أسباب وتداعيات التصعيد السعودي الإيراني

تصاعدت الخلافات السعودية الإيرانية، بعد أن أصدرت الأخيرة  سيلا من التصريحات التي تهاجم المملكة وتتهمها بدعم الاحتجاجات الشعبية فيها، في حين لم تصدر الرياض أي تعليقات ضد طهران أو تتحدث علنا عن الاحتجاجات التي تعم البلاد.

ووجه قائد الحرس الثوري، حسين سلامي، اتهامات متكررة للمملكة، الخصم الإقليمي لإيران، بدعم الاحتجاجات الشعبية التي تعم طهران ومدن أخرى منذ وفاة الشابة، مهسا أميني، في منتصف سبتمبر الماضي.

وبعد أيام من نشر صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية تقريرا عن مشاركة الرياض معلومات استخباراتية مع واشنطن، تحذر من هجوم إيراني وشيك على أهداف في المملكة، قال سلامي إن “الأعداء وضعوا قواتهم في حالة تأهب ويخشون من تحرك الجمهورية الإسلامية ضدهم”.

وقال سلامي، الجمعة، إن “من يسلب الهدوء من شعبنا لن ينعم بالراحة أبدا”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا).

وكانت “وول ستريت جورنال” أفادت، نقلا عن مسؤولين، أن السعودية والولايات المتحدة وعدة دول مجاورة أخرى رفعت مستوى التأهب لقواتها العسكرية، ردا على التحذيرات الاستخباراتية.

ويرى المحلل السياسي السعودي، مبارك آل عاتي، أن “التصعيد الإيراني تجاه السعودية” يأتي في إطار التغطية على ما وصفه بـ “الثورة الشاملة” في إيران، بالإضافة إلى تعثر المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة.

المحلل السياسي الإيراني، حسين رويران، يعتقد من جانبه، أن “التصعيد الإيراني” جاء بعد “سلوك سعودي بدعم تيارات معارضة تقوم بعمليات إرهابية”، بحسب قوله.

“مسألة طبيعية”

وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2016 بعد اقتحام متظاهرون إيرانيون لسفارة السعودية في طهران وقنصليتها بمشهد احتجاجا على إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي نمر النمر.

ودخل الطرفان في صراعات بالوكالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط بعد انقطاع العلاقات، لا سيما في اليمن التي تعيش حربا منذ 7 سنوات.

في العام الماضي، بدأت الرياض وطهران محادثات مباشرة في محاولة لتحسين العلاقات بوساطة عراقية، حيث استضافت بغداد خمس جولات من المحادثات كان آخرها خلال شهر أبريل على الرغم من محاولات رئيس الوزراء العراقي السابق، مصطفى الكاظمي، إنعاشها في الصيف الماضي.

في حديثه لموقع “الحرة”، قال آل عاتي إن “إيران تعمد لتصدير أزماتها الداخلية في الخارج وتصوير أن هناك ضلوعا سعوديا أميركيا إسرائيليا غربيا في هذه الثورة حتى تبيح لها أي إجراء لسحق الثورة”.

وأضاف أن رواية التدخل الأجنبي تسعى من خلالها إيران للقول إنها مستهدفة من دول عدة، مردفا: “هذا هو ديدن السلوك الإيراني مع كل احتجاجات يواجهها”.

في المقابل، اتهم رويران المملكة بدعم جماعات وصفها بـ “الإرهابية” مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني لتنفيذ عمليات في الداخل الإيراني.

وقال لموقع “الحرة” إن دعم السعودية للتيارات التي تعمل “ضد النظام السياسي في إيران غير مقبول”، مشيرا إلى أن إيران لا يمكنها تغافل هذا الموضوع. وتابع: “إيران تشعر أن السعودية تتعامل بعداء كبير ولا يمكن لإيران إلا أن تتعامل معها بعداء أيضا”.

وفي خضم الاحتجاجات الشعبية، تعرض مزار ديني شيعي بمدينة شيراز جنوب إيران إلى هجوم مسلح الشهر الماضي، ما أسفر عن مقتل 15 شخصا في أحد أكثر الاعتداءات دموية تشهدها البلاد منذ أعوام.

وفي وقت لاحق، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن تنفيذ الهجوم، بحسب ما نقلت وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم الإرهابي على تلغرام.

ويرى رويران أن الاحتجاجات “مسألة طبيعية في أي نظام سياسي يمتلك هامشا من الحرية، ولكن الأعمال الإرهابية مسألة أخرى… ومن هنا ترى إيران أن هذا السلوك السعودي معاد”.

وتحولت الاحتجاجات إلى “ثورة شعبية” شارك بها إيرانيون غاضبون من جميع طبقات المجتمع، مما شكل أحد أكثر التحديات جرأة للزعماء من رجال الدين منذ ثورة 1979، وفقا لفرانس برس.

وجاء في قلب الخلاف الإيراني السعودي الجديد قناة تلفزيونية معارضة تتخذ من لندن مقر لها، تقول السلطات الإيرانية إن السعودية تمولها.

وقال رويران إن “دعم السعودية لقناة إيران إنترناشيونال جعل إيران تشعر باستياء كبير… القناة لا تقوم بأدوار إعلامية فقط، بل تجاوزت ذلك وتعمل على تنظيم احتجاجات وتدعو للتظاهر في أوقات معينة وأماكن محددة”.

وعبر موقعها على الإنترنت، تعرف “إيران إنترناشونال” عن نفسها بأنها قناة إخبارية فضائية ناطقة بالفارسية، تتخذ من لندن مقرا لها.

ويستبعد آل عاتي تدخل السعودية في الشأن الداخلي لأي دولة “حتى لو كانت عدوة، نظرا لأنه يتعارض مع مبادئ الدبلوماسية السعودية القائمة على الاحترام”.

وقال إن “السعودية تعتبر الثورة شأن داخلي والشعب الإيراني هو من يقرر مصيره”.

“يأس”

في الشهر الماضي، كتب الزميل البارز بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي بواشنطن العاصمة، كريم سادجادبور، على تويتر أن إيران طالبت – دون جدوى – بإغلاق القناة في محادثاتها مع السعودية نقلا عن مسؤول خليجي رفيع.

وقال سادجادبور إن المطالبات الإيرانية بإغلاق القناة جاءت لتحقيق تقدم في مجالات الخلاف الأخرى، مثل الحرب في اليمن.

وفي عام 2018 وبعد عام من تأسيسها، أصدرت قناة “إيران إنترناشيونال” بيانا ينفي صلاتها بأي حكومة سواء السعودية أو إيران، وذلك ردا على تقرير لصحيفة “الغارديان” ربط القناة بالمملكة.

في ذات تقرير الصحيفة البريطانية الذي نشر أكتوبر عام 2018، قال غاري سيك، المسؤول الأميركي الذي عمل بمجلس الأمن القومي في فترات 3 رؤساء سابقين، إن كلا البلدين يستخدمان “بشكل فعال” وسائل الإعلام في تنافسهما الإقليمي.

وقال سيك إن “تلفزيون برس تي في الإيراني مليء بالقصص السلبية عن القيادة السعودية”، مشيرا إلى أن “الإعلام السعودي الرسمي (وغير الرسمي) يصور إيران على أنها أكبر مصدر منفرد لعدم الاستقرار والإرهاب في الشرق الأوسط”.

ووسط التباينات بين البلدين، يستبعد محللون عودة الرياض وطهران لطاولة واحدة لبحث مسألة إعادة العلاقات الدبلوماسية المنقطعة بين البلدين.

في الطرف السعودي، قال آل عاتي إن “المحادثات بين إيران والسعودية بدا لي أنها علقت من جانب السعودية بسبب سلوك إيران وتهديداتها لا سيما التي أطلقها قائد الحرس الثوري”.

أما الطرف الإيراني، فيشير رويران إلى أن المحادثات التي احتضنتها العراق “ستتأثر” بعد المستجدات الأخيرة، قائلا إن السعودية هي من انسحبت منها.

وقال إن الرياض “تراهن على حسابات خاطئة” بعد التظاهرات وتعثر إحياء الاتفاق النووي، موضحا: “التصور بأن الاحتجاجات يمكن أن تسقط النظام سخيف وبعيد عن المنطق”.

لكن آل عاتي يقول إن طهران تتصرف بـ “يأس” بعد “وصول مفاوضات فيينا لطريق مسدود”، مدللا على دخولها طرفا في غزو أوكرانيا بدعم روسيا بالطائرات المسيرة.

المصدر: الحرة. نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى