
كان في وسع فولوديمير زيلينسكي أن ينجو مما نالَه من تقريعٍ على الهواء مباشرة، في البيت الأبيض، من الرئيس الأميركي ترامب ونائبه جي دي فانس، لو أنه بادَر، في مُفتتح جلسته الصعبة معهما، إلى الثناء على ترامب وجهوده باتجاه إنهاء الحرب في أوكرانيا، ولو أغدَق بعض الكذب عن سعي مضيفِه إلى إقامة السلام في العالم، ونصرة الشعوب المظلومة، ولو استرسَل في كلامٍ مصطنعٍ عن حكمة ترامب وسياسته الحصيفة، ولو قال إن الاتفاقية التي سيوقّعها مع ترامب بشأن معادن في أوكرانيا للولايات المتحدة ستكون محطّة في تعزيز العلاقة بين شعبَي البلدين. وحتى لو ابتدرَه مضيفاه بضرورة اتفاق سلامٍ مستعجلٍ مع موسكو، كان في وسعه أن يتحايَل بكلامٍ عام، عن رغبته بوقف معاناة مواطنيه من حربٍ لم يريدوها، مع إشارتَين إلى وجوب احترام الدول وسياداتها، وتحبيذه الخير للشعب الروسي الصديق. … لو فعل الرئيسُ المُستضافُ شيئاً من هذا لربما ما شاهدنا السيرك الكلامي، الذي بدا أن ترامب دبّر له، وأراد أن يراه الأميركيون على الشاشات. لو جاملَ وكذَب وقال كلاماً فارغاً ليس مقتنعاً به لاستُقبل سلوكُه هذا منه أخْذاً بالسياسة وإكراهاتها، وما قد تفرضُه من أمورٍ غير مستسحسنةٍ على مزاوليها. وربما لم يكن ترامب ليستطيع أن يفتعل كلاماً فوقيّاً يتمنّن فيه على زيلينسكي، أو أقلّه سيكون مُحرِجاً له فعل هذا، وربما لأحرز الرئيسُ الزائر الغداء الذي كان معدّاً لأنْ يتناوله والوفد المرافق له، مع مستضيفيه، ترامب ونائبه ومساعدين وموظّفين رفيعين في البيت الأبيض، بدل أن يصبح هذا الغداء من نصيب الصحافيين الذين شهدوا الواقعة المثيرة.
… مع عودة ترامب رئيساً، لم يعُد صالحاً أن نبقى كلاسيكيين، ونتحدّث عن سياسةٍ خارجيةٍ للولايات المتحدة، ولا عن “توجّهات” إدارة أميركية جديدة. لقد صِرنا أمام سياسةٍ تخضع لمزاج شخصٍ متفرّد، ممتلئٍ بفائضٍ من النرجسية، يرى شخصه مُلهماً، وأقدر من أي أحدٍ في الولايات المتحدة على رؤية الأنسب للشعب الأميركي ومصالح بلاده العليا، ولا يُلزِم نفسَه بلياقاتٍ وأعرافٍ دبلوماسيةٍ وبروتوكولية، بل وغالباً ما لا يأخُذ بتقاليد الضيافة وأصولها. الأمر الذي يحسُنُ أن نعرف، هنا، أن هذا صار سلوكَ جيلٍ راهنٍ من الدبلوماسيين الأميركيين، لا يروْن حرجاً في الجهر بما يُقال في الغرف المغلقة أمام كاميرات الإعلاميين، بدلالة الصفاقات التي تبدّى عليها وزيرا الخارجية السابقان، مايك بومبيو وأنتوني بلينكن، وآخرون من قماشة جون بولتون ونيكي هيلي، وأخيراً مورغان أوتاغورس، سيّما عندما لا يكتفي هؤلاء وأمثالُهم، في عواصم عربية، بتظهير انحيازاتهم الصارخة لإسرائيل، وإنما يُظهرون أيضاً تدخّلاً مكشوفاً في شؤون حكوماتٍ عربيةٍ وهم بين ظهرانيها. وذلك الخطاب النافر الذي بسَطه جي دي فانس أمام منتدى ميونخ للأمن قبل أزيد من أسبوعين، وأعطى الأوروبيين فيه دروساً عن حرّية التعبير، شديد الدلالة على ما صارت عليه الفوقية الأميركية، المزهوّة بفائض القوة، في زمن شعبوية ترامب التي لا ترى قيمةً لمسألة النفوذ الأميركي في هذه المنطقة أو تلك، وإنما تنشغل بما تدفعه الولايات المتحدة، وما يتقرّر عليها من التزاماتٍ ماليةٍ وأمنية، لا يرى الرئيس الأصفر في البيت الأبيض (ونائبُه الذي لا يقلّ عنه رداءة) دافعاً مقنعاً للمضي فيها، الأمر الذي يهدم واحداً من أهم المرتكزات التقليدية للسياسة الخارجية، المؤسّسةِ منذ عقود بعيدة.
أصاب كاتب مقالةٍ في “واشنطن بوست” في ذهابه إلى أن زيلينسكي اختار الوقت الخطأ لتخريب علاقته مع ترامب، صاحب الشخصية الميّالة إلى التمسّك بالأحقاد (بحسب الكاتب). وأصاب أيضاً في تقديره أن الرئيس الأوكراني قد لا يستطيع إصلاح الضرر الذي لحق بالعلاقات بين واشنطن وكييف، نظراً إلى “الطبيعة الشخصية” للخلاف. ومع صحّة أن يُرى الأمر على هذا النحو، إلا أنه واحدٌ من وجوه المشهد، كما عوين مقطعٌ منه الخميس الماضي أمام ملايين النظّارة، قرب مدفأة البيت الأبيض، فوجوهٌ أخرى للمسألة يلزم أن تُرى، أحدُها أن السؤال الذي صار تحدّياً كبيراً يتعلّق بما إذا كان في مقدور العالم أن يتخفّف من حاجته للولايات المتحدة، وكيف… تحتاج الإجاباتُ العويصة على سؤالٍ متعبٍ كهذا مخيّلاتٍ رحبةً، ليست خلّاقةً ومُبدعةً فحسب، بل قادرةً أيضاً على الوصول إلى استكشاف كل خساراتٍ قد تُحتمل، لو صار ممكناً أن تتحرّر البشرية من وطأة أمزجة ساكني البيت الأبيض، عندما يسوسون بلداً أكلافُ صداقته أثقلُ من أكلاف معاداته.
المصدر: العربي الجديد