كأس العالم في العقلية المصرية

سامح راشد

                                                                               

لم يكن مفاجئاً وصول مصر إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2026 بعد زيادة عدد الدول المشاركة إلى 48 دولة، ما أتاح تمثيل أفريقيا في المحفل العالمي بثمانية فرق بدلاً من خمسة. فاستفادت مصر من زيادة حصة أفريقيا بتصدّر مجموعة ضمّت فرقاً ضعيفة كروياً، وتجنّبت مواجهة الفرق القوية في القارّة السمراء، وكانت مواجهة أيٍّ منها كفيلةً بالقضاء على فرص مصر في خوض المونديال. تغافل مصريون كثيرون عن تلك الخلفية في تقييم مسيرة المنتخب المصري في المونديال الحالي، بعد أن دفع الإعلام الرسمي بقوّة نحو توقّع إنجازاتٍ ضخمةٍ وأداء غير مسبوقٍ للمصريين أمام عمالقة العالم، على الرغم من أنّ تلك التوقّعات المبالغ فيها لم تستند إلى أسسٍ موضوعيةٍ أو معطياتٍ واقعية، خصوصاً أن المنتخب المصري تعرّض لانتقاداتٍ قوية خلال فترة الإعداد، لأنّه لم يخض سوى ثلاث مباريات ودّية أمام السعودية وروسيا والبرازيل، وهي فرق مستوياتها مختلفة، وطريقة أدائها مغايرة لفرق مجموعة مصر (بلجيكا وإيران ونيوزيلندا). ولم تقتصر الانتقادات، التي استهدف معظمها المدير الفنّي للمنتخب، على المباريات التحضيرية، وإنّما قوبلت اختياراته اللاعبين باعتراضات شديدة وهجوم صريح، فاتُّهم باستبعاد لاعبين لخلافات شخصية معهم.
وعلى الرغم من صحّة الانتقادات واتساقها مع شخصية المدرّب وتركيبته النفسية، فإنّ هذا لا يعني مسؤولية المدرّب حصراً عن خروج مصر من دور الـ16، أو هزيمتها اللافتة أمام الأرجنتين. نعم، هو مسؤول بدرجة كبيرة، لكنّه ليس المسؤول الوحيد، فقدرٌ معتبرٌ من أسباب الهزيمة يتعلّق باللاعبين أنفسهم، فهم في النهاية عناصر ضمن منظومة شاملة هي في مصر بعيدة تماماً عن الدول المتقدّمة كروياً. ففي المباريات التي خاضها المنتخب المصري كلّها تكرّرت الأخطاء نفسها مراراً، وتسبّبت في تلقّي أهدافٍ تكاد تكون متطابقة.
وما يستحقّ التأمّل في قصة المشاركة المصرية في كأس العالم 2026، هو التعاطي الشعبي والرسمي غير المتوازن، أو بالأدقّ غير الموضوعي، فقد وصلت مبالغة مصر الرسمية في مديح المنتخب الكروي إلى حدّ اعتبار أفراده أبطالاً حقّقوا إنجازاً غير مسبوق، بل كرّمتهم الدولة رسمياً من أعلى مستوى في السلطة، بالتوازي مع تركيز إعلامي مكثّف على ما وصف بمؤامرةٍ لإطاحة مصر من كأس العالم، وتعمّد تصعيد الأرجنتين.
يعكس هذا التعاطي نمطاً راسخاً في الثقافة المصرية، هو “الإنكار النفسي” للمسؤولية عن الأخطاء والعيوب، وهو بُعد متأصّل في بنية الشخصية المصرية. ففي مصر لا أحد يعترف بالخطأ، ببساطة لأنّ أحداً لا يخطئ (!). قديماً، كانت أسباب الهزائم الرياضية، الكروية خصوصاً، تنحصر في رداءة الملاعب، وهطول الأمطار أو نسبة الرطوبة، ثمّ توسّعت أطراف “المؤامرة” لتشمل التحكيم والمواقف السياسية والعنصرية. وبسبب هذا الإنكار، أغفل المصريون أخطاء مدرّب المنتخب المصري، وانهيار البنية الجسمانية والذهنية للاعبين في ربع الساعة الأخير في المباريات التي لعبها المنتخب في كأس العالم. وليس هذا الإنكار مقصوراً على الكرة أو الرياضة، بل هو سمةٌ ملازمةٌ للعقل المصري عند التصدّي لاختبارات أو تحدّيات من دون استعداد كافٍ.
وتتعاظم هذه الصفة السلبية حين يكون الأمر منوطاً بالسلطة ومؤسّساتها، إذ يكون المَخرج الدائم من المسؤولية إنكار المسؤولية وتصديرها إلى أطرافٍ أخرى “متآمرة”. وأخطر ما يترتّب من ثقافة الإنكار تلك، استمرار الخلل الذاتي وغياب العلاج بسبب عدم تشخيص أمراض الدولة بشكل سليم، في إفراز مباشر للثقافة الأبوية، وتأصّل الاعتمادية في العقل الجمعي المصري، حيث الأب والمدير والحاكم، وكل مَن هو في موقع سلطة، لا يفعل إلا الخير ولا يخطئ أبداً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى