
من فضائح العصر أنّ الموازنة السنوية لمنظمة الأمم المتحدة تبلغ 3,2 مليارات دولار، وهي لم تتخطَّ يوماً المليارات الخمسة سنوياً، حتى قبل أن يشنّ دونالد ترامب حملاته عليها بغرض جعلها أداة للسياسة الخارجية الأميركية، أو صدى لأيديولوجيا زمنه الرجعي في الجندر والحقوق والمساواة والحريات والنظرة إلى الكون والبيئة والتغير المناخي واللقاحات والحريات الفردية. عشرات الوكالات المتخصّصة في محاولات إنهاء الحروب وبناء السلام والديمقراطية وعمليات الإغاثة والتنمية والطبابة والتعليم والثقافة والدفاع عن الحريات وعن المناخ والحقوق والمساواة والبيئة بـ3,2 مليارات، بينما شركة مثل غوغل يبلغ رقم أعمالها، أو لنقل موازنتها، 182 مليار دولار سنوياً.
مناسبة الحديث اقتراب موعد الاتفاق على خليفة لأنطونيو غوتيريس في يوليو/ تموز المقبل، ونشر مقال يصعب اختصار وضع المنظمة بأفضل منه كتبته آن سيسيل روبير في عدد مايو/ أيار الحالي من مجلة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية. ويمكن إضافة خلفية ثالثة للكتابة عن الأمم المتحدة، وهي بدء تسرّب حذلقات على وسائل التواصل الاجتماعي من بلدان عالمثالثية هي أشدّ ما تكون حاجةً إلى تلك المنظمة ووكالاتها المتخصّصة، تستهزئ بها وباستحقاق تسمية خليف/ خليفة لغوتيريس، بين سيدتَين؛ التشيلية ميشيل باشليه والكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، أو رجلين؛ السنغالي ماكي سال والأرجنتيني رافاييل غروسي، مع مزاج عام ضاغط ليكون للأمم المتحدة أمينة عامة للمرة الأولى منذ تأسيسها عام 1945 بعد تسعة رجال. والأمم المتحدة، بما هي حلم وُلد من رحم الحلم الأكبر الذي جسدته نهاية الحرب العالمية الثانية وموت (أو هكذا خُيّل إلينا) الفاشيات، حاجة ملحة للبلدان الضعيفة والفقيرة قبل أن تكون لغيرهم. وربما لا تكون حملة ترامب ضدها إلّا دليلاً على كم أن هذه المنظمة ضرورية للضعفاء في هذا العالم، في مختلف أشكال الضعف، سياسياً وعسكرياً وجنسياً واجتماعياً وطبقياً واقتصادياً وعرقياً ودينياً. والأمم المتحدة تلك، على أمراضها ومشاكلها ومصيبة الفيتو في مجلس أمنها وبيروقراطيتها المفرطة وبعض الفساد الذي يظهر أحياناً في بعض وكالاتها وترهل يشوب أشكالاً من نشاطاتها، إنما تبقى حاجة ماسة لحلم بكوكب أفضل، يمكن فيه حل الأزمات بطرق سلمية وبالتفاوض، ويمكن فيه مواجهة الأخطار العالمية جماعياً، أكانت أوبئة أم أيديولوجيات مريضة أم كوارث طبيعية وتغيراً مناخياً يقول دونالد ترامب إنه خرافة تسكن عقولنا. لهذه الأسباب وغيرها، ترى ترامب يركب أعلى خيله لإهانة المنظمة، كأن يرسل زوجته ميلانيا في 2 مارس/ آذار الماضي لترأس جلسة مجلس الأمن بشأن “الأطفال خلال الحروب”، بعد أقل من يومين من مجزرة مدرسة “الشجرة الطيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، وفيها قتلت الطائرات الأميركية أكثر من 500 شخص غالبيتهم من فتيات المدرسة. ليس من عدمٍ يجاهر ترامب بنيته استبدال المنظمة يوماً بمجلسه للسلام المفتوحة عضويته مقابل مليار دولار، ولا من فراغ تنسحب أميركا في عهده من أهم وكالات الأمم المتحدة؛ اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان، من دون الحاجة لذكر “أونروا”. ولا لأسباب مالية ترفض إدارته دفع ديونها المستحقة للمنظمة (أربعة مليارات دولار). لا مصادفة في إيصال ترامب الأمم المتحدة إلى مرحلة “جوع” يختصرها موظف من المنظمة بقوله لـ آن سيسيل روبير في “لوموند ديبلوماتيك” إنهم يضطرون إلى تقليص أوقات اجتماعاتهم من أجل التوفير في فواتير الكهرباء، أو أن يضطر أنطونيو غوتيريس إلى العمل لنقل مقرّات وكالات أممية إلى بلدان كلفتها أدنى من نيويورك، وقد شطب 2500 وظيفة تنفيذاً لخفض بنسبة 7% للعام الحالي.
أسوأ أمم متحدة تبقى أفضل بما لا يقارن مع عدم وجودها، فكيف لو أنّ هذه الأمم المتحدة التي نعرفها ليست سيئة، ولها يعود الفضل في إنقاذ حيوات عشرات أو مئات ملايين البشر وجعل حياتهم أفضل؛ لأنها كانت خيمتهم الأخيرة مثلما كانت بيروت خيمة محمود درويش الأخيرة.
المصدر: العربي الجديد






