
تحت ضغط الزيادة في مستوى حضور “الوعي بالذات” بين الجماعات الأهلية في الحياة العامّة السورية، نتيجة ممارسات سياسية وأمنية تمييزية مارسها النظام السابق عقوداً، وتستمرّ ممارستها بعد سقوطه بيد جماعات إسلامية، يكثر الكلام عن ضرورة تمثيل الألوان السورية كلّها في الجيش والأمن والحكومة واللجان والمؤتمرات… لمنع سيطرة لون واحد. إذا كان لا يخفى الانشغال الوطني الصادق وراء هذا الكلام في هذه الفترة التأسيسية من تاريخ سورية، فمن الواضح أيضاً أنه كلام يضمر فكرةً رديئةً عن السوريين، وهذه الفكرة تنطوي على قدر كبير من الحقيقة للأسف، مفادها أن السوريين غير مندمجين في وطنيّتهم بالقدر الكافي، الذي يجعلهم (في الوظيفة العامّة) مخلصين للونهم السوري أولاً. المسؤول السوري، بصرف النظر عن اللون “الخاص” الذي ولد عليه، يستطيع، إذا أراد، أن يجعل هواه وانحيازاته غير الوطنية فوق تمثيل القانون والدولة “العامّة”، ونادراً ما ينظر المسؤول إلى بقية السوريين على أنهم مواطنون، بل على أنهم “ملوّنون” بالأحرى. وهكذا، فإن مواطنيتهم وحقوقهم تنقص وتزيد بحسب ألوانهم، من دون أن يجدوا وسيلةً “نظاميّةً” لردّ حقوقهم المهدورة.
لا تصعب ملاحظة أن الكلام عن مشاركة الألوان ينبع من إدراك هشاشة الوطنية السورية في الحياة العامّة، وما يمكن أن تقود إليه من خشية أن يمارس المسؤول تمييزاً ضدّ ما لا يروقه من الألوان. على هذا، يكون الكلام عن الألوان وضرورة تمثيلها، انطلاقاً من الحرص على أن تكون سورية للسوريين كلّهم، هو الكلام الوطني، الذي يأخذ في الحسبان “الجماعات” أو “المكونات” أو “الألوان” السورية كلّها. غير أن هذا “الحلّ” يزيد في الواقع من الهشاشة الوطنية بدلاً من أن يعالجها.
الاحتجاج على غلبة لون سوري في مواقع المسؤولية، ينطلق من الفكرة السابقة نفسها، أي إنه نقد يقرّ بغلبة اللون الخاص في دخيلة السوري، على اللون السوري العامّ، في ممارسته الوظيفة العامّة. لا ريب أن هذه مشكلة تحتاج إلى علاج، ولكن لا ينبغي النظر إلى المشكلة على أنها عَطَب يخصّ السوريين أنفسهم، بل على أنها علّة في “النظام السياسي”، الذي يحكمهم ويتيح للفرد في موقع المسؤولية تغليب “لونه” على العمومية السورية، حين يشاء. التسليم بالنظام السياسي، الذي تغلب فيه الخصوصية الأهلية على العمومية الوطنية، يجعل الحلّ “الوطني” في توزيع الألوان بين مواقع المسؤولية، كي يتاح لكلّ لون التمتع بتميّزه الخاص في الوظائف العامّة، وهذا سبيلٌ إلى تفكّك وطني مستدام.
ما يجعل سورية للسوريين كلّهم لا يكون في “تلوين” المناصب، بل في توافر الإرادة الكافية لفرض آلية رقابة تُلزِم المسؤول احترام اللون السوري فوق كلّ لون، وفي التعامل مع السوريين على أنهم مواطنون مجرّدون (قبالة الدولة والقانون) من أيّ خصوصيات، تحت طائلة المحاسبة الجدّية. النظام السياسي هو المسؤول الأول عن فتح الطريق أمام الخصوصيات كي تمارس ذاتها في التمييز بين الناس بناءً على “ألوانهم”. ذلك أن مَن يمارسون وظيفةً عامّةً يحملون في رؤوسهم تصوّراً يصنعه، بصورة صريحة أو مخفيّة، النظام السياسي الذي يخدمون فيه، فيجعل سلوكهم في الوظيفة تمييزياً حين يدركون أن النظام يستبطن التمييز، وأن سلوكهم التمييزي غير الوطني في وظائفهم لا تليه أيُّ مساءلة، بل قد يزيد من رصيدهم في النظام، بحسب جهة التمييز الذي يمارسونه. يصح ذلك إلى الحدّ الذي يمكن القول معه إن سلوك المسؤول في الوظيفة العامّة هو الكاشف لما يحرص النظام السياسي على إخفائه، وعلى التظاهر بعكسه في العلن.
قدرة كلّ مواطن سوري على محاسبة المسؤول الذي لا يمتلك من الوطنية السورية، ولا من الإحساس بالمسؤولية، ولا من الضمير، ما يجعله يحترم مواطنية السوري باستقلال عن “لونه”، هي فقط ما يرفع قيمة الهُويَّة السورية، وما يصنع الوطنية السورية، وهذه مسؤولية النظام السياسي بالدرجة الأولى، ومسؤولية النخب الوطنية في التصدّي الجريء لكلّ معاملة تمييزية في الحياة العامّة. لا تكون سورية للسوريين كلّهم إلا حين يكون كلّ مسؤول سوري في أيّ موقع كان، ملزماً بقوة القانون والإعلام وأشكال الاعتراض والمحاسبة القانونية الممكنة، معاملة السوريين كلّهم على قدم المساواة. في البلدان الديمقراطية يطاول القانون المعاملة التمييزية حتى في الشركات الخاصّة.
ردّ الظلم الذي يقع على “لون” سوري ما، في أيّ وقت، شأن وطني عام، وليس شأن هذا اللون وحده. ضعف تضامن الألوان فيما بينها، وغياب النظر إلى الظلم على أنه شأن عامّ، حتى لو كان “خاصّاً” بلون معيّن أو فئة معينة، من مؤشّرات تضعضع الوطنية، ويشكّل هذا أرضيةً لنشوء استبداد تمييزي يحمل في داخله الشرور المتخيلة كلّها، من التمييز “اللوني”، حتى الإفقار العامّ، وصولاً إلى الاستعداد للإبادة. كلّ تجاوز أو ظلم، حتى لو كان الضحية فرداً واحداً، ينطوي على تجاوز وظلم عامَّين، والتضامن مع الضحية، حتى لو كانت فرداً، ينطوي على حمايةٍ للمجتمع ككلّ، ولكلّ فرد فيه.
الكلام عن مشاركة الألوان ينطلق من خشية وطنية كما قلنا، ولكنّه مع ذلك لا يأخذ في الحسبان أمرَين مهمَّين: الأول هو أن الألوان غير قابلة للتمثيل أصلاً، وأن “التلوين” المنشود هو في الحقيقة إضاعة للحقوق، وليس حمايةً لها، ذلك أن “الأنظمة الملوّنة” غالباً ما تكرّس مصالح “طغمة ملوّنة” تزعم أنها ممثّلة للألوان، أكان ذلك وفق صيغة دستورية رسمية أم وفق صيغة مخفية غير رسمية. والأمر الثاني أنه لا توجد مصالح متّسقة لكلّ لون سوري على حدة، كي تتم حمايتها، الكلام عن مصالح لون لا تعني سوى فتح باب تمييزات غير وطنية. والحال أن سورية لوحة بألوانٍ متدرّجةٍ ومتعدّدة، ولا يمكن فهمها و”تمثيلها” على أنها ألوان متراصفة ومتفاصلة.
التمثيل القائم على عمومية سورية، والمسنود بإرادة سياسية صادقة وبقوانين ملزمة، لا تسمح للمسؤول مهما علت مرتبته بتجاوز الوطنية السورية، إضافة إلى الحضور النشط للإعلام المستقلّ بالمتابعة والنقد، هو وحده ما يمكن أن يضع سورية في طريق الوحدة الداخلية الفعلية.
المصدر: العربي الجديد