ما بعد استقالة ستارمر في بريطانيا

    فارس الخطاب

تمثل استقالة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، تطوراً سياسياً بالغ الأهمية في المشهد البريطاني، ليس فقط لأنها تنهي فترة حكم زعيم قاد حزب العمال إلى السلطة بعد 14 عاماً من هيمنة المحافظين، بل لأنها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي داخل الحزب الحاكم، وفي الحياة السياسية البريطانية عموماً. وقد جاءت الاستقالة في ظل تراجع شعبية الحكومة وتزايد انتقادات داخلية لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن خسائر تعرّض لها حزب العمّال في الانتخابات المحلية أخيراً، الأمر الذي دفع مراقبين عديدين إلى اعتبارها مؤشّراً على أزمة أعمق تتجاوز شخص ستارمر نفسه، بحسب صحيفة الغارديان. واللافت أن سقوط ستارمر لم يكن نتيجة هزيمة انتخابية مباشرة، بل نتيجة اقتناع متزايد داخل حزب العمّال بأن رئيس الوزراء لم يعد قادراً على قيادة الحزب نحو الانتخابات المقبلة. وفي اعتراف نادر في السياسة البريطانية، أقرّ ستارمر بأن كثيرين من زملائه لم يعودوا يرونه الأنسب لخوض الاستحقاق الانتخابي المقبل، معلناً تنحيه مع بقائه مؤقتاً إلى حين انتخاب خلف له.

سعى ستارمر منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة لتقديم نموذج “العمّال الوسطي” القادر على الجمع بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، مستلهماً في هذا تجربة توني بلير إلى حد كبير. غير أن التحديات الاقتصادية المتراكمة، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الضغوط على الخدمات العامة، جعلت جزءاً مهماً من القاعدة التقليدية للحزب يشعر بأن الحكومة لم تحقق التغيير الذي وعدت به في الانتخابات العامة. وترى وكالة رويترز أن الاستقالة تعكس فشل القيادة في احتواء حالة التململ المتزايدة داخل الحزب وفي الشارع البريطاني، خصوصاً مع استمرار تقدّم حزب الإصلاح اليميني، بقيادة نايجل فاراج، في استطلاعات الرأي، مستفيداً من حالة الإحباط الشعبي تجاه الحزبين الرئيسيين.

وتفيد غالبية التقديرات السياسية بأن عمدة مانشستر الكبرى أندي برنهام، هو المرشح الأقوى لخلافة ستارمر. فالرجل يتمتع بشعبية واسعة داخل القواعد الحزبية، كذلك فإنه حافظ خلال السنوات الماضية على صورة السياسي القريب من الطبقات العاملة ومشكلات الأقاليم الشمالية التي شعرت بالتهميش خلال العقود الماضية. ووفقاً لتقارير صحافية بريطانية، بدأت شخصيات بارزة داخل حزب العمال بالفعل بإعلان دعمها الضمني أو المباشر لبرنهام، الأمر الذي يعزّز فرصه في قيادة الحزب والحكومة في المرحلة المقبلة. كذلك تطرح أسماء أخرى، مثل أنجيلا راينر، وإيفيت كوبر، وديفيد لامي، ووزير الصحة ويس ستريتينغ، إلا أن معظم التحليلات ترى أن برنهام يمتلك أفضلية واضحة، بفضل قدرته على مخاطبة القاعدة الشعبية للحزب واستعادة ناخبين انتقلوا إلى حزب الإصلاح.

عمل ستارمر منذ وصوله إلى السلطة على إعادة بناء الثقة مع بروكسل، بعد سنوات من التوتر التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

ترى “الإيكونوميك تايمز” أن استقالة رئيس الوزراء لا تعني بالضرورة تغييراً فورياً في السياسة الاقتصادية، ولكن هوية الزعيم الجديد ستحدّد الاتجاه العام للحكومة في السنوات المقبلة. فإذا تولى برنهام القيادة، يتوقع محللون عديدون أن تتجه الحكومة نحو زيادة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية والتنمية الإقليمية، مع إعطاء أولوية أكبر للمدن الصناعية في شمال إنكلترا التي كانت تشكل تاريخياً معقل حزب العمّال. وقد يشهد الاقتصاد البريطاني توجهاً أوضح نحو تعزيز دور الدولة في قطاعات الإسكان والنقل والخدمات العامة، وهي ملفات ارتبطت بمواقف برنهام السياسية في السنوات الماضية. ومع هذا، ستظلّ أي حكومة جديدة مقيدة بعدة عوامل، أهمها ارتفاع الدين العام، والضغوط المالية التي تواجه الخزانة البريطانية، والحساسية الشديدة للأسواق تجاه أي انحراف كبير عن قواعد الانضباط المالي، وخصوصاً بعد التجربة الصعبة التي شهدتها بريطانيا خلال حكومة ليز تراس عام 2022. ولذلك، يرجح أن تكون التغييرات الاقتصادية تدريجية أكثر من كونها جذرية، مع استمرار الحرص على طمأنة الأسواق والمستثمرين الدوليين.

في ما يتعلق بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، عمل ستارمر منذ وصوله إلى السلطة على إعادة بناء الثقة مع بروكسل، بعد سنوات من التوتر التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد شهدت العلاقات في الأشهر الأخيرة سلسلة من الاتفاقات المتعلقة بالتعاون الأمني والتجاري والتنسيق السياسي. وفي حال وصول برنهام إلى رئاسة الحكومة، يتوقع مراقبون عديدون استمرار هذا النهج، بل وربما تعزيزه بصورة أكبر، فالرجل ينتمي إلى تيار داخل حزب العمّال يرى أن المصالح الاقتصادية البريطانية تقتضي بناء شراكة أوثق مع أوروبا، خصوصاً في التجارة والاستثمار والطاقة. ولكن هذا لا يعني العودة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي أو السوق الأوروبية الموحدة، إذ لا يزال هذا الخيار يفتقر إلى التأييد الشعبي والسياسي الكافي داخل بريطانيا. ولذلك يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً بتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي والسياسي مع بروكسل من دون المساس بالإطار العام الذي أفرزه الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

لن تكون معركة الزعامة داخل حزب العمال مجرد صراع على خلافة ستارمر، بل ستكون في جوهرها محاولة لإنقاذ الحزب من خسارة قاعدته الانتخابية أمام منافسين جدد

بعيداً عن المنافسة داخل حزب العمال، يبدو أن المستفيد السياسي الأكبر من استقالة ستارمر قد يكون نايجل فاراج وحزب الإصلاح؛ فالحزب اليميني نجح في العامين الماضيين في استقطاب شرائح من الناخبين الساخطين على أداء الحكومة والمعارضة التقليدية على حد سواء. كذلك إن رحيل رئيس وزراء بعد فترة قصيرة نسبياً من توليه السلطة يمنح فاراج فرصة إضافية لتسويق خطابه القائم على أن الطبقة السياسية التقليدية فقدت قدرتها على إدارة البلاد. ولهذا لن تكون معركة الزعامة داخل حزب العمال مجرد صراع على خلافة ستارمر، بل ستكون في جوهرها محاولة لإنقاذ الحزب من خسارة قاعدته الانتخابية أمام منافسين جدد أكثر قدرة على استثمار الغضب الشعبي.

إذن، لا تمثل استقالة كير ستارمر مجرد تغيير في قمة السلطة البريطانية، بل قد تشكل بداية مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم ملامح حزب العمّال ومستقبل الحكم في المملكة المتحدة. وبينما تبدو فرص أندي برنهام قوية للوصول إلى رئاسة الحكومة، لن يكون التحدّي الحقيقي في الفوز بزعامة الحزب، بل في استعادة ثقة الناخب البريطاني ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قادت إلى سقوط سلفه. ويبقى السؤال الأهم: هل ستقود استقالة ستارمر إلى تجديد حزب العمّال وإعادة إحياء مشروعه السياسي، أم ستكون بداية مرحلة من التراجع تفتح الطريق أمام صعود قوى سياسية جديدة قد تعيد تشكيل المشهد البريطاني بأكمله؟

 

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى