منها ما هو مُحايِث ثقافيَّاً، ومنها ما هو مُرتبط بتطوُّرات الثَّورة الموضوعيَّة نفسها، وعسكرتها، وأسلمتها، وفائض العُنف الذي ساد فيها بعد مرحلتها السِّلميَّة الأُولى، فضلاً، وبطبيعةِ الحال، عن ملء فراغ الصِّراع الجيوسياسيّ عبر قوىً إقليميَّة ودوليَّة بأجنداتها المُختلفة والمُتراكبة.
ولعلَّ هذهِ الهجرة كانت نتيجة مُتوقَّعة، سببيَّاً، لانفجار جميع الاحتقانات السَّاكنة أو المَسكوت عنها في المجتمع السوريّ طوال عُقود سيطرة القبضة الأمنيَّة الحديديَّة، وهذا ما بدا انحرافاً في بعض المراحل، أو من بعض القوى، عن أهداف ثورةٍ استثنائيَّة خرجتْ تُنادي بالكرامة والعدالة والحُرِّيَّات الديمقراطيَّة والتَّعدُّديَّة.
وهُنا، لا بدُّ من الإشارة إلى توظيف السُّلطة منذ اللَّحظة الأُولى الأدوات الانعزاليَّة _وهي التي لطالَما أتقنتْ استثمار التَّناقضات في المجتمع السُّوريّ_ بغيةَ تفتيت هُوِيَّة الثَّورة، وتمزيق مُنفتحِها. فضلاً عن وُجود البِنية والأرضيَّة المُستعدَّة لتلقِّي مثل هذهِ الخطابات، ولا سيما أنَّ ملفَّاتٍ كثيرة لم تكُن قد أُغلِقَتْ في ذاكرة السُّوريِّين ومعاناتهم الطويلة، مثل مجازر حماه وسجن تدمر وجسر الشغور وحي المشارقة في حلب، لتُكمِل هذهِ المشهديَّة، أو تؤكِّدها مجازرُ السُّلطة البائدة، وعُنفها غير المَسبوق.
وقد ساهم تشتُّت المُعارَضة وضعفها وضيق أُفُقها، في تسهيل حصول مثل هذهِ الهجرة القاتلة لمشروع الوطنيَّة والمُواطَنة، وهو ما ظهر جليَّاً في إخفاقها في العمل التَّشارُكيّ والمُؤسَّساتيّ من جانبٍ أوَّل، ولا سيما أنَّها نقلَتْ صراعات الأنتلجنسيا السُّوريَّة من عقود السَّبعينيَّات والثَّمانينيَّات والتِّسعينيَّات إلى الثَّورة، مُقصيةً معظم الكوادر الثَّوريَّة الشَّابَّة، ومُوظِّفةً فضاء الحدث السوريّ في المُكاسرات البينيَّة، وتصفية الحسابات، وهو الأمر الذي دفعني للحديث في غير مادَّة قديمة لي عن ضرورة التَّمييز الحاسم، اصطلاحيَّاً ومفهوميَّاً ووقائعيَّاً، بينَ الثَّورة وحاضناتها، والمُعارَضة وأولويَّاتها.
وتنبسِطُ هجرة المِخيال الهُوِيَّاتيّ الانعزاليّ (المُضمَر والظَّاهر) إلى الثَّورة، في ثلاثةِ مُستوياتٍ يُمكِنُ تفكيكُها ونقدُها، هيَ:
3_1 نقد التَّجلّيات الطَّبقيَّة:
تنهَضُ أساليبُ وُجودِ القيَم المُهيمِنة (طبَقيَّاً) على تراتبيَّة مُثبِّتة للاغتراب والاغتراب الانعكاسيّ، وعلى نقضٍ يكادُ يمحو العقلَ النَّقديَّ بفعلِ مُسبَّقاتٍ نقليَّة راسخة تقوم على النَّفي والنَّفي المُضادّ جوهرانيَّاً، في حلقةِ ثنائيَّاتٍ تناحريَّة مُفرَغة.
ولعلَّ خريطةَ التَّناقُضات الطَّبقيَّة مُتشعِّبة ومُعقَّدة بحيث تنبسطُ في كُلِّ منطقةٍ أو مدينةٍ أو قريةٍ أو باديةٍ على نحوٍ مُختلفٍ من جهةِ العناصر والعلاقات، ومُتطابقٍ من جهةِ الوعي والبِنية.
وهُنا أدَّعي، أنَّ عقليَّة الآغا والمرابعيّ ذات الجذور الإقطاعيَّة تكاد ألّا تُغادر الواقع الطَّبقيّ السُّوريّ، وقد تجلَّت بعُمق في خريطة الثَّورة السُّوريَّة وتحوُّلاتها، وهو ما يظهر بجَلاء في تموضعات المدن والأرياف والبوادي، وفي تموضعات كلٍّ منها داخل المدينة، أو داخل القرية، أو داخل البادية نفسها.
ثمَّةَ قطيعة نفسيَّة مُبطَّنة بتراحميَّةٍ مُوارِبة لم تُعالَج تاريخيَّأً، وثمَّة تراتبيَّة إقصاء تُنتِجُ اغتراباتها واغتراباتها الانعكاسيَّة التي تقومُ على نفيٍ عائليٍّ أحياناً، وعشائريٍّ قبَليٍّ أحياناً أُخرى، ومناطقيّ غالباً. وفي مُستويات كثيرة يكون العاملُ المادِّيّ حاسماً في رسم خريطة النُّفوذ الاجتماعيّ طبَقيَّاً ضمن العائلات والعشائر والمناطق، وحتَّى ضمن الأحياء الدَّاخليَّة في المدن والأرياف.
ويبدو لي أنَّ هذا التَّموضع يؤثر عميقاً على الرُّؤى والمواقف على نحوٍ عامّ، وعلى العمَل المُشترَك والتَّعاون الأهليّ والمدنيّ من جانبٍ أوَّل، وعلى العمَل المُؤسَّساتيّ من جانبٍ ثانٍ، عبر ظهور نماذجَ استلابٍ وتنافُس وكيديَّة وقطيعة ونفي، محمولةٍ على مركزيَّةِ (أنا) نرجسيَّة يستحيل أنْ تحتفي في وضعٍ كهذا، بانفتاح (ذاتِها) التَّعدُّديَّة الحُرَّة فرديَّاً أو جمعيَّاً، بما يُعمِّق، بمعنىً ما، تأبيدَ مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة المُستقرَّة، بوصفِها هُوِيَّة ثُنائيَّات إلغائيَّة وطارِدة للآخَر المُختلِف.

3_2 نقد التَّجلّيات العُنصريَّة:
لعلَّ ظُهور أساليب وُجود القيَم المُهيمنة (عُنصريَّاً) ينفي جذريَّاً أيَّة روحٍ تراحميَّةٍ أصيلة؛ إذ تكادُ لا تنبسِطُ إلَّا بوصفها مجرَّد قطرة رقيقة في مُستنقع مُترامي الأطراف يُغرِق في أزمنة السِّلم جذوةَ الاختلاف التَّعايُشي، أو بالأحرى جذوةَ العيْش المُشترَك وقَبول الآخَر المُختلِف، مُؤسِّساً في زمنِ الحرب عنفاً مادِّيَّاً مُستمدَّاً من نفيٍ جوهرانيٍّ قارّ على مُستويي الأفراد والجماعات.
