
“قمر”، و”سبّابة”، و”إبهام”، و”مجموعة أصفار”. بعض ما تضمّنه، أخيراً، خطاب للرئيس التونسي قيس سعيّد، في مشهد يبدو كأنّه مُقتطَع من أمسية شعرية، وفي الحقيقة هو جزء من خطاب دولة يفترض أن يعالج أزمةً معيشيّةً خانقةً. هنا، لا يخاطب الرئيس شعباً يبحث عن خبزه وكرامته، بل ينقل تونس إلى مسرح سوريالي، حيث الواقع يرتفع عن الأرض ليحلّ محلّه عالم موازٍ من الإشارات والرموز والألغاز. في هذا العالم، لا مكان للغة الأرقام والنِسب التي تكشف فداحة الفشل في إدارة الشأنَين الاقتصادي والاجتماعي، بل تسود لغة الشيفرات. لقد ظلّ حديث الرئيس عن “معركة البناء والتشييد” مجرّد كلام مرسل، وخطاب شعبوي أجوف، يقدّم وعوداً ضخمةً، لكنّه يُخفي وراءه “حصيلةً صفرية بلا إنجازات”، وتراجعاً متواصلاً للمؤشّرات كلّها. وحده الرئيس من يزعم أنّه يفهم هذه الشيفرات، لأنّه هو من اخترعها ليصنع نظاماً مغلقاً يمتلك مفاتيحه وحده.
خرج سعيّد على التونسيين ببيان لا يشبه خطاب دولة، بل أقرب إلى أحجية أفلاطونية مغلقة، حين قال: “إنّنا نشير إلى القمر ليلة التمام وهو السيادة التونسية… ولا تعنينا السبّابة التي تشير إليه… ولا تعنينا السبّابة ولا الإبهام، لأنّهما حين يتلامسان يشيران إلى الصفر أو إلى مجموعة من الأصفار للإيهام بالعناق أو على العكس بالفراق”. في هذا المقطع المكثَّف، لا يكشف الرئيس موقفاً سياسياً بقدر ما يكشف عقلية حكم بأكملها، عقلية تستبدل بالواقع المعاش عالماً موازياً من الرموز، وتستبدل بالأزمة الاقتصادية الخانقة مسرحاً دائماً لنظريات المؤامرة.
إنّها الشعبوية في أوضح تجلّياتها، وهي التفسير الوحيد لخطابات الرئيس التونسي وسياساته. وفي غيابٍ شبه تامٍّ لكتابات عربية تتناول الظاهرة الشعبوية بالتحليل والتفكيك، يظلّ كتاب عزمي بشارة “في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2019) مرجعاً يقدّم إطاراً نظرياً لفهم ما يجري. ويعرّف بشارة الشعبوية بأنّها “نمط من الخطاب السياسي، يتداخل فيه المستويان الخطابي والسلوكي بشكل وثيق”، ويقوم على تقديم حامله نفسَه بوصفه “الممثّل الحقيقي للشعب، باعتبار ما عداهم ممثّلين زائفين للشعب أو أعداء له”.
لم يعد الرئيس يخاطب شعباً منهكاً يبحث عن لقمة العيش، بل يخاطب ما يشبه طائفةً من الأتباع في معركة وجودية كونية
هذا التوصيف يكاد يكون مرآةً لما يمارسه الرئيس التونسي، ففي خطابه لا يوجد خصم سياسي يمكن الاختلاف معه، بل يوجد “ممثّلون زائفون” و”أعداء” لا يفهمون “الشعب”، ولا يريدون له الخير. إنّها استراتيجية حكم لا تقوم على تقديم حلول، بل على خلق عدوّ وهمي دائم وتقديس “شعب” متخيَّل، بينما تُسحق حقوق التونسيين الحقيقيين تحت رحى هذا الوهم الكبير. ويبدو أنّ جلّ المحلّلين رأوا هذا المسار بوضوح حين أكّدوا أنّ “الشعبوية عندنا لا جواب لها عن الأسئلة الحقيقية ولا تحلّ المشاكل الواقعية، بل تفاقمها، لأنّها تؤخّر، بل تلغي شروط الوعي بها، وتُحلّ الاحتراب الأهلي مقابل الإرادة الموحَّدة للجهود الوطنية”.
لم يمرّ هذا الانزلاق نحو التيه الرمزي من دون رصد من المتابعين للمشهد السياسي، وقد كان الصحافي التونسي زياد كريشان من أوائل من تنبّهوا إلى الخطر الشعبوي في خطاب الرئيس فور فوزه بالانتخابات عام 2019، حين خصّص لذلك مقالاً. منذ تلك اللحظة المبكّرة، حذّر كريشان من أنّ “الإشكال مع بعض التيّارات الشعبوية، في تونس كما في العالم، أنّها تريد تعويض عجزها عن الفعل بلعب ورقة “الشعب” ضدّ “المؤسسات” و”النُّخب” المتّهمة بكلّ الشرور والآثام”، ثم يأتي التحذير الأقسى والأعمق؛ وهو أنّ “أخطر ما في الشعار الجميل (الشعب يريد) هو مغالطة الشعب عن حسن نيّة، وإلغاء كلّ العراقيل التاريخية والثقافية والسياسية والعلمية إزاء انعتاقه وتقدّمه بكلمة سحرية تلغي فعل الإنسان في التاريخ”، إنّه تفريغ لكلمة “الشعب” من أيّ مضمون ملموس، وتحويلها إلى تعويذة تبرّر كلّ شيء ولا تنتج أيّ شيء.
لقد تحوّل هذا “الافتتان الشعبوي”، كما شخّصه زياد كريشان، إلى الحالة الأكثر نقاءً لما يمكن تسميته بـ”شعبوية المؤامرة”. في هذا الخطاب، لم يعد الرئيس يخاطب شعباً منهكاً يبحث عن لقمة العيش، بل يخاطب ما يشبه طائفةً من الأتباع في معركة وجودية كونية.
بينما ينسج الرئيس ملحمته الوجودية ضد “الأصفار”، يغرق التونسيون في أزمة معيشية خانقة، ويركب شبابهم قوارب الموت هرباً من اليأس
لاحظ عزمي بشارة، في معرض تحليله هذه العقلية السياسية، ظاهرةً دالّةً بين النُّخب التونسية، فيكتب متعجّباً: تنتشر بين النُّخب التونسية حالياً عبارة (لا أحد يعلم ماذا في ذهن الرئيس)، أو (ننتظر خطواته القادمة التي لا نعرف ما هي). هذه مصطلحات نظام حكم ديكتاتوري يحكم من الغرف المظلمة (هنا يصح التعبير فعلاً)، فقط في تلك الأنظمة يتعلّق كلّ شيء بأمور مجهولة تدور في ذهن الرئيس”. هذا الغموض ليس عرضاً، بل هو جوهر الحكم الشعبوي، فحين يتحوّل القرار إلى “طلاسم” لا يفهمها إلّا “الشعب” الذي يختزله الرئيس في شخصه، يصبح كلّ ناقد أو معارض غريباً عن هذا “الشعب”، بل عدوّاً له.
وهنا بالضبط الخطورة القصوى لهذا التخبّط الخطابي: إنّه ليس مجرّد هذيان لفظي، بل هو الأساس الأيديولوجي لإقصاء كلّ صوت مختلف. فخطاب “السبّابة والإبهام” ليس مجرّد صورة شعرية غريبة، بل هو إعلان حرب أيديولوجية، من هم هؤلاء “الأصفار” و”الغرف المظلمة” في اللاوعي الرئاسي؟ إنّها قائمة لا تنتهي من الأعداء المختلقين، يُستدعون كلّما اشتدّت الأزمة، وما يجعل هذا التخبّط مأساوياً حقّاً هو انفصاله التام عن الواقع التونسي المُعاش.
مأساة تونس اليوم ليست فقط في فشل اقتصادي أو في انغلاق سياسي، بل في أنّ من يحكمها قد هجر الواقع بالكامل
بينما ينسج الرئيس ملحمته الوجودية ضد “الأصفار”، يغرق التونسيون في أزمة معيشية خانقة، ويركب شبابهم قوارب الموت هرباً من اليأس، وتُكمَّم الأفواه في السجون. لقد تحوّلت الرئاسة إلى فقاعة مغلقة، تدير ظهرها للبلاد وتغرق في كتبها وهواجسها. في هذا العالم الموازي، لا مكان للسياسة فعلاً يومياً لتدبير شؤون الناس، بل فقط للحرب حالةً دائمةً ضدّ شياطين لا يراها إلا الرئيس وأتباعه. إنّه المسار الكلاسيكي للحكم الشعبوي الاستبدادي الذي وصفه بشارة بوضوح حين قال إنّ “هدفها الوصول إلى ديمقراطية شعبوية هي اسم لشكل الحكومة التمثيلية الجديد الذي يقوم على العلاقة المباشرة بين القائد والمجتمع الذي يحدّده القائد بوصفه شعباً محقّاً وطيّباً دائماً”. هكذا، يتحوّل الحكم إلى علاقة “مباشرة” بين القائد و”الشعب” الذي تخيّله، ولا حاجة لأيّ وسيط: لا أحزاب، لا برلمان، لا نقابات، لا قضاء مستقلّ، هذه كلّها “أصابع” تشير إلى “القمر” في أفضل الأحوال، و”أصفار” يجب سحقها في أسوئها.
مأساة تونس اليوم ليست فقط في فشل اقتصادي أو في انغلاق سياسي، بل في أنّ من يحكمها قد هجر الواقع بالكامل، وكما سبق أن حذّر المراقبون، ما زال “الإصلاح” ممكناً، أمّا الإصرار على الخطأ فمدمّر للجميع”. لقد أصبح قيس سعيّد أسير أوهامه، غارقاً في مؤامراته، مخاطباً شعباً لا يوجد إلا في ذهنه، بينما التونسي الحقيقي، الذي يعاني ويجوع ويُسجن، لا يجد له مكاناً في هذا الخطاب، إلّا أنّ يكون “صفراً” آخر في معادلة التآمر الكبرى.
إلى أن يفيق التونسيون من هذا الكابوس، سيبقى الرئيس في مأمن، لا لأنّه يحمي “السيادة” أو يصون “الكرامة”، بل لأنّه يلهيهم بقمر بعيد، بينما يسرق منهم في وضح النهار كلّ شيء آخر.
المصدر: العربي الجديد



