قراءة في رواية: آخر ما تبقى من الزنبقة

أحمد العربي

ايهاب عبد ربه، روائي سوري، ينتمي للثورة السورية، هذه روايته الأولى التي أقرأها، وتعتبر -بجدارة- من بواكير أدب الثورة السورية. تبدأ الرواية من أحد أبطالها الضابط المنشق “وسيم”، الذي يكتب رسالة لزوجته، يشرح لها ما حصل معه، وسيم الذي كان يحلم  مع حبيبته “جمانة” بأن يصبح ضابطا كبيرا تتربع على اكتافه النجوم، حبيبته التي أصبحت زوجته، والتي تحتضن في رحمها ابنتهما “رزان”، يصر انها طفلة وأن اسمها رزان، يحدثها عن انتقال تداعيات الربيع العربي إلى سورية، وكيف بدأ الشباب السوري يتحرك متأثرا بها، ويطالب  بالحرية والكرامة والعدالة وإسقاط الاستبداد والفساد والاستغلال والقهر، وكيف بدأ النظام يواجه المتظاهرين بالعنف، وكيف جمعهم قائد معسكرهم وطلب منهم التحضير لمواجهة المتظاهرين، و اعتبرهم مخربين  و مدسوسين وارهابيين، ينفذون خطط الأعداء ضد سورية وسلطتها. وسيم يدرك واقع الحال وأن المتظاهرين ليسوا أكثر من شباب غاضب له حقوق و يعبر عن مجموع الناس، يطالب بها بالطرق السلمية، ولأن النظام له تاريخ من التعامل القمعي الوحشي والعنيف  مع أي اعتراض أو تمرد، أدرك وسيم ان مواجهة الجيش للمتظاهرين، تعني مذابح غير قابل بها، ولا يستطيع تحمل مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية، لذلك قرر أن يهرب من قطعته العسكرية، ليصبح بعد ذلك ممن يسمونهم ضباطا وجنودا منشقين، يخرج وسيم متخفيا و متنقلا بين القرى، ليصل إلى مناطق يستطيع أن يشكل فيها نواة من جنود وضباط  مع بعض الشباب المدنيين الذين قرروا حمل السلاح لحماية المتظاهرين، في مواجهة النظام  قرر انهاء التظاهر واعتقال المتظاهرين وقتلهم.

تنقسم الرواية الى فصول في كل منها يتابع الكاتب مسار مختلف لأشخاص ينتمون  للثورة، ففي فصل جديد يتابع الكاتب  شابين “توفيق” و”حازم”، الهاربين إلى تركيا، حيث يلتقيان ممثلة لإحدى المنظمات الإنسانية الأوروبية، يتحدث توفيق لها عن ما حصل معه، أنه من شباب التظاهرات التي حصلت في مدينته، حيث خرج مع اصدقائه، وكيف توسعت التظاهرات وامتدت، وأنه وفي مواجهة عنف النظام واستعماله السلاح، قرر بعض الشباب من اصدقائه ان ينتقلوا إلى حمل السلاح، لمواجهة عنف النظام، واختلف معهم، لان النظام يجد له مبررا للبطش أكثر، تحت دعوى وجود الجماعات المسلحة المخربة والإرهابية ، وأن النظام اقوى وله جيش كبير مدجج بالسلاح ومنظم، اما الشباب الثائر فهو ضعيف ومنقسم ولا يملك المال والسلاح الكافي، وانه ان دخل في هذا الطريق سيكون ضحية للسلاح نفسه، وداعميهم الذين يستغلونهم لأهدافهم الخاصة ، اختلفوا ووصل الخلاف إلى مستوى التخوين، وأصبح مستهدفا من رفاقه ومن النظام الذي يلاحق الناشطين، اعتقالا وقتلا، لذلك لم يكن أمامه مفر من الخروج الى تركيا ، حماية لنفسه، ويخرج إلى تركيا متنقلا  بين مناطق سيطرة النظام،  وسيطرة القوى المسلحة المتنوعة على الأرض السورية، كان لا بد أن يتفق مع مهرّب ابن المنطقة لتهريبه  إلى تركيا. تواصل مع المهرب “أبو إياد” والتقى به مع شاب أخر اسمه خالد، على أن ينقله إلى تركيا، نقلهم من بلدة أبى أخرى،  ومن طريق لآخر، متخفين، وبعيدين عن حواجز النظام، وحواجز الثوار، ومع ذلك اكتشفتهم إحدى المجموعات المسلحة، أنهم شباب خليط بين سوريين وغير سوريين، اعتقلوهم وحققوا معهم، المجموعة اسلامية يقودها تونسي، يمدّها بالسلاح والمال، ويقودها في الداخل سوري “أبو القعقاع” أحد الإسلاميين خريجي سجن صيدنايا ، من الذين عفا عنهم النظام والمفرج عنهم بداية الثورة، والذين يقاتلون لبناء الدولة الإسلامية، في التحقيق يتبين أن الشاب خالد الذي كان معهم ، كان مسجونا أيضا في صيدنايا ويعرف ابوالقعقاع، واختلف معه في السجن، حول التشدد في الإسلام، وتطبيق الشريعة، وبناء الدولة الاسلامية، كان خالد معتدلا أقرب للرؤية الوطنية الديمقراطية، ومع اسلام مجتمعي معتدل، تعرف أبو القعقاع على خالد، وباشر عناصره بتعذيبه بقسوة كبيرة، ومن ثم قرر محاكمتهم ، وحكم على توفيق وأبو اياد بالبراءة ، وعلى خالد بالردة وقرر قتله، لكن أحد الشباب من الذين كانوا مع أبو القعقاع تعاطف مع خالد وقرر مساعدتهم للهرب قبل قتل خالد، لكن أبا القعقاع يقبض عليهم، ويقتل خالد والشاب الذي ساعدهم، ويترك توفيق وأبو إياد ليكملوا طريقهم إلى تركيا.

في فصل جديد يأتي صحفي بريطاني من أصل فلسطيني إلى إحدى المخيمات التي بنيت على الحدود التركية، بعد أن ازداد عدد الهاربين السوريين من مدنهم وبلداتهم ، حيث القصف والتدمير والقتل الذي باشره النظام على الشعب السوري، الذي أعلن ثورته واحتضن ثواره، بحث الصحفي عن جمانة وابنها رزان، أنه يحمل أمانة من الضابط المنشق وسيم، يصل إلى جمانة، ويسلمها رسالته، التي كتبها لها أول انشقاقه، ويحدثها الصحفي عن زوجها الذي أصبح قائدا لمجموعة من الثوار، تحمي التظاهر، وتواجه مواقع النظام على شكل حرب عصابات، وكيف أنه ورفاقه قد واجهوا هجوما، للنظام على موقعهم، وكيف هرب المدّعين انهم ثوار ومن ركب الثورة واستغلها، وأنه استمر يقاتل حتى استشهد هو وكل من معه، بعث لزوجته جمانه رسالته وتذكارا مشتركا، و توصية أن تغادر إلى تركيا وتبدأ حياة جديدة مع ابنتهما رزان، وبالفعل تنتقل إلى تركيا وتبدأ في إجراءات اللجوء إلى أوروبا.

وفي فصل جديد سيبدأ بالتجمع كثير من السوريين الذين يودون اللجوء إلى أوروبا في إحدى الجزر التركية المحاذية لليونان، تجتمع جمانة وابنتها رزان ، توفيق وصديقه حازم، وتعرفوا هناك على أبو مراد الرجل الفلسطيني الهارب من مخيم اليرموك في دمشق، بعد أن أصبح مستهدفا من النظام، أبو مراد الذي لجأ واهله من فلسطين إلى سورية منذ أكثر من ستين عاما، والذي عاش في بلاد اللجوء، ينتظر أن يعود إلى وطنه فلسطين مجددا، لكنه الآن يرحّل إلى ما هو أبعد، يتحدث عن مخيم اليرموك، حياته واهله والناس، وبناء حياة جديدة هناك، يتحدث عن رحلة الهروب من دمشق التي اوصلته بداية إلى مصر، التي احتضنت السوريين والفلسطينيين اولا، ثم انقلبت عليهم بعد أن أسقط العسكر ثورتها، وبدؤوا بطردهم، وكيف تعامل مع المهربين ليصل إلى أوربا، وكيف ارسل إلى ليبيا ومكث فيها وقتا، حتى وضعه المهربين مع غيره الكثير، سوريون وفلسطينيون وافارقة، في يخت صغير لا يتسع لهم، وتركوا يبحر بهم إلى الشواطئ الأوروبية، وسرعان ما تحطم المركب وغرق أغلب من كان فيه، وينقذ أبو مراد الذي يصل أخيرا إلى هذه الجزيرة التركية، حيث يحلم أن يصل إلى أوروبا، ينتظر هو وجمانة وابنتها رزان وتوفيق وحازم وآخرين كثر، ويأتي يوم الرحيل ويوضع في المركب أعدادا تفوق طاقته الاستيعابية، ويتحرك المركب ليلا متوجها إلى جزر يونانية، وسرعان ما سيواجه بإطلاق نار كثيف، يتواصل ويتحطم المركب ولا ينقذ منه الا القليل، منهم ابو مراد والطفلة رزان، تغرق جمانة وتوفيق وآخرين قبل أن يحققوا حلمهم بالوصول إلى أوروبا، حيث يبنون حياة تعطيهم بعضا من انسانيتهم. وكان لا بد من طريقة يستطيع أن يغادر فيها أبو مراد إلى بقية الدول الأوروبية من اليونان، لقد أمّن له احد المهربين جواز سفر اسرائيلي، في مفارقة عجيبة مؤلمة ذات دلالة، تمكن من خلالها أن يغادر إلى إيطاليا،  ليبدأ رحلة حياة جديدة.

تنتهي الرواية ومصائر أبطالها أصبحت واضحة، من قتل ومن غرق ومن بقي ليبدأ رحلة الاغتراب.

في تحليل الرواية نقول: إننا أمام رواية معجونة بواقع الحال السوري، نظام ظالم وشعب ضحية، تفاصيل الحياة المؤلمة لمجموع الناس، والربيع السوري، عفويته وصدقه، وتحدي النظام الذي يعني أن يقبل الثائر الموت، واقع الحراك وتطوره ليصبح ثورة، وكيف انقض النظام على الثورة والشعب، قتل الكثير ودمر البلد وهجر الملايين، وكيف كان العمل العسكري في بعضه بطولة منقطعة النظير، وبعضه ارتزاق وتجارة بدم الشعب، وبعضه امتدادا لجماعات القاعدة وغيرها ، من أعداء الشعب، يقتلوه ويستعبدوه مثل النظام، وكيف كان الملايين من الشعب ضحية داخل البلاد للموت والتشريد والحياة المأساوية، والملايين التي غادرت سورية لاقدار كلها مؤلمة.

الرواية تنتصر للإنسان السوري، تدين العالم الظالم الذي تضامن مع النظام القاتل وتركه يقتل شعبه ويشرّده ويدمّر البلد. الرواية تمر على الأسباب المؤدية للثورة، وتوضح مسارها، إيجابياتها وعقباتها وعيوبها، مصائر شبابها الذين كانوا أول من ثار وأول من دفع الثمن الاغلى، وجوده وحياته ومستقبله الذي لا يعرف كيف يكون.

المصدر: الأيام

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى