المقاربات الاستراتيجية لصون الهوية العمرانية والبيئية في غوطة دمشق: رؤية نحو التنمية المستدامة

 د. أمين صعب

​بصفتنا متخصصين في تاريخ العمارة والحفاظ على التراث الحضاري، نرى أن “غوطة دمشق” لا تُمثل مجرد حيز جغرافي زراعي، بل هي منظومة تراثية وبيئية تشكل ركيزة أساسية للنسيج الهوياتي لدمشق. إن قراءة المشهد التاريخي والتخطيطي لهذه المنطقة تتطلب نظرة فاحصة تتجاوز السرديات العامة، لنضع أيدينا على الخلل البنيوي الذي أصاب التخطيط الإقليمي في العقود الماضية.

إن التصدع في بنية الغوطة التخطيطية بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، حين شهدنا “تعطيلاً ممنهجاً” للمخططات التنظيمية في ريف دمشق، وهو ما مهد الطريق لفساد إداري مستشرٍ ساهم بشكل مباشر في تدمير ركائز الزراعة وقضم المساحات الخضراء التي كانت تشكل الرئة الحقيقية للعاصمة.

إن الانحراف عن المخططات التنظيمية لصالح الاستثمارات العشوائية والمشاريع الإسمنتية أدى إلى “تفتيت” الهوية العمرانية للريف الدمشقي واستنزاف الموارد المائية، وهو ما يعد نتيجة حتمية لغياب الرؤية الاستراتيجية التي كان من المفترض أن تحمي التوازن بين الامتداد السكاني والعمق الزراعي [١].

​ولا يمكننا قراءة هذا المشهد دون التوقف عند حقبة المحافظ “علي زيود”، التي تمثل نموذجاً إجرائياً لإدارة المحافظة بعقلية أمنية مركزية. إن إسناد المهام الإدارية لشخصيات تفتقر إلى الارتباط العضوي بالبيئة المحلية كان دليلاً على رؤية النظام للغوطة بوصفها “خزاناً بشرياً” يجب ضبطه أمنياً لا تنميته. لقد ارتبطت تلك المرحلة في ذاكرتنا الجمعية بظاهرة “خصخصة الفساد”، حيث أصبح التغاضي عن مخالفات البناء، وفرض الإتاوات، وتسهيل تحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية عشوائية؛ اقتصاداً موازياً يخدم النخب المتنفذة على حساب التراث البيئي [٢].

إن تحويل “المحافظة” من مؤسسة تنموية إلى أداة أمنية خلق بيئة طاردة للزراعة والتقاليد الحرفية المرتبطة بها، مما أدى إلى تراجع أعداد الأشجار المثمرة، كالمشمش والجوز، والتي تشكل جزءاً من تراثنا الزراعي اللامادي [٣].

​ولم تتوقف وتيرة هذا التدمير عند حقبة الفساد التقليدي، بل شهدنا منعطفاً أكثر خطورة منذ عام ٢٠١١، حيث تصاعدت معدلات مخالفات البناء بشكل غير مسبوق. إننا نشخص الواقع الراهن ضمن “مثلث مأزوم” يتألف من: غياب البدائل السكنية الميسرة للمواطنين، جشع تجار البناء المستغلين لحالة غياب الرقابة، واضطرار الوحدات الإدارية للتمويل الذاتي من خلال تقنين المخالفات [٤].

إن هذا الارتباط البنيوي بين ميزانيات البلديات والتوسع العمراني العشوائي قد حول الحزام الأخضر إلى ضحية لسياسات تمويلية تفتقر إلى البعد التنموي المستدام [٥].

​وانطلاقاً من مسؤوليتنا الأكاديمية والوطنية، ندعو إلى اعتماد “استراتيجية الرباعية التنموية” لإعادة بناء ما تهدم. تتضمن هذه الاستراتيجية محور “الاستعادة الرقمية” عبر إنشاء “التوأم الرقمي” للغوطة بالمسح بالليزر لتوفير قاعدة بيانات قانونية وتاريخية تردع التعديات.

كما تركز على “العدالة الإدارية” عبر تفعيل اللامركزية التشاركية بإشراف تقني يمنح الأولوية للخبراء المحليين المرتبطين عضوياً بالأرض.

إلى جانب ذلك، نؤكد على أهمية “التمويل البديل” عبر استحداث صناديق “تنمية التراث” لفك الارتباط البنيوي بين ميزانية الوحدات الإدارية والمخالفات، مع تعزيز محور “إعادة إحياء الهوية” عبر دمج التراث الزراعي في خطط التنمية الحضرية والحفاظ على خصوصية العمارة الطينية والمواد التقليدية [٦].

​إننا ندعو لإطلاق “مرصد الغوطة الرقمي” لتوثيق التعديات لحظياً، ومراجعة المخططات التنظيمية بناءً على معايير الاستدامة البيئية وليس الجدوى العمرانية السريعة.

ختاماً، إن غوطة دمشق ليست مجرد جغرافيا مستباحة، بل هي ذاكرة جماعية تعاني من جراح التدمير الممنهج. إننا نؤمن أن استعادة توازن دمشق مع ريفها هي الضمانة الوحيدة لاستمرار المدينة كمركز حيوي، وخيارنا هو العمل على تحويل الغوطة من ساحة للصراع العمراني إلى نموذج يحتذى به في صون التراث الطبيعي والحضاري، لنحمي ما تبقى من “جنة الغوطة” للأجيال القادمة.

_______________________________________

​قائمة المراجع والمصادر التوثيقية:

​[١] عابدين، ياسر (٢٠١٠). التخطيط العمراني والمدينة “العشوائية”: حالة دمشق. (دراسة مرجعية حول اختلال المخططات التنظيمية).

[٢] منظمة الشفافية الدولية (٢٠١٥-٢٠٢٢). تقارير مؤشرات الفساد الإداري والمحسوبية في مؤسسات الإدارة المحلية في سوريا.

[٣] الإسكوا – لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (٢٠١٦-٢٠٢٢). سوريا في حالة حرب: التداعيات العمرانية والبيئية.

[٤] منظمة الأغذية والزراعة – الفاو (٢٠١٢-٢٠٢٠). تقارير إدارة الموارد المائية في حوضي بردى والأعوج.

[٥] الأزهري، محمد؛ والحج، أحمد (٢٠١٨). “تغير استخدامات الأراضي في غوطة دمشق باستخدام الاستشعار عن بعد”، مجلة البحوث العمرانية والبيئية.

[٦] ميثاق الإيكوموس (ICOMOS) الدولي؛ معايير صون الأنسجة التاريخية والزراعية في مناطق النزاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى