
تعدّ العلاقة بين القوّة والغطرسة من أقدم الإشكالات في الفكرَين السياسي والتاريخي، لأنّ القوة حين تتراكم من دون ضوابط أخلاقية أو مؤسّسية أو استراتيجية تميل تدريجياً إلى إنتاج شعور بالتفوّق والاستثناء. وهذا الشعور لا يبقى مجرّد حالة نفسية، بل يتحوّل إلى نمط إدراك سياسي يرى من خلاله الفاعل القوي نفسه فوق القيود والقوانين وحدود التاريخ. فالدولة التي تمتلك فائضاً من القوة تميل إلى الاعتقاد بأنّ إرادتها قادرة على إعادة تشكيل الواقع كما تشاء، وأنّ تفوّقها العسكري أو الاقتصادي أو التكنولوجي يمنحها حصانةً دائمةً ضدّ الفشل أو التراجع. ولهذا ارتبطت الغطرسة تاريخياً بلحظة يتحوّل فيها الشعور بالقوة من أداة لتحقيق الأهداف إلى وهم بالقدرة المطلقة. ومن هنا جاءت الفكرة الكلاسيكية في التاريخ السياسي: إنّ القوى الكُبرى غالباً لا تسقط بسبب ضعفها المباشر، بل بسبب الطريقة التي تغيّر بها القوة إدراكها لنفسها وللعالم من حولها.
ربط نيتشه القوّة بإرادة التفوّق وتجاوز الحدود، لكنّه أشار ضمناً إلى أنّ القوّة قد تتحوّل إلى رغبة مَرضية في الهيمنة ونفي الآخر
في الفكر اليوناني القديم، جرى تناول هذه الإشكالية من خلال فكرة أنّ الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحمّلون ما يُفرض عليهم. هنا تتحوّل القوة إلى معيار للحقيقة والشرعية معاً، ويصبح امتلاك القدرة العسكرية كافياً لتبرير الفعل السياسي. غير أنّ الفكر اليوناني حذّر من هذا المنطق، إذ رأى أنّ الدول حين تعتقد أنّ القوّة وحدها تكفي تبدأ بفقدان قدرتها على التقدير العقلاني للمخاطر والحدود. ولهذا ارتبط مفهوم الغطرسة بفكرة أنّ فائض القوّة يُولّد عمىً سياسياً وأخلاقياً يفضي في النهاية إلى الانهيار أو العقاب التاريخي. فالغطرسة لم تكن مجرّد تكبّر، بل لحظة فقدان التوازن بين القدرة وحدودها. الرومان واجهوا المعضلة نفسها حين دفعهم شعورهم بالتفوق الحضاري والسياسي إلى توسيع حدودهم بصورة تجاوزت قدرتهم على الإدارة والضبط، فتحوّلت القوّة نفسها إلى عبء استراتيجي يستنزف الإمبراطورية من الداخل.
وفي الفكر الحديث، استمرّت هذه العلاقة بأشكال مختلفة. فقد ربط نيتشه القوّة بإرادة التفوّق وتجاوز الحدود، لكنّه أشار ضمناً إلى أنّ القوّة قد تتحوّل إلى رغبة مَرضية في الهيمنة ونفي الآخر. أمّا حنة أرندت فميّزت بين القوّة والعنف، معتبرةً أنّ القوّة الحقيقية تنبع من الشرعية والقدرة على إنتاج قبول جماعي، بينما يدلّ الإفراط في العنف، غالباً، على أزمة في هذه القوّة نفسها. فالدولة التي تحتاج باستمرار إلى مستويات أعلى من العنف للحفاظ على الردع أو السيطرة قد تكون في الواقع تعاني تآكل شرعيتها. وأعاد بول كينيدي صياغة الفكرة من خلال مفهوم التمدّد الإمبراطوري المُفرط، أي اللحظة التي تصبح فيها القوة أكبر من قدرة الدولة على التحكّم بنتائج استخدامها، فتتحوّل من مصدر استقرار إلى مصدر إنهاك طويل المدى.
وفي العلاقات الدولية الحديثة، حذّر الواقعيون الكلاسيكيون من غطرسة القوّة لدى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. حتى كيسنجر، رغم تبنّيه منطق القوّة، رأى أنّ الخطر الأكبر على القوى العظمى ليس الضعف، بل الاعتقاد بأنّها قادرة على هندسة العالم بالكامل وفق إرادتها. ومن هنا جاءت إخفاقات كُبرى مثل الحروب في فيتنام والعراق وأفغانستان؛ ففي هذه الحالات كلّها امتلكت الولايات المتحدة تفوّقاً عسكرياً هائلاً، لكنّها فشلت في تحويله إلى نتائج سياسية مستقرّة. لم يكن السبب نقص القوّة، بل فائض الثقة بها، لأنّ القوة العسكرية تستطيع تدمير الخصم، لكنّها لا تستطيع دائماً إنتاج شرعية سياسية أو فرض قبول تاريخي طويل الأمد.
هذه الخلفية ضرورية لفهم إسرائيل اليوم، ليس فقط بوصفها قوّةً عسكريةً وتكنولوجيةً متفوّقةً، بل أيضاً حالةً تمتزج فيها القوّة المادّية ببعدين، أيديولوجي وديني متصاعد يمنحها شعوراً إضافياً بالاستثناءين، التاريخي والأخلاقي. فإسرائيل لا تستند فقط إلى تفوّق عسكري ودعم غربي واسع، بل إنّ جزءاً متزايداً من خطابها السياسي، خصوصاً داخل اليمينين، الديني والقومي، بات ينظر إلى الدولة باعتبارها كياناً ذا مهمّة تاريخية أو دينية خاصّة، لا مجرّد دولة قومية عادية. وهنا تصبح الغطرسة أكثر خطورةً، لأنّها لا تستند إلى فائض القوّة فقط، بل إلى قناعة أيديولوجية ترى أنّ هذه القوّة تحمل نوعاً من الحقّ التاريخي الذي يعلو فوق القيود السياسية والأخلاقية المعتادة. ويتجلّى هذا في تصاعد نفوذ التيّارات الدينية القومية التي لا تنظر إلى الأرض قضيةً سياسيةً قابلةً للتفاوض، بل جزءاً من وعد ديني وتاريخي غير قابل للتنازل. وفي هذه الحالة، تتحوّل القوّة العسكرية من أداة لحماية الدولة إلى وسيلة لتحقيق تصورّ عقائدي عن التاريخ والسيادة، ما يجعل التسوية السياسية أكثر صعوبةً، لأنّ الصراع لا يفهم فقط نزاعاً على الحدود أو الأمن، بل صراعاً وجودياً ذا بعد ديني وخلاصي.
لكنّ غزّة وإيران كشفتا حدود هذا التصوّر بصورة عميقة. فإسرائيل استطاعت إحداث دمار هائل وغير مسبوق في المكانَين، لكنّها لم تستطع تحويل القوّة العسكرية إلى حسم سياسي نهائي أو استقرار استراتيجي طويل المدى. بل ظهرت مفارقة أساسية: كلّما ازدادت القدرة التدميرية ازداد ميل الفلسطينيين والإيرانيين إلى المقاومة والثبات، وتزداد كذلك أزمة الشرعية الدولية والأخلاقية والسياسية. ففي عصر الصورة والاتصال العالمييَّين، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافيةً لإنتاج الهيمنة المستقرّة، لأنّ الشرعية والسردية والرأي العام العالمي أصبحت جزءاً من ميزان القوّة نفسه. ولذلك قد تنجح الدولة عسكرياً بالبطش والقتل، وتخسر في الوقت نفسه جزءاً متزايداً من شرعيتها الرمزية والأخلاقية.
وفي حالة إسرائيل، تبدو هذه الإشكالية واضحةً في التوسّع الاستيطاني والتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها بديلاً دائماً من الحلول السياسية. فكلّ نجاح عسكري قد يعزّز القناعة بأنّ مزيداً من القوّة كفيل بحلّ المعضلات التاريخية، بينما قد يؤدّي، في الواقع، إلى تعميق العزلة الدولية وتوسيع دائرة الرفض والمقاومة. وهنا تظهر مفارقة أساسية: القوة التي تمنح شعوراً بالأمان والسيطرة قد تتحوّل مع الزمن إلى عامل ينتج هشاشةً استراتيجيةً أعمقَ، خصوصاً إذا اقترنت بغطرسة أيديولوجية تجعل الدولة أقلّ قدرةً على مراجعة ذاتها أو إدراك حدود القوّة في عالم يتغيّر بسرعة على المستويات الأخلاقية والسياسية والرمزية.
يتحوّل فائض القوة إلى شكل من الضعف الاستراتيجي، لأنّ الدولة تصبح أسيرةً لمنطق القوّة نفسه
تكمن خطورة الغطرسة في أنّها تدفع الدول، مهما بلغت قوّتها، إلى الوقوع في سوء تقدير تاريخي أصاب قوى كثيرة قبلها، وإسرائيل ليست استثناء. فحين تعتقد أنّ تفوّقها العسكري يمنحها حصانةً دائمةً، تبدأ بإهمال التحوّلات الأعمق: الديموغرافية، والأخلاقية، والرمزية، والتحوّلات المتزايدة في الرأي العام العالمي، خصوصاً في الجنوب العالمي وبين الأجيال الشابّة في الغرب. ومع الوقت، قد تصبح القوّة نفسها مولّدة لعزلة متصاعدة، لأنّ الإفراط في استخدامها لا يؤدّي فقط إلى تدمير الخصم، بل يعيد أيضاً تشكيل صورة الدولة ذاتها في النظام الدولي، محوّلاً إياها تدريجياً من نموذج للقوّة إلى رمز لتآكل الشرعية. وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل معضلة كلاسيكية يُرجّح أن تتعمّق مع الزمن: فكلّما ازداد تفوّقها العسكري ازدادت حاجتها إلى استخدام القوّة للحفاظ على الردع والسيطرة، لكنّ الإفراط في استخدامها يعمّق تآكل الشرعية ويعيد إنتاج المقاومة باستمرار، فتدخل الدولة تدريجياً في دائرة مغلقة يصبح فيها العنف، خارجياً وداخلياً، أداةً دائمةً لإدارة المأزق لا لتجاوزه أو حلّه. وهكذا قد يتحوّل فائض القوة إلى شكل من الضعف الاستراتيجي، لأنّ الدولة تصبح أسيرةً لمنطق القوّة نفسه، وغير قادرة على تخيل أفق سياسي يتجاوز العنف المستمرّ. لذلك فإنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بقوّة إسرائيل، فهي تمتلك فائضاً هائلاً من القوّتين، العسكرية والتكنولوجية، بل بما إذا كانت تلك القوّة تفضي إلى استقرار مقبول ومستدام. لكن ما يكشفه العدوان الإسرائيلي على غزّة وإيران أنّ التفوّق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا ولن يكفي وحده لإنتاج الحسم أو الشرعية أو الاستقرار طويل الأمد، وأنّ الدولة التي تعتقد أنّ القوّة وحدها تعفيها من السياسة قد تكتشف متأخّرةً أنّ التاريخ لا يهزم فقط الضعفاء، بل أيضا القوى التي تعجز عن رؤية حدود قوّتها وحدود العنف نفسه.
المصدر: العربي الجديد


