
لم يعد قرار الإمارات إنهاء مهمة قواتها المتبقية في اليمن مجرّد خطوة تنظيمية في سياق تخفيض انتشار عسكري، بل بات حدثاً سياسياً كاشفاً يُعيد تعريف العلاقة السعودية – الإماراتية في اليمن، ويُعيد ترتيب موقع حلفاء أبوظبي المحلّيين داخل معسكر الشرعية. فالانسحاب (كما تداوله الإعلام الدولي) لا يُقرأ بوصفه “خروجاً” بقدر ما يُقرأ بوصفه انتقالاً من نمط تدخّل مباشر إلى نمط نفوذ أقلّ كلفة وأكثر مرونة، مع إبقاء اليد على مفاصلَ مؤثّرةٍ عبر الشراكات المحلّية والملفّات التشغيلية ذات الأثر السريع.
جاء إعلان إنهاء مهمة القوات الإماراتية المتبقّية في سياق توتّر ميداني وسياسي، تزامن مع ضربة نفّذها التحالف بقيادة السعودية قرب ميناء المُكلّا في 30 الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، وقالت الرياض إنها استهدفت مسار “دعم عسكري أجنبي” لقوى محلّية في الجنوب. ثم امتدّ التوتّر إلى ملف الطيران وانتهى بإغلاق مطار عدن بقرار من وزير نقل محسوب على المجلس الانتقالي الجنوبي، اعتراضاً على توجيهات حكومية بشأن قيود على الرحلات من الإمارات وإليها. وهذه الوقائع، مجتمعة، تمنح قرار الانسحاب معنىً يتجاوز “إعادة انتشار”، وتدفعه إلى خانة الرسائل السياسية المتبادلة داخل المعسكر الذي يُفترض أنه واحد.
لا يكفي ضبط التوتر مع الشريك الإقليمي ما لم تُعالج الرياض الانقسام داخل الشرعية وتعدّد مراكز القرار
دلالة القرار الأولى أنه يعكس تقلّص مساحة الشراكة السعودية – الإماراتية لصالح إدارة تنافس محسوب، بات يمسّ أدوات الدولة ووظائفها داخل مناطق الشرعية، فالسعودية، بحكم الجغرافيا والحدود واعتبارات الأمن القومي، تتحسّس من أيّ ترتيباتٍ قد تُنتج مركزَ قرار مسلّحاً خارج إطار الدولة في الجنوب أو الشرق، خصوصاً إذا ارتبط ذلك بمنافذ وموارد وقدرة على فرض وقائع ميدانية لا تمرّ عبر مؤسّسات الدولة. بينما طوّرت الإمارات خلال سنوات الحرب مقاربةَ نفوذ تقوم على شراكات محلّية تمنحها حضوراً مستمرّاً في السواحل والموانئ وخطوط الملاحة، حتى مع تقليص الوجود العسكري المباشر. وعندما يحاول هذا النفوذ ترجمة تفوّقه إلى ترتيبات سيادية سريعة على الأرض، تتزايد فرص الاحتكاك، خصوصاً في المحافظات الشرقية.
تتصل الدلالة الثانية مباشرةً بحلفاء الإمارات في اليمن، فقرار الانسحاب يضع المجلس الانتقالي أمام اختبار مزدوج: من جهة، قد يفسّره فرصةً لتعظيم دور الوكلاء المحلّيين داخل مفاصل القرار؛ ومن جهة أخرى، يرفع كلفة أيّ سلوك يُظهر المرافق السيادية أوراقَ ضغط داخل الشرعية، لا خدمات عامّة. تعطيل مطار عدن، في هذا السياق، لا يبدو خلافاً إدارياً، بل هو مؤشّر على قابلية تحويل الخدمات إلى أدوات تفاوض وصراع، وهو ما يُضعف صورة الاستقرار أمام الوسطاء الدوليين الذين يقيسون أهلية أيّ طرفٍ سياسيٍّ بقدرته على التشغيل لا بقدرته على التعطيل.
وبالمثل، ينعكس الانسحاب على تشكيلات أخرى تتقاطع سياسياً ومالياً مع أبوظبي، ومنها قوات الساحل الغربي بقيادة طارق صالح. المشكلة هنا ليست في وجود قوة على الأرض أو في أولوية مواجهة الحوثيين، بل في التموضع داخل شبكة نفوذ إقليمي. كلما اتجهت العلاقة السعودية – الإماراتية نحو تنافس أكثر وضوحاً، ازدادت حساسية القوى المرتبطة بمحور خارجي لتقلبات العلاقة بين الرعاة، وتراجعت قدرتها على تقديم نفسها رافعةً محلّيةً مستقلّةً داخل تسوية شاملة. وفي لحظة إعادة التموضع هذه، يصبح السؤال المطروح على تلك القوى: كيف تبني شرعية محلّية تتجاوز شرعية “الرعاية” الخارجية، وكيف تتجنّب أن تُقرأ أداةً ضمن صراع إقليمي بدل أن تكون جزءاً من مشروع دولة؟
أمّا السعودية، فقرار الانسحاب لا يعني لها نهاية “إشكال الشريك”، بل بداية اختبار أكثر تعقيداً: إدارة الحرب من جهة، وإدارة معسكر الشرعية من جهة أخرى، وتقليل كلفة أي ردّات فعل محلّية قد تستخدم المرافق والإيرادات أدوات ضغط. لذلك، لا يبدأ خفض الكلفة من مستوى التصريحات، بل من تحييد المرافق والخدمات والإيرادات عن الصراع الفصائلي: إدارة مهنية للمطار والميناء والجمارك، رقابة مالية على الإيرادات، ربط أيّ دعم تشغيلي باستمرارية الخدمة وعدم استخدامها ورقةَ ضغط. غير أن هذا المسار سيظلّ ناقصاً ما لم تُعالج الرياض في الوقت نفسه الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي، وتعدّد مراكز القرار داخل جسد الشرعية. فالسؤال هنا وظيفي: هل ستستمرّ المملكة في إدارة الشرعية ائتلافاً مُتنازِعاً تُضبط تناقضاته من الخارج، أم ستنتقل إلى مقاربة تُعيد مركز الثقل إلى الداخل وتُنتج حدّاً أدنى من وحدة القرار؟ أحد الخيارات الأقلّ كلفة هو إعادة ترتيب العلاقة مع الشرعية على أساس تمكين الحكومة من العمل من داخل البلاد ضمن ترتيبات أمنية وضمانات تشغيلية، وتقليص ازدواج القنوات التي تُضعف السلطة الرسمية، وربط الدعم المالي والسياسي بمعايير أداء قابلة للقياس.
على المستوى الأمني، يصبح توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية (أو إدماجها تدريجياً ضمن هياكل وزارتي الدفاع والداخلية وسلاسل قيادة واضحة) شرطاً لتقليص الفوضى ومنع تحويل القوة المسلّحة إلى أدوات تنازع داخل المعسكر الواحد. هذا لا يعني إدماجاً شكلياً بقرارات ورقية، بل هو مسار عملي يبدأ بتوحيد غرف العمليات، وضبط التمويل والرواتب عبر قنوات حكومية، وتوحيد منظومات الاتصال والانتشار، وإنهاء تعدد الأجهزة في المدينة الواحدة.
لا يغلق قرار الانسحاب الإماراتي ملفّ النفوذ بقدر ما يعيد هندسته: نفوذ أقلّ ظهوراً عسكرياً وأكثر حضوراً عبر الوكلاء والملفّات التشغيلية
وفي حضرموت والمهرة تحديداً، تبدو تداعيات الانسحاب أكثر حساسية، لأن هاتَيْن المحافظتَيْن ترتبطان في الحساب السعودي بمسارات الحدود والمنافذ والموارد. لذلك تبدو سياسة الاحتواء المشروط أقلَّ كلفةً من فتح مواجهة جديدة: منع أيّ تمدّد أحادي بالقوة، دعم ترتيبات أمن محلّية واسعة تحت مظلّة الدولة، تثبيت مسار سياسي واضح لقضية الجنوب داخل عملية سلام وطنية، لا عبر خطوات أحادية تُنتج اضطراباً وتستدعي ردّات فعل.
الخلاصة أن قرار الانسحاب الإماراتي لا يُغلق ملفّ النفوذ بقدر ما يعيد هندسته: نفوذ أقلّ ظهوراً عسكرياً وأكثر حضوراً عبر الوكلاء والملفّات التشغيلية. وهو، في الوقت نفسه، يدفع السعودية إلى إعادة التفكير في إدارة الشرعية: ضبط الحلفاء، وتحييد المرافق، وتقوية مؤسّسات الدولة داخل مناطقها. وإذا بقيت أدوات الدولة قابلة للتعطيل من الداخل، فإن التنافس الإقليمي سيجد دائماً قنواته، وستتكرّر الأزمة بأشكال مختلفة، وستظلّ كلفتها الأعلى تقع على اليمنيين.
المصدر: العربي الجديد






