
التطورات العلمية والتكنولوجية الكبرى وفائقة السرعة، باتت تشكل تحديات معقدة على الأنظمة التعليمية، وسياساتها، ومناهجها في الدول الأكثر تقدما في عالمنا من حيث إعادة التكيف وتطوير التعليم، ومناهجه، وأيضا ارتباطه الوثيق بأسواق العمل المتغيرة داخل كل دولة، وعلى المستوى الكوني.
لا شك أن كافة المؤشرات المتاحة في هذه اللحظة تشير إلى أن معدلات البطالة على المستوى العالمي ستتراوح ما بين 20% إلى 30%، وذلك لحلول الروبوتات، والأنظمة والبرامج التوليدية الذكية في عديد مجالات العمل والوظائف الإدارية والمكتبية والخدمية في البيع، وأيضا في التصنيع والخدمات اللوجستية، وفق التقديرات المتاحة في المصادر الغربية لاقتصادية، وأيضا ما ينقله عنها الذكاء الاصطناعي (AI) ، والمقالات والتحقيقات الصحفية والتلفازية ، وعلي المواقع الرقمية المتخصصة .
هذه المؤشرات المحتملة عن نسب البطالة، والقطاعات التي ستتأثر بها، من ناحية أنواع الوظائف، وأفول العمل البشري فيها، وهو ما ستتزايد مؤشراته ونسبه الرقمية ما قبل وما بعد نصف القرن الحادى والعشرين، مع التحول المتسارع إلى ما بعد الإنسانية.
تطرح الثورة الصناعية الرابعة تطورات واسعة ، في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومعها أسئلة كبرى في مجال العلوم الاجتماعية، وسياسات التعليم من حيث مدى إقبال الطلاب على كليات العلوم الإنسانية، كالحقوق والآداب، والاقتصاد .. الخ في الدول الأكثر تقدما، والأخطر في الدول المتوسطة، والفقيرة فى جنوب العالم، التي تمددت فيها هذه الكليات، وتضخمت، ولا يجد الغالبية العظمي من خريجيها! الوظائف في أسواق العمل العربية باتت منذ النصف الثاني من القرن الماضي لا تستوعب الغالبية العظمى من هؤلاء الدارسين للعلوم الاجتماعية.
شاءت النظم السياسية أم أبت، فإن مشكلة الأعداد الضخمة من هؤلاء، لن تستطيع أن تجد لهم وظائف ملائمة، أو غير ملاءمة لهم، لأن غالبهم يعملون في وظائف عادية في مجالات الاقتصاد اللارسمي، أو الاقتصاد الأسود، حتى من خريجي كليات القمة كما كان يطلق عليها فى مراحل ما بعد الاستقلال، والتى ارتبطت بوظائف متميزة فى جهاز الدولة . تفاقمت ولاتزال المشكلة منذ التحول إلى السياسات النيوليبرالية الاقتصادية في غالب الدول العربية، ومن ثم حدثت عديد التحولات فى الأنظمة والسياسات التعليمية الموحدة الي تعدد بين أنظمة التعليم العام وتمدد التعليم الخاص العام والجامعي مع تدهور نوعيته ومستوياته وانفصال غالبه عن أسواق العمل وميل السلطات الحاكمة لتقليص الإنفاق العام علي تضخم أجهزة الدولة وموظفيها ، من هنا أدت هذه السياسات بناءا علي تعليمات منظمات التمويل الدولية إلى انفصام العلاقة بين التعليم، والوظائف وسوق العمل ومن ثم علي المكانة الاجتماعية ، والحراك الاجتماعى لأعلى كما كان قبل دولة الاستقلال الوطنى، وما بعدها في ظل النظم الشمولية والتسلطية العربية.
في بدايات مرحلة بناء الدولة المصرية الحديثة في عهدى محمد على، وإسماعيل باشا، كان بناء نظام التعليم المدني، والبعثات الى أوروبا –فرنسا- أحد أدوات تكوين نخبة مدنية ساهمت في بناء، وتشكيل وإدارة الأجهزة الدولتية، ومشاركتها في إنتاج المعرفة الحديثة في المجتمع، في ظل المدن الحديثة شبه الكوزموبوليتانية. لعب التعليم إلى فرنسا، ومدرسة الحقوق الفرنسية، دورًا هاما فى تكوين طبقة الأفندية من رجال القانون، ومعهم خريجي كلية الآداب، بعد نشأة الجامعة المصرية.
نشأة الطبقة الوسطى من الأفندية، التي ساهمت في تطور الحركة القومية المصرية والثقافة شبه الليبرالية ، وحزب الوفد، من خلال المحامين ومعهم بعض من خريجي كليات الآداب، ثم الهندسة والطب …إلخ!
