تمرّد على الطب: نظام الطيّبات عقيدةً ضد العلم

أحمد ماهر

لا يزال الجدل محتدماً في المجتمع المصري حول قضية النظام الغذائي المثير للجدل الذي يطلق عليه نظام الطيبات، رغم الوفاة المفاجئة للطبيب مروّجه، ورغم تضارب هذا النظام الغذائي مع العلم والمنطق، ورغم وفاة عدد غير قليل ممن ساروا على نهجه، بمن فيهم مبتكر ذلك النظام، طبيب التخدير ضياء العوضي الذي كان قد فُصل من جامعة عين شمس العريقة، ثم إيقاف نقابة الأطباء رخصته طبيباً، وذلك بعد إصراره على آرائه التي يزدري فيها العلوم الطبية، ويقلل من جدوى البحث العلمي، وبعد انتشار دعواته للناس إلى الاعتماد على وصفاته الغذائية والإقلاع عن تناول الأدوية، ولكن أتباعه يتزايدون كل يوم عما قبله.

بعد وفاة العوضي، لم تتفكك الظاهرة، بل توسّعت وأصبح له مئات آلاف من المريدين الذين يزداد عددهم بشكل سريع، وتتزايد صفحات باسمه في “السوشيال ميديا” تروّج أفكاره، وتصدّ كل ناقد بتهمة العمالة لشركات الأدوية أو الحقد على الرجل، الذي تحوّل إلى “شهيد” أسكتته شركات الدواء قبل أن يكمل رسالته، فوُلدت ما يمكن تسميتها “طائفة العوضيين”، بكل ما تعنيه الكلمة: يقين راسخ، وعدو خارجي يلقى عليه كل فشل، وزعيم مقدّس لا يُسأل عما يقول أو يفعل.

نظامه المسمّى “الطيبات” مزيجٌ من الصيام بالإضافة إلى قوائم من المحظورات الغذائية تشمل الدواجن والبيض والبقوليات والخضراوات الورقية، مع تساهل صريح وعجيب تجاه السكر والملح والتدخين، بالإضافة إلى صبغة دينية لكل ذلك الخليط غير المتجانس، أيّ طالب في كلية الطب يعرف أن هذا النظام يحرم الجسم الأحماض الأمينية الأساسية، ويدمّر ميكروبيوم الأمعاء بحرمانه الألياف، ويُعرّض الكلى للإجهاد المزمن، ويفتح الباب أمام الأنيميا وضعف المناعة وسرطان القولون على المدى البعيد؛ لكن العوضي غلف هذا كله بهالة دينية وخطاب معادٍ لشركات الأدوية الشريرة، فتحول النقاش من الطب إلى الإيمان، ومن يعترض على الإيمان يصبح عدوّاً.

لم يقدّم العوضي نفسه طبيباً بالمعنى التقليدي، قدّم نفسه مُخلِصاً، وهذا فرقٌ جوهري، والثمن دفعه أناسٌ حقيقيون، شابٌ مصاب بالسكري أوقف الأنسولين ففارق الحياة. صيدلانية أصيبت بالذئبة الحمراء تركت بروتوكولها العلاجي اتّباعاً للنظام ورحلت عن الحياة. ليست أرقاماً في تقرير، بل أسماء وعائلات وأحلام قُطعت بسبب وهمٍ مُقنَّع بالدين والعلم معاً.

يتحمّل المواطن نسبة كبيرة من إنفاقه الصحي من جيبه الخاص، في ظل التحدّيات التي تواجه قطاع الصحة، والضغوط الاقتصادية على المواطن

اتذكر منذ سنوات، كان يقف أمام عيادة رجل يدّعي علاج كل الأمراض بالأحجار والطاقة طابورٌ لا ينتهي. وحينها خرج الأطباء ليقولوا إنه نصّاب، وحين نشرت الصحف تحقيقاتٍ تفضحه، لم يتحرّك الطابور. بل ربما ازداد طولاً. بعد عدة سنوات ظهر طبيب آخر يزعم إمكانية علاج الأمراض المستعصية من طريق الماء المغلي. لم يكن الناس جهلاء بالضرورة، لكنهم كانوا يريدون أن يصدقوا، وهذه الرغبة نقطة البداية الحقيقية لفهم ظاهرة ضياء العوضي وأمثاله، لا قبلها ولا بعدها.

لا يُختزل الأمر في الجهل، فبين من صدّقوا العوضي مهندسون وصيادلة وأكاديميون ومثقفون في ظاهرة عجيبة، تتشابه مع من صدّقوا جهاز اللواء عبد العاطي عام 2014، والادّعاءات غير العلمية لعلاج الفيروسات والسرطان بجهاز واحد، وكان وقتها هناك مسؤولون في وزارة الصحة وإعلاميون يتبنّون نظرية المؤامرة الدولية ضد ذلك الاختراع المزعوم.

قد يكون المنهج العلمي بطبيعته غير مريح لبعضهم، فالوصول إلى دواء يحتاج تجارب معملية وسريرية وضوابط، ولكل علاج آثار جانبية ومراجعة دورية، والنتائج قد تتغيّر مع أبحاث جديدة، ولا يوجد علاج نهائي، بل إدارة للتعايش مع مرض مزمن. أما الدجّال، فيقول إن هذا هو العلاج الأزلي السرّي الذي اكتشفه من وصفات الأجداد أو الأنبياء، وتخفيه عنك شركات الأدوية.

وحين يقول المريض إنه جرّب هذه الوصفة الشعبية أو هذا النظام الغذائي الجديد ووجد تحسّناً، لا يكذب بالضرورة، لكنه لا يأخذ في الحسبان أن العلم أثبت أن التغيير في الروتين الغذائي مفيد بشكل عام، أو أن وهم التحسّن في حدّ ذاته يخفّف الألم مؤقتاً. هذا ما تعالجه الدراسات المضبوطة والنماذج السريرية، وهو بالضبط ما لا يريد الدجّال أن تعرفه، فالتجارب والأبحاث الطبية أثبتت أيضاً أن الغذاء المنضبط وتقليل السكريات والبروتين الحيواني يفيد الصحة ويساعد على الشفاء من أمراض عديدة. ولكن من الإجرام أن يطالب أحد من مريض أن يتوقف عن دواء السكر أو الضغط أو الكوليسترول.

العقل النقدي الحقيقي لا يرفض كل شيء رسمي لأنه رسمي، ولا يصدّق أي كلام مغلف بصبغة دينية لمجرّد أنه مصبوغ بصبغة دينية

في مصر، يتحمّل المواطن نسبة كبيرة من إنفاقه الصحي من جيبه الخاص، في ظل التحدّيات التي تواجه قطاع الصحة، والضغوط الاقتصادية على المواطن، حيث تصبح زيارة المستشفيات الحكومية معاناة، وزيارة الطبيب في العيادة الخاصة ترفاً، بالإضافة إلى تضاعف أسعار الدواء في سنوات قليلة، ففي هذه الحالة يزيد الإقبال على الوصفات الشعبية والعشبية أو كل من يبيع الوهم للناس، ويقنعهم بامكانية العلاج بنظام غذائي مغلف بصبغة دينية.

ومن الصعب لوم بعضٍ من الجمهور على تشكّكه في النصائح الطبية الرسمية. ولا يمكن إغفال الثقة المكسورة في الإعلام الموالي، فهناك من دافع باستماتة عن ادّعاءات غير علمية ظهرت عام 2014 لعلاج الفيروسات، كذلك هناك نفور واسع تجاه إعلاميين محسوبين على الموالاة نتيجة الخبرات المتراكمة ودفاعهم المستميت عن الأخطاء والإخفاقات، فإذا قالوا: يمين، فقد يتجه بعض الناس إلى اليسار، وإذا نصحوا الناس باتباع العلم وليس الخرافات، فقد لا يصدقهم الناس مهما كان كلامهم صحيحاً تلك المرة.

المشكلة أن هذا التشكّك حين يتحول إلى قاعدة مطلقة لا استثناء فيها يصبح الخطر كبيراً على صحة الناس. والمواجهة الحقيقية لهذه الظاهرة ليست في سجن الدجّال أو شطب اسم الطبيب المخبول من نقابة الاطباء، وإن كان هذا ضرورياً، لكن المواجهة الحقيقية في بناء الإنسان، وألا يكون هناك استسهال في استخدام نظريات المؤامرة لتفسير كل شيء، فالعقل النقدي الحقيقي لا يرفض كل شيء رسمي لأنه رسمي، ولا يصدّق أي كلام مغلف بصبغة دينية لمجرّد أنه مصبوغ بصبغة دينية، أو وطنية مبالغة مصطنعة وشوفينية وخطاب شعبوي. … يبدأ الحل من التعليم والسماح بإعمال العقل، واحترام العلم وفتح المساحات للنقاش الحر والتفكير والعقل النقدي.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى