
تعددت توصيفات نظام حافظ الأسد بين الاستبداد والدكتاتورية والشمولية والعسكرتارية والأوليغارشية والريفية السياسية، وقد صاغت هذه التوصيفات وتبنتها شخصيات وطنية وقوى معارضة ونخب ثقافية وفكرية عارضت النظام طوال عقود، غير أن توصيفاً واحداً ظل أقل حضوراً في الخطاب المعارض، رغم أهميته في فهم طبيعة النظام وآليات عمله، وهو توصيفه بالطائفية.
حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت الكتابات التي تصف النظام بالطائفية نادرة، ولم يكن ذلك بسبب غياب المؤشرات، بل نتيجة عوامل متعددة، في مقدمتها الحرص على تجنب الانقسامات المجتمعية والخشية من أن يؤدي هذا التوصيف إلى توترات وطنية خطيرة. كما نجح النظام، طوال عقود، في تقديم نفسه بوصفه نظاماً وطنياً وقومياً وعلمانياً، الأمر الذي حال دون إخضاع بنيته الفعلية للتشخيص والنقاش الكافيين. وربما آن الأوان للاعتراف بسبب آخر يتمثل في قصور التحليل السياسي لدى بعض أطراف المعارضة والنخب الثقافية، وعدم التعمق بما يكفي في دراسة آليات تشكل السلطة ومراكز النفوذ داخل الدولة.
لقد بنى حافظ الأسد نظاماً شديد المركزية ارتكز إلى شبكة معقدة من الولاءات السياسية والعائلية والأمنية والطائفية، ويمكن تتبع ملامح هذه البنية منذ دور “اللجنة العسكرية” في ستينيات القرن الماضي، وصولاً إلى إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بما يضمن ولاءها المطلق للسلطة، ولم يكن الأمر مجرد وجود أفراد من طائفة بعينها في مواقع حساسة، بل قيام منظومة حكم ارتبطت فيها مراكز القوة والقرار بشبكات مغلقة من الولاء والثقة.
وقد ظهرت نتائج هذه البنية بوضوح خلال سنوات الثورة السورية، حين لعبت الأجهزة الأمنية والعسكرية الدور المركزي في القمع والقتل وما تبعه من اعتقالات واسعة وانتهاكات ومجازر ودمار طال مناطق واسعة بعينها من البلاد، ولا يمكن فهم تلك الوقائع بمعزل عن طبيعة النظام الذي تشكل خلال العقود السابقة.
في المقابل، يستند من ينفون عن الأسد الأب، وعن النظام عموماً، طابعه الطائفي إلى وجود شخصيات نافذة من طوائف ومذاهب مختلفة داخل مؤسسات الدولة والحزب والاقتصاد. غير أن هذا الاستدلال لا يكفي وحده لنقض الفكرة، فالتاريخ السياسي عرف أنظمة ضمت شخصيات من خلفيات متنوعة، بينما بقيت السلطة الفعلية محصورة ضمن دوائر ضيقة تتحكم بالقرار والثروة والقوة.
ومن المهم هنا التمييز بين الطائفة بوصفها جماعة اجتماعية متنوعة، وبين النظام السياسي الذي استخدم الانتماءات الطائفية أداة في بناء السلطة وإدامتها، فالمسؤولية السياسية لا يمكن أن تُحمّل لجماعة بأكملها، كما لا يجوز إعفاء أي طرف من مسؤوليته بسبب انتمائه إلى طائفة مختلفة.
وفي هذا السياق تكتسب أعمال باحثين ومفكرين مثل ميشيل سورا وصادق جلال العظم أهمية خاصة؛ فقد سعى الأول إلى تفكيك بنية السلطة في سورية، ودفع ثمن ذلك حياته، بينما حاول الثاني توصيف الظاهرة من خلال مفهوم “العلوية السياسية”، في محاولة للتمييز بين جماعة دينية كاملة وبين نمط من الهيمنة السياسية والاستئثار بالسلطة والنفوذ.
إن أي مشروع جاد للعدالة الانتقالية أو المصالحة الوطنية لا يمكن أن يقوم على الإنكار أو التجاهل، فالمجتمعات لا تتعافى عبر تجاهل الأسئلة الكبرى، بل عبر مواجهتها بوضوح ومسؤولية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار وطني صريح حول طبيعة النظام الذي حكم سورية لعقود، وحول الآثار التي خلفها في المجتمع والدولة.
ولا نقول إن كل علوي طائفي، ولا إن كل طائفي علوي، بل نقول إن بناء دولة المواطنة يتطلب الاعتراف بالكيفية التي جرى فيها توظيف الطائفة في خدمة السلطة، وبالنتائج التي ترتبت على ذلك بالنسبة إلى السوريين جميعاً. فالمشكلة لم تكن في الهويات ما دون الوطنية بحد ذاتها، بل في نظام سياسي حوّل تلك الهويات إلى أدوات حكم، وجعل الخوف المتبادل وسيلة للبقاء، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السوريين اليوم لا يقتصر على توصيف الماضي، بل يتمثل في بناء دولة قانون ومواطنة ومؤسسات تجعل تكرار تلك التجربة أمراً مستحيلاً في المستقبل.
ويبقى السؤال قائماً: هل كان الأسد الأب طائفياً، وهل شيد نظاماً طائفياً في بنيته ونهجه؟ إن القراءة المتأنية لمسار تشكل السلطة في سورية، وطبيعة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وآليات إنتاج القرار السياسي خلال عقود حكمه، تقود إلى إجابة واضحة: نعم، لقد كانت الطائفية المكون الأساس في بنية النظام وآليات عمله، إضافة لمكونات آخرى.
ولا يعني هذا تحميل المسؤولية لطائفة بأكملها أو اختزال التجربة السورية المعقدة في بعد واحد، بل يعني الاعتراف بحقيقة تاريخية وسياسية مفادها أن الانتماءات الطائفية استُخدمت، على نحو منهجي، في بناء السلطة وحمايتها وإعادة إنتاجها. ومن هنا فإن أي محاولة لإنكار هذا الجانب أو التقليل من أهميته تبدو عاجزة عن تفسير كثير من الوقائع التي شهدتها سورية خلال العقود الماضية، وعن فهم العلاقة بين بنية النظام وممارساته ونتائجه على المجتمع والدولة.
إن بناء سورية المستقبل لا يقتضي إعادة إنتاج الانقسامات أو ترسيخها، بل يتطلب فهماً صريحاً ونقدياً لكيفية توظيفها في خدمة الاستبداد والطغيان، لأن تجاوز آثار الماضي لا يكون بإنكاره، وإنما بفهمه واستخلاص الدروس منه، وصولاً إلى دولة مواطنة وقانون ومؤسسات تساوي بين جميع أبنائها وتجعل تكرار تلك التجربة أمراً مستحيلاً.
المصدر: صحيفة الثورة السورية


