
“رسوم جمركية” هي الكلمة الإسبانية التي اختيرت لتعبّر عن عام 2025، في إشارة إلى النزاعات الاقتصادية وتأثيرها في حياة المواطنين، وللدلالة على القلق من التغيّرات في التجارة العالمية وأثرها المباشر على الأسواق المحلية، ولا سيّما في عهد ترامب. واختارت البرتغال كلمة “انقطاع”، في إشارة إلى الانقطاعات المتكرّرة للكهرباء والخدمات الأساسية التي واجهها المواطنون، والتي أثّرت في حياتهم اليومية بشكل ملموس. في ألمانيا، جاء اختيار “عصر الذكاء الاصطناعي” ليضيء على التحوّلات الرقمية الكبيرة التي يعاصرها المجتمع، وتأثير الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والسياسة والتعليم. واختارت بريطانيا كلمة “زرع الغضب”، أي إثارة الحقد والعداء لجذب الانتباه، في إشارة إلى تصاعد الخطاب الاستفزازي في وسائل التواصل الاجتماعي، وإلى دور السياسيين الذين يستخدمون هذه الاستراتيجية لزيادة شعبيّتهم والتأثير في الرأي العام. أمّا الولايات المتحدة، فكانت كلمة عام 2025 “القاذورات الرقمية”، في إشارة إلى الكمّ الهائل من المعلومات الرديئة والمُضلِّلة التي تنتجها الآلات الذكية وتنتشر في الإنترنت.
المعجم، هنا، أكثر من كتاب؛ إنه ممارسة ثقافية يومية، تتيح للعربي أن يلتقي بغيره في المعنى قبل الموقف
تفتح كل كلمة من هذه الكلمات نافذةً على روح المجتمعات الغربية، على إيقاعها ونبضها وثقافتها وسياساتها، وعلى المخاطر التي تحدّد مسار حياتها اليومية. إن نظرنا إلى الواقع العربي وسألنا: ما الكلمة التي يمكن أن تعبّر عن 2025 عربياً؟ فماذا سيقول لنا معجم الواقع العربي؟… قد تكون الإجابة، للوهلة الأولى: “الانقسام”. فالانقسام العربي صار بنيةً قائمةً، وشكلاً من أشكال العيش السياسي والاجتماعي والثقافي، حتى إنه يكاد أن يكون قدراً عربياً. فهناك، أولاً، الانقسام الداخلي داخل البلد الواحد، وداخل الجغرافيا الواحدة، وداخل المجتمع نفسه. يكفي أن ننظر إلى سورية: جنوبٌ ينفصل تدريجياً عن مركزه، وساحلٌ ينوح على ما تبقّى من ذاكرته، وشمالٌ معلّق المصير لا يُعرف إلى أيّ سردية سينتمي. وفوق ذلك كلّه، انقسام اجتماعي وديني ومذهبي عميق، أعاد تعريف الناس لأنفسهم بوصفهم طوائف قبل أن يكونوا مواطنين.
في لبنان، يكاد أن يكون الانقسام نظاماً قائماً بذاته: جماعات، أحزاب، طوائف، وسياسات متناحرة، كل واحدة منها تعيش في سرديتها الخاصّة، وتملك لغتها وذاكرتها ومخاوفها. أمّا اليمن، فهو قاب قوسين أو أدنى من أن يعود شمالاً وجنوباً، لا حقيقةً جغرافيةً فقط، بل هويتين سياسيتين واجتماعيتين متنازعتين. وفي العراق وليبيا والسودان، صار الانقسام القاعدة التي تُدار من خلالها هذه الدول، إن بقي من كلمة “دولة” شيء.
الانقسام الأخطر ليس هذا، فهناك انقسام العرب أنفسهم، وانقسام أحلامهم، وانهيار فكرة العروبة من حلم جامع إلى شظايا متفرّقة؛ انقسامهم حول القضايا الكبرى، وفي مقدّمتها فلسطين، التي صارت ملفّاً خلافياً يُستثمر سياسياً، ولم تعد قضيةً جامعة. لهذا كلّه، تبدو لفظة “انقسام” مرشّحة بجدارة لكي تكون الكلمة العربية لعام 2025.
في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، جاءت كلمة “انقسام” بوصفها مصدراً من الفعل “قسم”، وقد ورد استعمالها منذ وقت مبكّر يعود إلى نحو سنة 200 للهجرة (815 للميلاد). وجاء أن “انقسام الشيء” يعني تفرّقه وتوزّعه. ويَرِد في أحد أقدم النصوص المنسوبة إلى جابر بن حيّان هذا الاستخدام للكلمة، حين شبّه انقسام البروج بانقسام الأفلاك. ثم، بعد أكثر من ألف عام، يظهر استعمال آخر للكلمة في سياق مختلف تماماً هو السياق العلمي الحديث؛ ففي سنة 1304 للهجرة (1886 للميلاد) يُستخدم مصطلح “انقسام الخلايا” في كتب التشريح والأحياء ليعني انشطار الخلية إلى خلايا جديدة.
الانقسام العربي غامر وشامل. ونحن فيه. ولو كان للواقع العربي لسانٌ، لتكلّم وهو ينزف قائلاً: الانقسام. غير أن هذه الكلمة، على الرغم من دقّتها في توصيف ما نعيشه، لن تكون كلمة 2025 عربياً. ولن أكون حالِماً أو طوباوياً وأستدعي ما يناقضها مباشرة، مثل “الوحدة” أو “الاتحاد”، إذ لا شيء في حياتنا العربية، سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، يسمح بمثل هذا الاستدعاء أو يمنحه أيَّ مصداقية. لكنني سأسمح لنفسي باستدعاء كلمة أخرى بوصفها إمكاناً رمزياً وعملياً لتجاوزه، لا بوصفها نقيضاً للانقسام. إنها كلمة “معجم”.
حضرت هذه الكلمة كثيراً في الأيام الماضية، على هامش إعلان إنجاز عربي استثنائي، اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، بوصفه أول مشروع معرفي عربي جامع، لا يقوم على السياسة ولا على الجغرافيا، بل على اللغة؛ هذا الحقل الوحيد الذي نأمل أنه لم ينفصم بعد. المعجم، هنا، أكثر من كتاب؛ إنه ممارسة ثقافية يومية، تتيح للعربي، من المحيط إلى الخليج، أن يلتقي بغيره في المعنى قبل الموقف، وفي اللغة قبل السياسة.
يقدم “المعجم” شكلاً آخر من الوحدة الممكنة: وحدة اللغة ووحدة المرجع
وإذا كان الاتحاد العربي أو الوحدة أو ما يناقض الانقسام قد فشل سياسياً، وتآكل اجتماعياً، وتصدّع ثقافياً، فإن هذا “المعجم” يقدّم، على الأقلّ، شكلاً آخر من الوحدة الممكنة: وحدة اللغة ووحدة المرجع. وليس من المصادفة أن تحمل لفظةُ “معجم” نفسها هذه الدلالة؛ فهي، لغوياً، من الفعل “عَجَمَ”، أي أزال الإبهام وكشف المعنى وبيّن ما استَغلق. وكان أول استخدام لها، كما جاء في معجم الدوحة، في زمن مبكر في سنة 13 قبل الهجرة/ 609 ميلادية، في ديوان المثقّب العبدي، ثم توالت استخدامات الكلمة في سياقات متعدّدة عبر القرون، وصولاً إلى ما تعنيه اليوم من لفظة تشير إلى ما جُمعت فيه ألفاظ اللغة.
كأنّ اللغة، عبر “معجمها”، تحاول أن تفعل ما عجزت عنه السياسة: أن تُقلّل سوء الفهم، وأن تمنح أهلها أرضيةً واحدةً هي “المعنى”. كأنّها تمنحنا هواءً آخر ورئة ثانية. من هنا لن تكون لفظة “الانقسام” كلمة هذا العام، ولن تكون “الوحدة” أو “الاتحاد”، وهو ما لا وجود له عملياً. ستكون لفظة “معجم” نفسها كلمة 2025 عربياً.
وهنيئاً لنا بهذا الإنجاز العربي اللغوي الجامع، وبأن تكون كلمة 2025 عربياً: المعجم. وكل عام وأنتم بخير.
المصدر: العربي الجديد






