
الأحزاب السياسية المعارضة، والسلطوية العربية تبدو وكأنها في حالة من العطالة السياسية، ولم تعد لديها ما تقدمه سوى نشر البيانات السياسية بين الحين والأخر على الفضاء الافتراضي، أو بعض من التظاهرات المسموح بها امنياً في تونس، والمغرب، وبعض الوقفات الاحتجاجية الرمزية في بعض المدن كبيروت وغيرها ، في مشاهد تدفع بين الحين والآخر الي التساؤل عن سر هذا التراجع المستمر للأحزاب في المجال العام؟ ولامبالاة بعض الأجيال الشابة بها ، ولا افكارها السياسية ؟! المشكلات ليست جديدة ، وبعضها السلطوية والمعارضات السياسية العربية – أيا كانت أيديولوجياتها الأرثوذكسية وسراطاتها المستقيمة – قديمة ومتراكمة تاريخيا ، وبعضها جديدة ! ترجع في بعض هذه الأحزاب شبه الليبرالية ، والجماعات الإسلامية الأصولية السياسية الي مرحلة الاحتلال الاستعماري الأوروبي ، وامتد بعضها الي مابعد الاستقلال ، وتجلت آنذاك ذات سمت بنيوي في أنسجة خطاباتها المؤدلجة ، ذات النزعة الشعاراتية ، وفي بناءها التنظيمي الداخلي -باستثناء تنظيم الاخوان المسلمين وبعض الأحزاب الشيوعية ، واستراتيجيات التجنيد داخلها ، وضوابطه الصارمة – ، وتجلت الأزمة الاتصالية للأحزاب مع الفئات الاجتماعية الشعبية العريضة ، حيث سيطرت آنذاك اللغة السياسية والدينية الخشبية ، التي تستخدمها بعض الأحزاب شبه الليبرالية في خطاباتها العامة السائلة . باستثناء مطالبها بالاستقلال ، او نقد الإسلاميين للتغريب في عمومياته وشعاراته . وغياب دراسات للواقع الموضوعي والتحولات الاجتماعية والثقافية قبل وبعد الاستقلال . بعض الأحزاب السياسية شبه الليبرالية تمددت نسبيا اثناء الاحتلال مثل حزب الوفد المصري نظرا الي تنامي الشعور الوطني وفوائضه الجمعية ،وتشكل القومية المصرية ، والمطالب الجماعية بالاستقلال ، والمطالبة بالحكم الدستوري والقيم السياسية الليبرالية ، وبعضها اكتسب حضوره من الشعور الجمعي الجارف ضد الاستعمار ، دونما تركيز علي البني الأيديولوجية والتنظيمية ، ودوران قواعد هذه الأحزاب حول قائدها او بعض قياداتها ! كان مفهوم الاستقلال الوطني والسيادة هو الطاغي في لغة الخطاب الحزبي شبه الليبرالي ، بينما مفهوم الحرية عام وغائم ، ولم تكن مسألة العدالة الاجتماعية حاضرة إلا علي نحو ثانوي ، ولدي بعض النخبة كما ظهرت في حوارات جمعية الغد في مصر ، ومن بعض النواب في البرلمان واولهم محمد خطاب عضو مجلس الشيوخ ، وثانيهم إبراهيم شكري عضو مجلس النواب ، وثالثهم د احمد حسين وزير الشئون الاجتماعية في وزارة الوفد الأخيرة ، ومثقفين مثل ميريت غالي ، ومحمد ذكي عبد القادر وآخرين ، ولم تجد صدي واسعاً .
كان الفكر شبه الليبرالي مطروحا في عمومياته السائلة ، وغير متواشج ومتداخل مع اصوله الفلسفية وتطوراتها في ظل التطورات في بنية الرأسمالية الغربية ، وانظمتها السياسية . كان الاستثناء المصري علي سبيل المثال متمثلا في بعض الجماعة القانونية -؟من القضاة وأساتذة القانون وبعض المحامين – ، وذلك لأن الجماعة القانونية كانت تتلقي دراساتها في مدرسة الحقوق الفرنسية ثم كلية الحقوق ، وحركة البعثات الي فرنسا . تراجعت أدوار هذه الأحزاب شبه الليبرالية بعد الاستقلال لعديد الأسباب البنيوية ، لأن ثمة جذور لهذه الأزمات . من ثم يمكن لنا إبداء بعض الملاحظات علي الأحزاب شبه الليبرالية فيما يلي:
أولا: الأحزاب شبه الليبرالية بين أزمة الفكر والميوعة الاجتماعية في تركيبة قواعدها الاجتماعية
الأحزاب السياسية المعارضة منذ الاستقلال واجهت ولا تزال مشكلات معقدة، بعضها هيكلي في بناءها التنظيمي وعلاقاتها الهيراركية، وأخرى مرتبطة بطبيعة النظم السلطوية الشعبوية، ومحاصرة ومطاردة المعارضات أمنيا، وقانونيا في ظل ظاهرة موت السياسة عربيا، وأزمات نظم الشرعية السياسية، ونفي التعددية السياسية، والإيديولوجية لصالح الأحزاب السلطوية الواحدية، ذات الأدوار التعبوية، وتأميم الصراعات الاجتماعية لصالح مفهوم تحالف القوى والطبقات الاجتماعية –المستمد من التقاليد السالزارية في البرتغال ، والبيرونية في الأرجنتين – ، وتنظير ماو تسي تونج -عن تحالف القوى الثورية المعادية للاستعمار-، وهو ما أدى إلى هيمنة أنظمة رأسمالية الدولة الوطنية، تحت مظلة الاستقلال الوطني، والسيادة والطريق اللارأسمالي للتنمية.
لا شك أن إيديولوجيات الأمم الأخذة في النمو التعبوية، استطاعت عبر سياسة التعبئة الاجتماعية أن تحشد الطبقات الاجتماعية العمالية والفلاحية والوسطى الصغيرة ، والوسطى – الوسطى، من خلال سياسات التعليم، والعمل، والصحة والتأمينات الاجتماعية، وهو ما أثر على أحزاب المعارضة المحجوبة عن الشرعية ، وذلك لمايلي :
١- بعض الأحزاب السياسية المعارضة نشأت قبل الاستقلال مثل حزب الوفد، وبعض الأحزاب الشيوعية التي حجبت عنها الشرعية السياسية والقانونية بعد نظام يوليو في مصر وطوردت كوادرها امنيا ، على الرغم من أن بعض قادة تنظيم الضباط الأحرار، كانوا ضمن تنظيم “حدتو ” مثل جمال عبد الناصر، وخالد محيي الدين. الأحزاب الليبرالية، ومنها حزب الوفد تم حظره مع الأحزاب الأخرى، وعاد بعد التعددية السياسية الشكلية والمقيدة في عهدي السادات، ومبارك.
٢- الأحزاب الليبرالية، كانت أسيرة تجربة، وميراث المرحلة شبه الليبرالية، التي تعتبرها مرحلة “ذهبية” في تطور مصر سياسيا، وثقافيا ، وأحد أكبر مشكلاتها البنيوية، إنها لم تستطع أن تجدد فكرها السياسي، وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، وتحدد معالم القوى الاجتماعية التي تمثلها وتعبر عن مصالحها في الحياة السياسية في ظل التعددية المقيدة، لأنها تسعى إلى التعبير والتمثيل لمصطلح “الشعب” الغامض اجتماعيا، واستمرارية مفهوم القوى الاجتماعية المتعددة داخل حزب الوفد قبل 1952، تحت شعار الاستقلال والدستور مثلها في ذلك مثل أحزاب السلطة من الاتحاد القومي، والاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب الوسط، ثم الحزب الوطني الديمقراطي في عهدي السادات ومبارك. من هنا كان التنظيم الحزبي يتسم بالهشاشة التنظيمية، وسيطرة بعض رموز العائلات شبه الاقطاعية من باشوات وباكوات ما قبل نظام يوليو 1952، وبعض رجال الأعمال الجدد الصاعدين من قلب نظام يوليو ، وبعض اختلالاته وفساداته مع الانفتاح .
٣- الميوعة في التركيبة الاجتماعية التي سعى الوفد، وغيره من الأحزاب الليبرالية، أفقدت هذه الأحزاب التمايز الفكري والسياسي، والقاعدي/ الاجتماعي، عن أحزاب السلطة الحاكمة، والأخطر عدم تجديدها فكريا، ومتابعة التطورات الفلسفية والسياسية، وفي الفكر الاجتماعي لليبرالية الغربية، وأيضا الرأسمالية وتحولاتها إلى النيوليبرالية عالميًا، وهو ما كانت ولا تزال تأخذ به الأنظمة السياسية السلطوية والشعبوية.
على الصعد التنظيمية، كانت مشكلة إدارة الخلاف السياسي، تواجه هذه الأحزاب، التي اعتمدت على اتخاذ القرارات من أعلى لإسفل بناءها التنظيمي، ومن ثم فقدان التقاليد الديمقراطية داخل البناء الحزبي، بقطع النظر عن الانتخابات، وترتيباتها وتحالفاتها الخلفية.
٤- الفكر السياسي الليبرالي المصري، والعربي تأثر سلبًا في عالم هيمنة الإيديولوجيات الكبرى أثناء الحرب الباردة، لأنه كان محظورًا كأحزاب، ومحاصرًا كفكر سياسي، وجزء من نفي السلطة السياسية للمرحلة شبه الليبرالية، والهجوم عليها، ونقدها اللاموضوعي، وتشويهها في مناهج التعليم، وفي جهاز الدولة الإيديولوجي، وهيمنة إيديولوجيا الاشتراكية العربية، والتحرر الوطني ، ونقد الأنظمة الرأسمالية الغربية. من هنا لم يتجدد الفكر الليبرالي مصريا، وعربيا مع التحولات الكبرى الفلسفية. والسياسية الغربية، وفي النظم السياسية أثناء الحرب الباردة وما بعدها. ولوحظ ان حركة الترجمة في المؤسسات الثقافية الرسمية ، كانت الترجمات في غالبها تميل الي ايديولوجيات الاشتراكية وبعض الماركسية ، وقلة حول الفلسفات داخل الليبرالية ، والاهم ان بعض التراجع في مستويات التكوين المعرفي والفلسفي لدعاة الليبرالية الغربية علي عكس ماكان سائدا في المرحلة شبه الليبرالية وعقد الخمسينيات في ظل نظام يوليو ، وتراجع أدوار الجماعة القانونية في ظل نظام يوليو باستثناء بعض الموالين للسلطة .
٥- في أعقاب تحول بعض الأنظمة السياسية العربية إلى سياسات الباب المفتوح اقتصاديا، والمغلق سياسيا، سيطر الفكر المالي في التحليل الاقتصادي من بعض النتكنقراط، وأساتذة المالية العامة والاقتصاد في الفكر الاقتصادي، والسياسي السائد، ولا يزال، دونما تكامل، وارتباط بين الفكر الاقتصادي والسياسي والفلسفي للرأسمالية الليبرالية، والنيوليبرالية الغربية، بل وغيرها من التجارب الآسيوية، التي حققت نجاحات في عديد المجالات الاقتصادية، والعلمية، والتكنولوجية.
٦- الفكر المالي في النظر إلى الرأسمالية النيوليبرالية، يبدو في غالبه معزولاً عن التطورات الفلسفية، والسياسية، والاجتماعية لليبرالية، وعالم الشركات النيوليبرالية الرقمية، وغيرها في مجال الإنتاج والخدمات، من هنا بات غالب الفكر المالي المحدود، منصاعاً لسياسات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ونظائرهما ، في تشخيص المشكلات الاقتصادية، وأساليب وسياسات التعامل معها، ومن ثم تسيطر حالة من فشل العقلية المالية المدرسية، في تحليلها للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية في دول العسر الاقتصادي والاجتماعي العربية، وخاصة أن السلطات الحاكمة الأوليجاركية، وظفت كوزراء ولا تزال بعض حاملي العقل المالي المدرسي من الجامعات، وبعض موظفي المنظمات الدولية، لإدارة الأزمات الاقتصادية، وأدت إلى تفاقم معدلات الديون الخارجية على نحو غير مسبوق، وباتت تشكل قيدا على إمكانات تطورها، ناهيك عن بعض هؤلاء الموظفين الدوليين فشلوا في أعقاب الربيع العربي، في السودان، وتونس، وأيضا في أثناء الحروب الأهلية المستمرة، وما بعدها كما في المثال السوري، وفي العراق ما بعد صدام حسين وتمدد الفساد السياسي علي نحو فاق كل التوقعات وفق التقارير الغربية .
7- لا شك أن النظرات المالية الفنية في ظل أنظمة نيوليبرالية تابعة، كرست فكريا التحول من التصنيع، والإنتاج، إلى الاستيراد من العالم الخارجي، والاستدانة، وأيضا حفزت تحول الاستثمارات إلى مجال الاستهلاك ثم إلى أسواق العقارات والمطورين العقاريين، وبعض الصناعات الاستهلاكية في عديد من دول العسر وبعض من دول اليسر النفطية .
من هنا تتجلى أزمة العقل المالي في إطار الأنظمة النيوليبرالية التابعة، لاسيما في دول العسر، وأيضا في دول الريع النفطي!
من لم يتطور الفكر السياسي، والاقتصادي النيوليبرالي مصريا، وعربيا، والاستثناءات محدودة في وسط المفكرين العرب البارزين: والأهم الانفصال بين الفكر المالي المدرسي، وبين الفكر السياسي والفلسفي في الأنظمة السياسية النيوليبرالية الغربية، ومن ثم بات موصوما ببعض من الجمود والتقليد، سواء في أطروحاته النقلية التراثية، أو في أساليب عمله، وأيضا لإغلاق المجال العام السياسي، والقيود القانونية والأمنية والاستخباراتية – سوريا الأسدين ، وسودان عمر البشير علي سبيل المثال – على عمل هذه الأحزاب بما فيها أحزاب السلطات الحاكمة وايضاً الداعمة لها ، ومحاصرة الأحزاب الرسمية في مقارها، والأهم شيوع ظاهرة الأنامالية السياسية لدى الأجيال الجديدة، ورحيلها إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن آراءها كجزء من الجموع الرقمية الفقيرة. وهو ما اثر سلبا علي جاذبية مفهوم الحزب السياسي وصورته في وعي وإدراك أجيال Z, Y ، والمرجح لدي جيل آلفا ، ومابعد في ظل ثورة الاستهلاك المكثف والمفرط ، وتأثيراته علي المشاركة السياسية ، وانعكاسات الذكاء التوليدي وتطوراته علي السياسة والنظم النيوليبرالية والأحزاب ، وأنماط القيادات السياسية في عالم من السيولة والميوعة ، وبعض الاضطراب والتحول فائق السرعة .
( للحديث بقية عن الأحزاب الأخرى ) .
المصدر: الأهرام