إنَّ العُنصريَّات الدِّينيَّة والطَّائفيَّة والقوميَّة الإثنيَّة والمناطقيَّة، لم تُمحَ يوماً في الوعي واللَّاوعي السُّوريّ، لكنَّها كانت (تتقنَّعُ) وتخضعُ لمَآلٍ خافتٍ في أزمنةِ صعود مشروع الدَّولة الوطنيَّة على قصَرِها؛ أي إنَّها كانت تُحجَّم وتُغيَّبُ ظاهريَّاً، ولا تَغِيبُ بِنيويَّاً أو نفسيَّاً. وكانَ لعُلوّ القبضة الأمنيَّة دورٌ كبير إن بضبط إيقاع هذهِ العُنصريَّات من جهةٍ أُولى، أو بتوظيفها لمصلحة السُّلطات القائمة التي تستثمرُ في التَّناقضات من جهةٍ ثانية.
وهكذا، تبدو العُنصريَّات السُّوريَة عواملَ قتلٍ معنويّ، يبدأ بما يُحكَى ويُعتقَدُ بهِ سرَّاً، من تعميمٍ وتنميطٍ وتأطيرٍ واختزالِ أحكامِ قيمةٍ معياريَّة وأخلاقيَّة، تُصادِرُ حُرِّيَّة التَّفتُّح الكيانيّ للبشر المُختلفين، وبما يؤسِّسُ للقتل المادِّي، وهو ما انفجَر علانيَّة دفعةً واحدة بعد انبثاق الثَّورة السُّوريَّة، وتجذَّرَ، على نحوٍ عميقٍ، بفعلِ فائضِ العُنف الذي مارستهُ السُّلطة الأسديَّة تجاه المُجتمع.
وهذا، بالتَّأكيد، عمَّقَ الشُّروخَ الوطنيَّة، وأفقدَ النسيجَ الاجتماعيّ ثقتهُ ببعضهِ بعضاً، وجذَّر (لُوغوس) الخطابَ الجوهرانيَّ النَّافي للآخَر، بما هو مُتأصِّلٌ في سلسلةِ ثنائيَّات حدِّيَّة مُتناحرة عبر يقينيَّات امتلاك الحقيقة واستلابها، ومُتعيِّنٌ في مُنبسَطاتِ المِخيال الهُوِيَّاتيّ الانعزاليّ، على حساب خطاب الوطن والمُواطَنة والتَّعدُّديَّة الجامع.
ويبدو أنَّ ذلكَ، لطالَما مثَّلَ مُناخاً سياسيّاً واجتماعيّاً مُؤسِّساً/ ومُؤسَّساً على سُيولةِ النَّقضِ المُسَبَّق والقاتل للنَّقد لدى العقليْن (النَّقليّ/ والنَّقليّ المَقلوب)، مُنبسِطأً في أساليب وُجود تراتبيَّة إقصائيَّة تُغذِّي التَّعالي الاغترابيّ والاغترابيّ الانعكاسيّ، وتستبدلُ بتراحميَّةِ الاختلاف الأصيلة تراحميَّةً قشريَّة مُوارِبة؛ إنْ وُجدَتْ نسبيَّاً (أي تلكَ التَّراحميَّة)، ولا سيّما في حالاتٍ كحالات العُنف المعنويّ والمادِّيّ التي سادتْ خلال الثَّورة والحرب السُّوريَّة.

3_3 نقد التَّجلّيات النُّخبويَّة:
ثمَّة مُستويات عدَّة لتلمُّس انبساط هجرة مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة إلى مُنفتَح الثَّورة عبرَ أساليب وُجود نسبة لا بأس بها ممَّن يُدعَون بـِ “النُّخب” السِّياسيَّة والثَّقافيَّة.
بدَتِ الأنانيَّات النَّرجسيَّة لعُقودٍ طويلة كأنَّها سمة مُهيمنة على شخصيَّة السِّياسي أو المُثقَّف السُّوريّ، وما من شكّ أنَّ منع النِّظام الأسديّ البائد منذ زمن الأب، النُّخبَ من الوُجود والعمَل وأخذ الدَّور والمُبادَرة والتَّأثير في الفضاء العامّ المُختطَف أمنيَّاً، قد أدَّى إلى حرمانٍ نفسيّ، وإلى تضخُّم (الأنا) على نحوٍ تمحو شَهوة الحُضور، أحياناً كثيرة، الأولويَّات الوطنيَّة، ذلكَ في ظلّ مُنافسة وإقصاء خطابيّ وعمَليّ، ولدى كُلٍّ منَّا أمثلة حيَّة شخصيَّة وعامَّة على ذلك.
لم تتوقَّف (الأنتلجنسيا) السُّوريَّة عن التَّطاحن يوماً على حساب الرؤيا الوطنيَّة وضروراتها، وتورَّطَ كثيرون في حفلات الإقصاء والنَّفي الجوهرانيّ للآخَر والقتل المعنويّ والمادِّيّ، بدعوى امتلاك الحقيقة امتلاكاً حصْريَّاً.
فظهر لدينا بدلاً من (أنا النُّخبوي السياسيّ أو الثَّقافيّ) ما أصفُهُ بأنَّهُ (مثقَّف/ سياسي الأنا)، وهو من أسوأ وجوه التَّراتبيَّة والاغتراب والاغتراب الانعكاسي، وتزييف (التَّراحميَّة الوطنيَّة) بخطاب مُواطَنة ممتلئ صوتيَّاً، ومُفرَّغ فعليَّاً من مُحتواه، هذا إن لم نُشِر إلى مَنْ تورَّطَ منهم بخطاب عنصريّ تحريضيّ خلال الثَّورة.
لطالَما بدا (مثقَّف الأنا) أوّل قاتل للذَّات الوطنيَّة (الثَّوريَّة) الفاعلة، وأوَّل مُرسِّخ للعقليْن النَّقليّ والنَّقليّ المَقلوب؛ بدءاً من التحاقهِ بسياسات النَّفي الجوهرانيّ أيديولوجيَّاً بينَ (الأيديولوجيَّات القوميّة واليساريَّة والإسلاميَّة)، حيثُ نقلَ الجزءُ الأكبَرُ من “النُّخب” السُّوريَّة صراعات القرن العشرين إلى مُنفتَح الثَّورة للأسف، على حسابِ طبيعة الثَّورة التي سبقتهُم وسبقت خطاباتهم في حركيَّتِها وجذريَّتها وأصالتها التَّاريخيَّة.
وهو ما انبسَطَتْ أساليبُ وُجودهِ، مُكبِّلَةً ومُرهِقَةً أيَّ انبثاقٍ مُمكِنٍ (ولَو نظَريَّاً) لمشروع بناء دولة المُواطَنة، التي كانَ لكُلِّ تيَّارٍ _أو أفرادٍ من هذهِ النُّخب_ تصوُّرَهُ الأيديولوجيّ المُسَبَّق والخاصّ لشكلها ومضمونها، والذي يحكمُ موقفَهُ من الثَّورة، بحيث بدا أنَّ كلَّ تيارٍ أو شخصٍ يُؤيِّد/ أو يُريد (تفصيلَ الثَّورة) وليِّ عُنقها، وفقَ هواه.
الأخطر على مُستوى نسبة كبيرة من “النُّخب” السِّياسيَّة والثَّقافيَّة، كانَ عبر سُقوطها في سياسات النُّكوص الهُوِيَّاتي بالارتداد إلى هُوِيَّاتها الأوَّليَّة الموروثة بالنَّسَب على حساب الهُوِيَّات المُكتسبة، ولا سيما الهُوِيَّة الوطنيَّة، وهو ما جذَّرَ وُقعهُم، عن وعيٍ أو عن غير وعيٍ، بينَ براثن العقليْن النَّقليّ والنَّقليّ المَقلوب، بفعل سيادة خطابات النَّقض المُموِّهة للنَّقد، وسلوكيَّاتها وأفعالها.
ولعلَّ هذا ما عمَّقَ إثرَ ذلكَ، تراتبيَّات الاغتراب والاغتراب الانعكاسيّ؛ حيثُ إنَّ مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة الذي تورَّطَ بهِ أمثال هؤلاء خلالَ الثَّورة، ناجمٌ في جزء كبير منهُ، لا عن نكوصٍ عنصريٍّ (اعتقاديّ)، بقدر ما هو ناجمٌ عن نكوصٍ عنصريٍّ (عصبيّ)؛ نسبةً، من جديد أيضاً، إلى مفهوم العصبيَّة عند ابن خلدون.
وهكذا، سقطَ جزءٌ وازنٌ من “النُّخب” السِّياسيَّة والثَّقافيَّة في فخاخ أساليب وُجود (مُثقَّف الأنا) الباحث عن ترميم نقصهِ الذَّاتيّ، قبلَ الوفاء بمُقتضيات الثَّورة ومشروعها الوطنيّ.
فكانَ هذا (الأنويُّ) المُشوَّهُ حاملاً لواء الإقصاء النَّافي للآخَر، عبر تمركزٍ جوهرانيّ على مُسبَّقات أيديولوجيَّة وثُنائيَّاتٍ تناحريَّة طبقيَّة وعُنصريَّة، انبسطَتْ خِطاباً وسُلوكاً وفِعلاً، في تراتبيَّةٍ شَعبويَّةٍ غرائزيَّة وطَّدتْ سُلطة المِخيال الهُوِيَّاتيّ الانعزاليّ، وعمَّمتهُ.
وقد تجلَّتْ بعضُ ملامحِها في الإخفاق، غالباً، في العمَل المُؤسَّساتي المُشترَك، وفي تحويل العمَل الثَّوريّ إلى غنيمةٍ تحتَ مبضع المُكتسَبات، وازدواجيَّة المعايير وتصفية الحسابات والثَّأريَّة والكيديَّات، أو النِّكايات والمُراهَقات السِّياسيَّة والثَّقافيَّة المُؤلمة جدَّاً وباهظةِ الثَّمن.

ما يُشبِهُ الخاتمة: ما بعدَ سُقوطِ الأبَد (هجرةُ الهجرة)

يبدو في زعمي، أنَّ ما هاجرَ إلى مُنفتَحِ الثَّورة، عادَ وهاجَرَ إلى مُنفتَحِ ما بعدَ سُقوط النِّظام البائد، حيثُ تغيَّرت مرَّةً جديدة، توضُّعات العناصر، ولم تتغيَّر البِنيةُ المِخياليَّة للهُوِيَّة الانعزاليَّة، وأساليبُ وُجود علاقاتِها وتمترساتِها ونتائجِها.
قد يكونُ التَّساؤل المُلحّ الآتي مُسوَّغاً: هل فعلاً سقطَ الأبَد؟
في اعتقادي، أنَّ مُستوىً عيانيَّاً سياسيَّاً من الأبَد قد سقطَ، في حين ما زالَ مُستوىً كُلِّيٌّ قائماً نفسيَّاً وثقافيَّاً ووقائعيَّاً، بحيث نضعُ بين قوسين الزَّعمَ بأنَّ فعلَ الهدم قد أُنجِزَ على نحوٍ موثوق وفعليّ، وأنَّ فعلَ البناء قد بدأ على نحوٍ راسخ أو مُمنهج.
لعلَّ الخوض في مسألة هجرة مِخيال الهُوِيَّة الانعزاليَّة بعد سُقوط النِّظام البائد (هجرة الهجرة) يتطلَّبُ مُقارَبةً مرنة وحُرَّة ونقديَّة خارج الحتميَّات المُتعاليَّة أو اليقينيَّات المُتهافتة، وهنا تكون جُملة المُقارَنة مُؤسَّسة انطلاقاً من اختبار المعايير الآتية، بما هي بوصلةٌ وطنيَّة، كما أفترضُ، وينبغي استنطاقُ مدى وفائها لمُتطلَّبات الثَّورة، وأهدافها:
* هل حجَّمنا في خِطاباتنا وسُلوكنا وأَفعالنا مُهيمِناتِ العقل النَّقليّ والعقل النَّقليّ المَقلوب، وتجليَّاتِهما (النَّقضيَّة) المُموِّهة والمُعطِّلة للفعل النَّقديّ الأصيل؟
* هل تجاوَزنا في خِطاباتنا وسُلوكنا وأَفعالنا ما كانَ يُثبِّتُ السُّقوطَ في أساليبِ وُجود الاغتراب والاغتراب الانعكاسيّ، وتقاليدِ التَّراحميَّة المُوارِبة؟
* هل خلَّفنا وراءَنا “نُخباً وشَعباً” خِطاباتِ الكراهيَّة والسُّلوكيَّات والأَفعال التَّحريضيَّة والتَّناحريَّة، ذات المُنطلَقات الطَّبقيَّة والعُنصريَّة القائمة على النَّفي الجوهرانيّ المُسَبَّق، والتَّعميمات الاختزاليَّة المُتعالية، وطُهرانيَّات المَظلوميَّة الإقصائيَّة بوصفها مداخلَ تسويغيَّةً للاستقطاب الحادّ، وللقتل المعنويّ والمادِّيّ، وللتَّمترس في هُوِيَّات ما قبل وطنيَّة؟
* هل ما زلنا (جحيمَ الآخرين) بوعيٍ أو من دونِ وعيٍ؟ وهل يُثبِتُ السُّوريُّونَ كُلّ يومٍ أنَّهم
* يعرفونَ بعضَهُم بعضَاً، ويعرفونَ (ذبيحتهُم المسكينة سوريّة)؟
* وأخيراً، وليسَ آخِراً: هل نحنُ، فعلاً، نسيرُ بخُطىً واثقة على طريق تحقيق أهداف الثَّورة؟
إنَّ السَّيرَ على طريق تحقيق أهداف الثَّورة، يعني أنْ يكونَ مشروع بناء الدَّولة مُتحرِّكاً في مَساراتٍ خلَّاقة ومُنَّظَمة؛ فانفتاح ما بعدَ الأبَد، لا يكونُ انفتاحاً أصيلاً لتشييد عقل الدَّولة الحديثة، من دون الوفاء، حُكْماً، لمُحدِّدات عقل الثَّورة، ومُتطلَّباتها.
ولا سيما بتمكين أساليبِ وُجودٍ مُجاوِزة للنَّفي الجوهرانيّ، ولثُنائيَّاتهِ الانعزاليَّة الغارقة في (استلاباتِ) أُحاديَّةِ الرَّأي، وفي مركزيَّات الاعتقاد وتملُّك الحقيقة النِّهائيَّة الإقصائيَّة والإلغائيَّة المُتعالية، وهو ما يتيحُ بسْطَ الفَجوةِ الوُجوديَّة على مُهيمِناتٍ وطنيَّة جديدة، تنهضُ بمشروعٍ هُوِيَّاتيّ وطنيّ ومُؤسَّساتيّ تعدُّديّ لإدارة التَّنوُّع والفرديَّة والاختلاف، ذلكَ أنَّ أوَّل سماتِهِ هي ارتماءُ (الأنا) في ذاتٍ تفاعُليَّة حُرَّة.
ووفقَ هذا التَّوجُّه، لن تُنجَزَ هذهِ (النَّقلة) ما لم نخرج من مجموعة إشكاليَّات بِنيويَّة (شَعبويَّة واستقطابيَّة)، سياسيَّة وأخلاقيَّة من جانبٍ أوَّل، وثقافيَّة/ مَعرفيَّة من جانبٍ ثانٍ؛ إذ تتكشَّفُ آليَّاتُها المُقيِّدَة في الجراح النَّرجسيَّة الغرائزيَّة، وفي التَّفكير الرَّغبويّ ويقينيَّات الإنكار، وفي عُقد المَظلوميَّات والتَّخوين الطَّارد للآخَر، وفي سيادة الأحكام المُتعاليَّة المُسَبَّقة، والتَّعامُل مع العناصر المُجتمعيَّة كأنَّها بِنىً مُغلقة وثابتة ونهائيَّة.
فهذا من دون شكّ، هوَ ما يُؤبِّدُ تمزيقَ النَّسيج الاجتماعيّ والثَّقافيّ الغنيّ، بإعلاءِ خطابِ منطقِ الغلَبة البدائيّ، ومصالحِ الولاء المُفتِقدة للحكمة والرَّوِيَّة وفعل السِّياسة البنَّاء، ويمحو فهمَ التَّعدُّديَّة في إطار مُواطَنة التَّنوُّع والاختلاف، ويُرجِئُ البحثَ عن مصالح المُشترَكات الوطنيَّة، حفراً وخَلْقاً يُشبهُ ابتكارَ رأسِ مالٍ رمزيٍّ جديدٍ وحيويّ، لمِخيالٍ وطنيّ جامع ومُؤسِّس ومُنتظَر.
لعلَّ تخليقَ هُوِيَّةٍ وطنيَّة ما بعدَ انعزاليَّة، يحتاجُ إلى مُناخٍ سياسيّ وقانونيّ ودستوريّ حُرّ وأصيل ومُستدام، وإلى إعادة تشييد العلاقة بينَ الفرد والسُّلطة والدَّولة بوصفها علاقة مُواطَنة ندِّيَّة تعاضُديَّة، لا بوصفها علاقة رعايا تبعيَّة تراتُبيَّة، وإلى إعمال العقل النَّقديّ البنَّاء والجَذريّ، بما هوَ مُفكِّكٌ لبِنى الاستبداد وإعادةِ إنتاجه، وفاتِحٌ لمُمكنات ولادةِ الذَات الحُرَّة المُستقلَّة (التي لم تلدْ بعدُ أيضاً).
فالعقلُ النَّقديُّ يشيرُ دائماً إلى ما ينبغي أنْ يكونَ، وما يجبُ أنْ نعمَلَ على تحقيقهِ خارجَ دُوَّامة النَّقليَّة واغتراباتها؛ فإمَّا خيانةٌ أبديَّةٌ وقطيعةٌ شاملة مع تقاليد التَّعفُّن والتَّمزُّق المُتكرِّرة في نسَقِ: “ألَا لا يجهلنْ أحدٌ علينا/ فنجهلَ فوقَ جهلِ الجَاهلينا”، وإلَّا…… سيستمرُّ (لُوغوس) أساليبِ وُجودِ مِخيالِ الهُوِيَّةِ الانعزاليَّة التَّمركزيّ، في افتراسِنا وتمزيقِنا مرَّةً بعدَ مرَّة، ذلكَ في عَوْدٍ أبديٍّ للجَهل والتَّخلُّف والخَراب.
إنَّ السَّيرَ على طريق تحقيق أهداف الثَّورة، يعني أنْ يكونَ مشروع بناء الدَّولة مُتحرِّكاً في مَساراتٍ خلَّاقة ومُنَّظَمة؛ فانفتاح ما بعدَ الأبَد، لا يكونُ انفتاحاً أصيلاً لتشييد عقل الدَّولة الحديثة، من دون الوفاء، حُكْماً، لمُحدِّدات عقل الثَّورة، ومُتطلَّباتها.
ولا سيما بتمكين أساليبِ وُجودٍ مُجاوِزة للنَّفي الجوهرانيّ، ولثُنائيَّاتهِ الانعزاليَّة الغارقة في (استلاباتِ) أُحاديَّةِ الرَّأي، وفي مركزيَّات الاعتقاد وتملُّك الحقيقة النِّهائيَّة الإقصائيَّة والإلغائيَّة المُتعالية، وهو ما يتيحُ بسْطَ الفَجوةِ الوُجوديَّة على مُهيمِناتٍ وطنيَّة جديدة، تنهضُ بمشروعٍ هُوِيَّاتيّ وطنيّ ومُؤسَّساتيّ تعدُّديّ لإدارة التَّنوُّع والفرديَّة والاختلاف، ذلكَ أنَّ أوَّل سماتِهِ هي ارتماءُ (الأنا) في ذاتٍ تفاعُليَّة حُرَّة.
ووفقَ هذا التَّوجُّه، لن تُنجَزَ هذهِ (النَّقلة) ما لم نخرج من مجموعة إشكاليَّات بِنيويَّة (شَعبويَّة واستقطابيَّة)، سياسيَّة وأخلاقيَّة من جانبٍ أوَّل، وثقافيَّة/ مَعرفيَّة من جانبٍ ثانٍ؛ إذ تتكشَّفُ آليَّاتُها المُقيِّدَة في الجراح النَّرجسيَّة الغرائزيَّة، وفي التَّفكير الرَّغبويّ ويقينيَّات الإنكار، وفي عُقد المَظلوميَّات والتَّخوين الطَّارد للآخَر، وفي سيادة الأحكام المُتعاليَّة المُسَبَّقة، والتَّعامُل مع العناصر المُجتمعيَّة كأنَّها بِنىً مُغلقة وثابتة ونهائيَّة.
فهذا من دون شكّ، هوَ ما يُؤبِّدُ تمزيقَ النَّسيج الاجتماعيّ والثَّقافيّ الغنيّ، بإعلاءِ خطابِ منطقِ الغلَبة البدائيّ، ومصالحِ الولاء المُفتِقدة للحكمة والرَّوِيَّة وفعل السِّياسة البنَّاء، ويمحو فهمَ التَّعدُّديَّة في إطار مُواطَنة التَّنوُّع والاختلاف، ويُرجِئُ البحثَ عن مصالح المُشترَكات الوطنيَّة، حفراً وخَلْقاً يُشبهُ ابتكارَ رأسِ مالٍ رمزيٍّ جديدٍ وحيويّ، لمِخيالٍ وطنيّ جامع ومُؤسِّس ومُنتظَر.
لعلَّ تخليقَ هُوِيَّةٍ وطنيَّة ما بعدَ انعزاليَّة، يحتاجُ إلى مُناخٍ سياسيّ وقانونيّ ودستوريّ حُرّ وأصيل ومُستدام، وإلى إعادة تشييد العلاقة بينَ الفرد والسُّلطة والدَّولة بوصفها علاقة مُواطَنة ندِّيَّة تعاضُديَّة، لا بوصفها علاقة رعايا تبعيَّة تراتُبيَّة، وإلى إعمال العقل النَّقديّ البنَّاء والجَذريّ، بما هوَ مُفكِّكٌ لبِنى الاستبداد وإعادةِ إنتاجه، وفاتِحٌ لمُمكنات ولادةِ الذَات الحُرَّة المُستقلَّة (التي لم تلدْ بعدُ أيضاً).
فالعقلُ النَّقديُّ يشيرُ دائماً إلى ما ينبغي أنْ يكونَ، وما يجبُ أنْ نعمَلَ على تحقيقهِ خارجَ دُوَّامة النَّقليَّة واغتراباتها؛ فإمَّا خيانةٌ أبديَّةٌ وقطيعةٌ شاملة مع تقاليد التَّعفُّن والتَّمزُّق المُتكرِّرة في نسَقِ: “ألَا لا يجهلنْ أحدٌ علينا/ فنجهلَ فوقَ جهلِ الجَاهلينا”، وإلَّا…… سيستمرُّ (لُوغوس) أساليبِ وُجودِ مِخيالِ الهُوِيَّةِ الانعزاليَّة التَّمركزيّ، في افتراسِنا وتمزيقِنا مرَّةً بعدَ مرَّة، ذلكَ في عَوْدٍ أبديٍّ للجَهل والتَّخلُّف والخَراب.

_ مجلة رواق ميسلون _ العدد (17) _ كانون الأول/ ديسمبر 2025.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى