
من يتابع المشهد السياسي العراقي في الأسبوعين الأخيرين يلحظ صعود أسهم رئيس الحكومة علي الزيدي، على خلفية حملته على الفساد، وإصراره على المضي فيها إلى النهاية مهما كانت الضغوط والطعون التي وجهها إليه من هم ضالعون في شبكات فساد، ويخشون أن تطالهم مجريات الحملة. وإلى جانب الزيدي يعود زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ليأخذ مكاناً لافتاً في المشهد، من خلال مساندته حملة مكافحة الفساد، والتزامه بفكرة حصر السلاح بيد الدولة، وتقديمه الدليل العملي على ذلك بحل فصيل “سرايا السلام” التابع له، وإلحاق أفراده بالدولة، وهو بذلك يقطع فترة “الصوم” السياسي التي جعلته بعيداً عن مشهد السياسات اليومية، وإن كان مراقباً لها، رافضاً أن يلوّث نفسه بمساوئها كما قال غير مرّة.
ما هو جدير بالملاحظة أيضاً تراجع أسهم الآخرين من قادة “الإطار التنسيقي” وزعماء المليشيات الذين كانوا، إلى عهد قريب، يصولون ويجولون، ويرسمون الخطط، ويوزّعون المناصب، وقد ظهر معظمهم في اجتماع “الإطار” أخيراً، وقد تلبّستهم حالة هلع، خشية أن تدور الدائرة عليهم، خصوصاً بعد أن صارحهم الزيدي نفسه بأنه ماضٍ في حملته، وأن “لا ضمانة لفاسد مهما كان موقعه”، وبعد أن اتضح أن الولايات المتحدة، وهي بصدد تفعيل شراكتها الاستراتيجية مع العراق، وإعادة رسم خطوطها التفصيلية تريد عراقاً بعيداً عن هيمنة إيران، منعتقاً من سطوة المليشيات، بما يجعله صالحاً للاستثمارات، ولدخول الشركات الأميركية السوق العراقية، وهنا يشار إلى الفساد الضارب أطنابه بوصفه عائقاً أو مقيداً يحول دون أي تحرّك في الاتجاه الذي تريده واشنطن. وهذا ما أكده المبعوث الأميركي توم برّاك في رسائله إلى حكومة بغداد، وستكون هذه “الاشتراطات” موضع بحث بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الحكومة علي الزيدي في لقائهما المنتظر.
من الطبيعي أن تقود هذه الوقائع “الحيتان” الكبار إلى الغضب، وإلى تسفيه حملة الزيدي، وحين لم يجدوا ما يردّون به شرعوا في حملة طعن في “شرعية” الإجراءات التي أقدمت عليها السلطة في “صولة الفجر”، من قبيل اقتحام العسكر منازل شخصيات نافذة في “المنطقة الخضراء” وتفتيشها، مع أن العملية جرت تحت سقف القانون، ورُفعت الحصانة عن النواب الذين جرى اعتقالهم قبل تنفيذ العملية. وظهر معترضون على الشاشات، في خلفية المشهد، مثل حملان وديعة، محاولين تبرئة أنفسهم من ارتكابات السنوات العشرين المنصرمة التي أودت بالبلاد إلى الحضيض الذي نعيش في غمراته اليوم.
أمام العراقيين اليوم ربما أكثر من فرصة للانتقال إلى وضع جديد
وفي ظل هذه التداعيات، هناك أسئلة مسكوت عنها، وهي على لسان أكثر من سائل: هل يمكن للتلاقي العفوي المشار إليه بين أطروحات الزيدي وأطروحات الصدر، وتقارب وجهات نظرهما في مسائل أساسية ومهمة، أن يقود إلى صيغة “تحالف” بينهما، وإنْ كان لا يزال الزيدي محسوباً على “الإطار التنسيقي” على نحو أو آخر، ولم يفكّر في إنشاء حزب سياسي، أو حتى الترشّح في انتخابات مقبلة، كما قال، والصدر نفسه لم يبدُر منه ما يؤكّد نيته استثمار اللحظة السياسية الماثلة، وإعادة تياره إلى الساحة مجدّداً، رغم خطواته المثيرة أخيراً، وكل الدلائل الظاهرة لا ترجّح قيام تحالف كهذا، لكن السياسة ليست “فن القبض على الممكن” فحسب، كما يقول روّادها، إنما هي “فن تطويع المستحيل” أيضاً.
وإذا كانت حملة الزيدي على الفساد قد كشفت حالة السيولة التي يتسم بها الوضع السياسي، والهشاشة التي طبعت حال المؤسّسات القائمة مثل البرلمان وسواه، فهي في الوقت نفسه تنبئ عن وجود حافز لبروز قوى جديدة، ربما حتى من داخل العملية السياسية الطائفية نفسها، يهمها أن تعمل على إصلاح ما يمكن إصلاحه، وتحركات من هذا النوع بدأت تثير المخاوف لدى الأحزاب الإسلامية التي حكمت وتحكّمت بعد 2003، ما جعل كبير قادة “الإطار التنسيقي” نوري المالكي يحذر رفاقه من مغبة التخلي عن “الإطار”، أو الخروج منه، ومؤكّداً بقاءه “مشروعاً سياسياً وطنياً أثبت نجاحه في إدارة الحكومات وتشكيلها”، وفي محاولة من رئيس الحكومة الأسبق، حيدر العبادي، للنأي بنفسه عما يحدُث، اعترف بأن النار قد تصل إلى “الحيتان” الكبار، وأن الأحزاب لم تعد قادرة على حمايتهم.
إلى ذلك، أمام العراقيين اليوم ربما أكثر من فرصة للانتقال إلى وضع جديد، قد ينشأ على أنقاض العملية السياسية الطائفية التي زرعها الأميركيون الذين ربما باتوا يشاركون العراقيين ضرورة تخطيها، وصولاً إلى بناء عملية جديدة قد تكون جزءاً من حصيلة مباحثات البيت الأبيض.
المصدر: العربي الجديد