ارتبط التعليم العام، والجامعى ومخرجاته ببناء أجهزة الدولة، بل والنخبة السياسية، ومن ثم كان خريجي كلية الحقوق، والوظائف القانونية في المحاماة والنيابة العامة والقضاء، يمثلون ويشكلون وظائف القمة، والمكانة الاجتماعية، وغيرهم من بعض أساتذة الجامعة ، والمدرسين والأطباء والمهندسين في المرحلة شبه الليبرالية. ارتبطت المكانة والوجاهة الاجتماعية بهذه التخصصات التعليمية ، والوظيفية. في ظل نظام يوليو 1952، في المرحلة الناصرية والتصنيع، ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية أصبح المهندسين، والأطباء وأساتذة الجامعات في مقدمة الوظائف، والمكانة الاجتماعية، ومن ثم التعليم في كليات الهندسة، والطب والاقتصاد والعلوم السياسية، تختار الحاصلين على اعلي الدرجات في امتحان الثانوية العامة علمى، وأدبى، ومندثر التعيينات في القطاع العام وجهاز الدولة .
مع المرحلة الساداتية، بدأت عمليات فك الارتباط ما بين نوعية التعليم، والمكانة والوجاهة الاجتماعية، لصالح الثراء، والقوة المالية رمزا على المكانة، والوجاهة، والنفوذ واستمرت في التمدد حتى نهاية نظام مبارك، وتمدد ظواهر الفساد الإداري، والسياسي في ظل الركود السياسي، وهيمنة الزبائنية السياسية، ونظام المحاسيب، في الحزب الحاكم وقياداته، وفى الوظائف المرموقة. حدث ذلك في نظام زين العابدين بن على في تونس، كان المسار التعليمي التونسي الموروث من المرحلة البورقيبية متطوراً، ويمد الاقتصاد وسوق العمل وجهاز الدولة بكوادر متميزة، مع الزبائنية السياسية للنظام.
مع هذه التغيرات السياسية، والنيوليبرالية الرأسمالية في أعقاب الربيع العربي، وتغير أسواق سوق العمل، ونوعية الوظائف المطلوبة، مع الثورة الرقمية، تزايدت معدلات البطالة، وتراجعت معدلات النمو الاقتصادي، وازدياد الهوة بين التعليم الجامعى الدولتي والخاص في العلوم الإنسانية ، وأسواق العمل، والأخطر تراجعت مستويات التعليم في مجال العلوم الإنسانية –الآداب والحقوق والتربية-، ولم تعد هذه الكليات قادرة على التكيف مع تطورات المعرفة والعلوم الإنسانية في الجامعات الغربية، ومراكز الفكر والبحث في الفلسفة، والمدارس التاريخية والثورة الألسنية وما بعدها في مجال اللغة، والنقد الأدبي، وأيضا في الدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية. في كليات الحقوق تراجعت العلوم القانونية، نظرًا لندرة البعثات الى فرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، والولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والاستثناء ربما في المغرب علي نحو محدود ، وتطور أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر، وانفتاحها على أحكام المبادئ في المحكمة العليا الأمريكية، وقلة قليلة جدا من رجال القانون عربيا هي التى تواكب التغيرات في النظم القانونية والقضائية المقارنة، وأثر التحولات في الرقمنة والذكاء الاصطناعي في المجالات القانونية المتعددة في الفقه ونظرياته والتشريع، وأيضا في الأنظمة القضائية.
تحولات النظم العربية الى الرأسمالية النيوليبرالية أدت إلى تراجع المكانة والوجاهة الاجتماعية والنفوز في المهن الطبية، والهندسة، والقانون، والدبلوماسية، وأساتذة الجامعات في العالم العربي، لصالح طبقة رجال الأعمال، والمسوقين والمطورين العقاريين، والمقاولين، والتجار، والكومبرادور، في ظل اتساع وتنامي ظواهر الفساد السياسي –العراق على سبيل المثال ما بعد بريمر، ونظام حافظ الأسد الأب والابن، ومحاكمات بعض رموز عهد حسنى مبارك-، وأيضا أنماط الفساد الأدارى، والفساد المجتمعي من أعلى الطبقة العليا المترفة إلى الطبقات الوسطى وأيضا في أوساط الطبقات المعسورة عربيًا.
من هنا لم تعد المكانة الاجتماعية والنفوذ مرتبط بالوظائف، والمهن المتميزة علميا مابعد الاستقلال، وإنما بالسلطة المالية والاقتصادية والسلطة السياسية –آيا كانت طبيعة النظام السياسي-، ومن ثم تتفكك الطبقات الوسطى العربية، ولم يعد التعليم مؤثرًا فى حراكها الاجتماعي، وإنما بات القوة والمكانة والوجاهة لقلة قليلة من الطبقة المترفة من الكومبرادور والمقاولين الكبار ، وذوي السلطة والمكانة في دوائر القوة السياسية ، وصنع القرارات عند القمة في النظم العربية ، هذا التغير الاقتصادي النيوليبرالي هو ما جعل قلة القلة ترتقى لأعلى من خلال القوة المالية أما الوظائف والمهن ذات الوجاهة لم تعد الا صدى من أصداء الماضى، ما قبل وما بعد الاستقلال. هذه المهن ستنتهي مع ثورة الروبوتات، والذكاء التوليدي عالميا، وأيضا فى بلداننا العربية شئنا أم أبينا سياسيا، وتعليميا .
المصدر: الأهرام


