هل يؤجج حزب الله الاحتقان الطائفي ويوقظ “لبنان الفيدرالية”؟

وليد شقير

This post has already been read 9 times!

استمرار الشغور الرئاسي والخشية من تفريغ المناصب المارونية دفعا المرجعيات السياسية والروحية إلى إطلاق تحذيرات. شهد الأسبوع الماضي في لبنان تصاعداً في لهجة التصعيد الطائفي، وتلويحاً بمشاريع من نوع الفيدرالية واللامركزية الموسعة، تسببت باتهامات وسجالات بين أطراف عدة، ذكّرت بأيام الانقسام الحاد، حين ظهرت أفكار تقسيمية إبان الحرب الأهلية (1975-1990)، التي انتهت بإقرار اتفاق الطائف وبإصلاحات دستورية طوت صفحة هذه الاتجاهات.

وعقد اليوم الأحد، مؤتمر عام تحت عنوان “العقد الجديد من نظام الطائف إلى النظام الفيدرالي”، حيث أطلقت مجموعة “المؤتمر الدائم للفيدرالية” التي تأسست منذ سنوات ورقتها السياسية في هذا الصدد، وحضرت المؤتمر مجموعات تدعو إلى الفيدرالية لمعالجة ما اعتبروه “فشلاً للصيغة المركزية الحالية في إدارة التعددية للمكونات الطوائفية اللبنانية”، كما دعت الورقة السياسية التي أعدوها إلى “تبني نظام يحاكي التعددية الطوائفية، بعيداً من مفهوم الديمقراطية العددية التي تؤدي حتماً إلى طغيان الطائفية العددية، وذلك بفيدرالية قائمة على احترام الخصوصيات الديموغرافية-الطوائفية ضمن الأطر الجغرافية الحالية”.

وأبدى كثير من القيادات في الآونة الأخيرة، خشيتهم من عودة هذه المشاريع إلى الواجهة، خصوصاً أن بعض المجموعات في الوسط المسيحي تروج لها منذ أكثر من سنتين، وتضم قلة من السياسيين وبعض الأكاديميين والنخب، إضافة إلى أشخاص عاديين، وتنطلق من أن الأزمة التي يعيشها لبنان ناجمة عن هيمنة “حزب الله” على الحياة السياسية والسلطة في البلد.

بعض المجموعات ذهب إلى حد رسم خرائط لتقسيم لبنان على شكل شبيه بالكانتونات السويسرية، وجرى تداولها في ندوات وعلى شاشات التلفزيون، وبعضها الآخر اكتفى بالدعوة إلى اللامركزية الإدارية والمالية، كما جاء في “ورقة النوايا” (التي اصطلح على تسميتها باتفاق معراب) بين “التيار الوطني الحر” بزعامة مؤسسه الرئيس السابق العماد ميشال، وبين حزب “القوات اللبنانية” بزعامة الدكتور سمير جعجع، التي صيغت في يونيو (حزيران) عام 2015، ومهدت لإعلان “القوات” دعم ترشيح الجنرال عون عام 2016.

التشنج السياسي يعيد طروحات الفيدرالية

ورصد المعارضون لأفكار الفيدرالية واللامركزية الإدارية والمالية كيفية تطور هذه الأفكار، انطلاقاً من أن اتفاق الطائف ينص على تحقيق اللامركزية الإدارية الموسعة فقط، من دون الجانب المالي في تنفيذها، وكيف أن حزب “القوات اللبنانية” لم يعد يؤمن بمشاريع تقسيمية، كما خلال الحرب، لأنه كان شريكاً رئيساً في التوصل إلى هذا الاتفاق، وغطى حضور النواب المسيحيين في مدينة الطائف بالسعودية من أجل إنجازه، خلافاً للعماد عون الذي عارض الاتفاق واستخدم القوة لمحاولة منع بعض النواب من الانضمام إليه، آنذاك.

ما أيقظ الحديث عن طروحات تقسيمية وفيدرالية ردود الفعل لدى المراجع المسيحية خلال الأسبوع الماضي، على دعوة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي مجلس الوزراء إلى الانعقاد على رغم معارضة “التيار الوطني الحر” وقرار وزرائه مقاطعة الجلسة من جهة، واستمرار الفراغ الرئاسي بتعطيل “حزب الله” وحلفائه نصاب الثلثين في جلسات البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية، بالانسحاب منها، كلما انتهى التصويت للمرشحين في الدورة الأولى (يحتاج فيها المرشح إلى ثلثي أصوات النواب الـ128 كي ينتخب رئيساً) ما يحول دون الانتقال إلى التصويت في الدورة الثانية التي ينص الدستور على أن أكثرية النصف زائد واحد كفيلة بإنجاح من يحصل عليها.

الخلاف على انعقاد مجلس الوزراء وتعطيل الرئاسة

أثارت جلسة مجلس الوزراء في 18 يناير (كانون الثاني) التي انعقدت لتأمين اعتمادات لرفع التغذية بالكهرباء، حفيظة “التيار الحر” بعد أن اعتبر رئيسه النائب جبران باسيل ونواب تكتله النيابي، انعقادها للمرة الثانية مخالفاً للدستور وللشراكة الوطنية بين الطوائف في المؤسسات الدستورية، واللوم هنا موجه إلى “حزب الله” كحليف لـ”التيار الحر”، لم يأخذ باعتراضاته، بل إن حضوره الجلسة كما في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شكل صفعة جديدة لـ”التيار” بعد الخلاف بينهما على إصرار “الحزب” على دعم ترشيح رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية للرئاسة.

وفي موضوع تعطيل نصاب جلسات البرلمان لانتخاب رئيس، تعمق الخلاف بين “التيار الحر” وبين “الحزب” بسبب تنامي الشعور لدى الرأي العام المسيحي بأن الحزب، على رغم أنه حليف لمكون مسيحي له وزنه (19 نائباً) يتسبب بفراغ الموقع المسيحي والماروني الأول في الدولة، وفي حرمان الموارنة من دورهم في السلطة السياسية، والاستعاضة عنها بدعم تولي الحكومة صلاحيات الرئاسة في ظل شغورها عبر حكومة تصريف الأعمال المستقيلة، وعبر ميقاتي الذي يمثل السنة في التركيبة الحاكمة، فسيناريو تعطيل النصاب من قبل “الحزب” وحلفائه تكرر للمرة الـ11 في جلسة 20 يناير.

من جهته اعتبر باسيل جلسة مجلس الوزراء “إمعاناً في خرق الدستور والميثاق وإسقاط الشراكة، سيعمق الشرخ الوطني، وسيأخذنا إلى أبعد بكثير من ضرب التوازنات والتفاهمات”، قاصداً بذلك “تفاهم مار مخايل” الذي وقعه الرئيس السابق ميشال عون في السادس من فبراير (شباط) 2006، بعد أن أسس حلفاً مع “حزب الله” قاد عون إلى الرئاسة في 2016، وانتقل تكتله النيابي إلى تكتيك مختلف عن “تكتيك الحزب في الجلسة النيابية الانتخابية للرئيس”. فبدلاً من التصويت بالورقة البيضاء في الدورة الأولى صوت بأوراق تضمنت إشارات إلى البرنامج الرئاسي الذي طرحه باسيل بهدف الاتفاق على مرشح غير فرنجية، كإشارة إلى افتراقه عن سياسة “حزب الله”.

تلميحات باسيل وتحذير الراعي

الوسط السياسي فهم إشارة باسيل إلى “ما هو أبعد” على أنه تلويح بالانضمام إلى وجهات نظر يلغط بها الوسط المسيحي، منذ مدة، تدعو إلى تغيير في النظام السياسي، عبر اللجوء إلى نوع من الفيدرالية بين المناطق اللبنانية في مواجهة نفوذ “الحزب” على الدولة المركزية ومؤسساتها الدستورية.

تدرجت المواقف التي كانت مؤشراً إلى تنامي تصاعد الاحتقان المسيحي إلى ذروة جديدة، وأعطت التصريحات العلنية مؤشرات إلى أن هذا الاحتقان أخذ يتعزز على قاعدة أقوال تتردد في الشارع، من نوع “فليعيشوا وحدهم ولنعش وحدنا”، وكان الاحتقان تجلى في شكل دموي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2021، في حادثة الاشتباك بين مناصري “الحزب” وحليفه الأساسي حركة “أمل” حينما دخل بعضهم وهو يحمل السلاح إلى منطقة عين الرمانة المسيحية، ومناصرين لـ”القوات اللبنانية” وحزب “الكتائب” تصدوا لهم بالسلاح. وما زالت تداعيات هذا الاشتباك السياسية والقضائية تتفاعل حتى اليوم.

وسبق تلميحات باسيل حول إعادة النظر بالصيغة اللبنانية، موقف لافت للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي في عظة اليوم الأحد، إذ قال “حذار حذار، فجو المجتمع تغير، النفوس تغلي وهي على أهبة الانتفاضة”. وفي تلك العظة حذر الراعي من معضلة هي من أسباب الاحتقان المسيحي أيضاً، فإضافة إلى اتهام الأوساط المسيحية “الحزب” بأنه يتسبب بالفراغ في الرئاسة، تتردد منذ أشهر أحاديث عن مخاطر إطالة الفراغ الرئاسي على مؤسسات حساسة ومهمة، يتولى مسؤوليتها في إطار التوزيع الطائفي للمناصب العليا في الدولة، مسؤولون ينتمون إلى الطائفة المارونية، أهمها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي تنتهي ولايته في يوليو (تموز) 2023، ورئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود في سبتمبر (أيلول) وقائد الجيش العماد جوزيف عون آخر العام.

في هذه الحال، سيحول استمرار الفراغ في الرئاسة دون تشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات، خصوصاً أن أي حكومة تقدم على تعيينات في مناصب الفئة الأولى كتلك المذكورة، تحتاج لأكثرية الثلثين وفق الدستور، التي يصعب تأمينها في حكومة تصريف الأعمال الحالية، وهذا ما دفع الراعي إلى القول “منذ الآن نحذر من مخطط قيد التحضير، لخلق فراغ في المناصب المارونية والمسيحية”.

الاحتقان المسيحي إزاء “حزب الله”

وفي وقت أخذ الخلاف بين “التيار الوطني الحر” و”الحزب” يظهر منذ أشهر قليلة، وتصاعد بسبب الاستحقاق الرئاسي، بات من التفسيرات البديهية في المشهد السياسي اللبناني أن باسيل، الذي ضعفت شعبيته المسيحية في السنتين الأخيرتين من عهد عمه الرئيس ميشال عون، يبتعد من “الحزب” لأن الرأي العام المسيحي الذي يستند إليه صار في مناخ يرفض التعايش مع سطوته، بحيث أن استمرار تحالفه معه يزيد من تآكل شعبيته، ومن ثم يسعى إلى التخلص من سمعة مسايرة المحور الإيراني لكسب تأييده في مواجهة القوى المسيحية وغير الإسلامية في السلطة، ويفتش عن طريقة لاستمالة الجزء الذي خسره من الرأي العام المسيحي الغاضب بسبب الأثمان التي يدفعها البلد بانحياز الرئيس عون و”التيار الحر” لمحور الممانعة، ما سبب عزلة لبنان عن محيطه العربي، وعمق أزمته الاقتصادية.

جعجع وإعادة النظر بالتركيبة

وبموازاة موقفي الكنيسة وباسيل، فإن السياسي المسيحي البارز سمير جعجع واصل حملاته المتواصلة على “حزب الله”، ورفضه المطلق انتخاب رئيس للجمهورية موال له، وذهب في مقابلة تلفزيونية إلى حد الحديث عن “إعادة النظر سياسياً بتركيبة الدولة”.

ومع أن جعجع لم يجار باسيل في هجومه على اجتماع مجلس الوزراء، وركز على أن الأزمة هي في التسبب بالفراغ الرئاسي، فإنه قال رداً على سؤال حول فكرة الفيدرالية، “لماذا لا”، معتبراً أنها ليست “تابو” ويمكن أن تخضع للنقاش. وسبق لرئيس حزب “الكتائب” النائب سامي الجميل أن استخدم عبارة اللجوء إلى “الطلاق” في حديث تلفزيوني رداً على سؤال حول ما ستؤول إليه العلاقة مع “الحزب” في سياق الخلاف معه على تحكمه بقرار انتخاب الرئيس.

وتخلل مواقف المرجعيات المسيحية الأسبوع الماضي صدور البيان الدوري عن مجلس المطارنة الموارنة، الذي تبنى تحذير الراعي من التغيير في المزاج الشعبي ومن تحول الفراغ الرئاسي إلى تفريغ للمواقع المارونية، مشيراً إلى “مخطط مرفوض” في هذا الصدد، لكن اللافت أنه تبنى في الوقت نفسه موقف “التيار الحر” الرافض لانعقاد مجلس الوزراء، طالما لم ينتخب رئيس الجمهورية، بينما كانت الكنيسة نأت بنفسها عن الدخول في سجال حول مسألة اجتماع الحكومة.

“حزب الله” يرد و”القوات” يوضح

ومن دلائل اتخاذ السجال حول دور “حزب الله” منحى جديداً، في سياق تلميحات المراجع المسيحية، أن الحزب كان يتجنب الرد على عظات البطريرك الراعي ودعواته إلى حياد لبنان وإلى معالجة موضوع سلاحه، وكان يوكل الردود إلى حلفاء له، لكن الأمين العام حسن نصر الله رد هذه المرة على عظة الراعي بالقول، “نتفهم ضغط مرجعيات دينية على القوى السياسية من أجل الإسراع في انتخابات الرئاسة، لكن يجب الانتباه إلى عدم التحريض الطائفي”. وأكد أنه “غير صحيح الترويج لفكرة تغييب الموقع الماروني الأول ولا نية لأحد في ذلك”.

كما أن رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط انتقد تلميح جعجع إلى “إعادة النظر بالتركيبة السياسية”، سائلاً “ماذا يريد رئيس القوات؟”.

وأفادت المعلومات أن جعجع كلف أحد نواب حزبه الاتصال بنواب الاشتراكي لطمأنة جنبلاط بأنه لا يقصد أي تقسيم أو فيدرالية، كما أن سفراء أجانب أجروا اتصالات بـ”القوات” للاستفسار عما يقصده بكلامه، خصوصاً أن “حزب الله” شن حملة عليه متهماً إياه بأنه يسعى إلى إحياء مشاريع التقسيم، واتهم بعض الإعلام الموالي لمحور “الممانعة” بإجراء تدريبات عسكرية لعناصر حزبه وأنه يمهد لحرب أهلية ولانقلاب في البلد، ما اضطر الدائرة الإعلامية للرد بنفي ذلك في شكل قاطع.

واستغرب “القوات” أن يتهم “من ينقلب على الدستور والدولة والمؤسسات قوى أخرى بما يقوم به منذ عقود في محاولة يائسة لتغطية فعلته الانقلابية، و”حزب الله” هو أكثر من عمل على ضرب الصيغة اللبنانية بروحيتها عبر استهدافه كل المكونات الرافضة للخضوع لإملاءاته ومصادرته القرار السياسي والسيادي، العسكري والأمني، وانخراطه في حروب عبثية دون العودة لا للدولة ولا للشعب اللبناني”.

كما اتهم “القوات” “حزب الله” بالاغتيالات “من رفيق الحريري إلى لقمان سليم وما بينهما” وأشار بيان “القوات” إلى أن “حزب الله جعل من التوافق بدعة لبنانية عنوانها الوحيد تتفقون على ما أقرره أو لا حياة ولا هناء ولا استقرار لكم ولوطنكم الذي أرفض هويته المتنوعة”.

كما أوضحت مصادر قيادية في حزب “القوات” أن دعوة جعجع إلى إعادة النظر بالتركيبة اللبنانية “تعود لاعتبارات عدة، وربطها باستمرار الشغور الرئاسي الذي يؤدي إلى اضمحلال الدولة وتفقير الناس وتهجيرهم”، وأضافت المصادر، “لا حل للأزمة في ظل رئيس للجمهورية ممانع، بل بانتخاب رئيس سيادي- إصلاحي فوراً، وبإفهام الفريق الممانع أن الشعب اللبناني بكل طوائفه لن يبقى رهينة سياساته وأولوياته الإيرانية”.

المصدر: اندبندنت عربية

 

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: