من ساحة للنزاعات إلى شريك في الحلول.. دمشق تنتهج سياسة بناء علاقات متوازنة وحل المشكلات عبر الحوار

راغب العطيه

تشهد سوريا تحولا جذريا في دورها الإقليمي والدولي منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، حيث سعت دمشق إلى الانتقال من كونها ساحة نزاع وصراع إلى فرصة للتهدئة والاستقرار، وأن تكون شريكا أساسيا في حل العديد من الأزمات الإقليمية، بناء على مبدأ تلاقي المصالح، وانتقلت في هذه المرحلة من كونها مصدرا “لانتشار الإرهاب، وتصدير اللاجئين، وتصنيع وتهريب المخدرات والكبتاغون” إلى دولة قرارها قلب موازين القوى الإقليمية رأسا على عقب، بإنهائها تغول النفوذ الإيراني المقيت في المنطقة.

ومنذ بداية التحرير، حظيت الإدارة السورية الجديدة بقيادة السيد الرئيس أحمد الشرع بقبول عربي ودولي سريع وواسع، مما فتح الباب واسعا لرفع العقوبات الأميركية والأوروبية تدريجيا عن البلاد، وترافق ذلك مع اهتمام خليجي كبير بالاستثمار والمشاركة في إعادة إعمار سوريا، بهدف دمجها مجددا في محيطها العربي وقطع الطريق على عودة النفوذ الإيراني، بالتوازي مع تحول الجارة تركيا من خصم للنظام إلى داعم للاستقرار، في ظل تفاهمات حول اللاجئين وتأمين الحدود.

وفي سياق تحول سوريا من الصراع إلى الاستقرار، أكد السيد الرئيس الشرع، في منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، أن دمشق تنتهج سياسة بناء علاقات متوازنة وحل المشكلات عبر الحوار، مشددا على أن دمشق لم تعد “صندوق بريد” للصراعات، بل أصبحت عاملا للاستقرار في المنطقة.

وبين الرئيس الشرع أن الظروف التي تعيشها المنطقة صعبة وتحتاج إلى حلول استثنائية، مؤكدا أن سوريا تتحمل المسؤوليات وتواجه التحديات بصلابة شعبها والمحبين من دول المنطقة.

فرصة استراتيجية للاستثمار في الأمن الإقليمي والتنمية

وبين الرئيس الشرع أن سوريا تمتلك اليوم علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى علاقات متقدمة مع دول المنطقة مثل تركيا والسعودية والإمارات وقطر، مؤكدا أن تاريخا جديدا يرسم لسوريا، حيث تنتقل من كونها صندوق بريد للنزاعات إلى فرصة استراتيجية للاستثمار في الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية المستدامة.

وأشار الرئيس الشرع إلى أن سوريا تعرضت لاعتداءات إيران في المرحلة السابقة، حيث دعمت طهران النظام المخلوع في مواجهته للشعب السوري، ومع ذلك لم تنخرط سوريا في المواجهة بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى، وقبل الحرب دفعت باتجاه عدم نشوبها بالأساس، لأنها ستؤدي إلى انعكاسات خطيرة في المنطقة، مشيرا إلى أن سوريا تعبت خلال السنوات الماضية، وتعرض شعبها للهجرة والنزوح وضربات بالسلاح الكيميائي إلى جانب الدمار الكبير، وأن تجنيبها اليوم الدخول في أي صراع هو المسار الطبيعي والصحيح.

وبخصوص لبنان، أوضح الرئيس الشرع أن سوريا تتأثر بما يجري فيه، مثمنا جهود الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيقاف الحرب، ومعربا عن أمله في الانتقال إلى مرحلة إصلاح المسارات في المنطقة حتى لا تتكرر الحروب مرة أخرى.

وبحسب المتابعين، وبعد عقود من ارتباط اسم سوريا بالأزمات والحروب واللجوء، ينظر إليها اليوم بوصفها فرصة للاستقرار الإقليمي، فقد توقف تدفق اللاجئين، مقابل البدء بمسارات العودة الطوعية، بما يخفف الضغط عن دول الجوار وأوروبا، وذلك في ظل وجود سلطة وطنية جامعة تسهم في تجفيف منابع التطرف وضمان عدم عودة التنظيمات الإرهابية.

وفي سياق التعاطي الأميركي مع الملف السوري، أشاد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك بما وصفه بنجاحات الدبلوماسية السورية، معتبرا أن التجربة الجارية في البلاد تمثل نموذجا غير تقليدي لاختبار قدرة الحوار والتعاون الدولي على تحقيق نتائج ملموسة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

وجاءت تصريحات باراك هذه، بحسب وكالة الأناضول التركية، خلال إحاطة إعلامية للصحفيين يوم الجمعة الماضي، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي المنعقد في تركيا، والذي بات خلال السنوات الأخيرة منصة رئيسية للنقاشات الدولية حول قضايا الأمن والسياسة الخارجية والتعاون متعدد الأطراف.

الحوار خيار استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه

وقال باراك، الذي يشغل أيضا منصب سفير الولايات المتحدة لدى أنقرة، إن الدبلوماسية تمثل “هدية مستمرة” للعالم، كونها توفر أدوات دائمة لتخفيف حدة الأزمات ومنع الانزلاق نحو المواجهات العسكرية، مؤكدا أن العالم يعيش مرحلة تتسم بتسارع الأحداث وارتفاع منسوب التوتر، ما يجعل من الحوار خيارا استراتيجيا لا يمكن الاستغناء عنه، حتى في أكثر الملفات تعقيدا.

ووصف المبعوث الأميركي التجربة الجارية في سوريا بأنها “مختبر دبلوماسي” حقيقي، يمكن من خلاله اختبار مدى قدرة التعاون بين أطراف إقليمية ودولية مختلفة على إنتاج حلول سياسية تدريجية، مشيرا إلى أن ما يجري في سوريا لا يمكن اختزاله في مسار واحد، بل هو مزيج من التفاعلات السياسية والدبلوماسية والأمنية التي تشارك فيها أطراف متعددة، من داخل المنطقة وخارجها.

وشهدت العلاقات السورية الأميركية عام 2025 والعام الحالي تحولا جذريا تكلل بالزيارة التاريخية للرئيس الشرع إلى واشنطن، ورفع العقوبات المفروضة على سوريا منذ عشرات السنين، إضافة إلى الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من الأراضي السورية وتسليم مواقعها للحكومة السورية، وذلك في إطار تطورات إقليمية واسعة بدأت أواخر عام 2025.

وقال باراك إن سوريا أصبحت، على نحو غير متوقع، واحدة من أكثر حالات الدبلوماسية تعقيدا وتنوعا في الوقت الراهن، نظرا إلى تداخل المصالح الإقليمية والدولية فيها، إلى جانب وجود أطراف داخلية تبحث عن إعادة صياغة دورها السياسي في مرحلة ما بعد الصراع، معتبرا أن هذا التداخل، رغم تعقيداته، أوجد مساحة جديدة للحوار لم تكن متاحة في مراحل سابقة.

وبحسب المسؤول الأميركي، فإن سوريا تؤدي عملا دبلوماسيا جيدا قائما على الحوار والتفاعل المستمر، معتبرا أن هذا النموذج، رغم صعوبته، يقدم فرصة لفهم كيف يمكن للدبلوماسية أن تعمل في بيئات نزاع معقدة، بدل الاعتماد فقط على أدوات الضغط أو الحلول العسكرية.

منح الثقة إلى الدولة السورية

ويكتسب الملف السوري في هذا السياق أهمية خاصة، كونه أحد أكثر الملفات تعقيدا في السياسة الدولية المعاصرة، حيث تتداخل فيه عوامل محلية وإقليمية ودولية، وتتشابك فيه مصالح قوى متعددة.

وبينما يرى بعض المراقبين أن الإشادة الأميركية بالدبلوماسية السورية قد تعكس تحولا تدريجيا في مقاربة واشنطن للملف السوري، من حيث التركيز بشكل أكبر على مسارات الحوار والتفاهمات الجزئية بدل الاكتفاء بالضغوط السياسية أو الاقتصادية، يحذر آخرون من المبالغة في تفسير هذه الإشارات، على اعتبار أن الحديث عن نجاحات سياسية لا يزال في إطار التوصيف العام، ولا يعكس بالضرورة اختراقات جوهرية في الملفات العالقة، سواء المتعلقة بالمسار السياسي أو الأمني أو الإنساني.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إن التغيرات الكبرى التي حصلت في سوريا بعد 8 كانون الأول 2024 أعادت إنتاج السياسة في سوريا بشكل جديد، وساهمت، في ما ساهمت به، في منح الثقة إلى الدولة السورية من خلال علاقاتها المنجدلة مع العرب والإقليم، وكذلك مع الدول الكبرى التي لها مصالح في الشرق الأوسط، مؤكدا أن دمشق انتهجت، على مستوى السياسة الخارجية، مسارات واضحة المعالم بفتحها الحوار الدائم مع العواصم الكبرى، متخطية بذلك كل المرحلة البائسة في العلاقات الدولية التي ما برح نظام الأسد الأب والابن يشتغل عليها، عبر قطيعة مع العالم الخارجي والارتماء في أحضان المشروع الإيراني الأخطر، ليس على سوريا فحسب، بل على الدول العربية بمجملها، وخاصة الخليجية.

وأوضح سعدو، في تصريحات لـ”الثورة السورية”، أن التوازن في العلاقات التي أنتجتها السياسة الخارجية السورية خلق حراكا جديا عبر مد أواصر العلاقات ليس مع الغرب فحسب، بل كذلك مع الشرق، وصولا إلى روسيا والصين، الأمر الذي خلق أجواء من التفاؤل والارتياح لدى جميع الدول في علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دمشق، لافتا إلى أن العالم اليوم، وبعد التغيير الكبير الذي حصل في البلاد، ينظر إلى دمشق على أنها رافعة العمل العربي المشترك، وبوابة مهمة للولوج في أتون شرق أوسط جديد واضح في سياساته، بعيدا عن الإرهاب أو الدخول في محو الشر الإيراني.

تأسيس سياقات جديدة 

وأضاف سعدو أن الدور السوري ماض في تفعيل علاقات جديدة متجددة لا تستعدي أحدا ولا تحول دون إقامة علاقات احترام متبادل بين الدول وسوريا، التي تلج في مسار دولي متميز جعل منها مدخلا حقيقيا للتعاطي مع المنطقة برمتها، وأعاد وصل ما انقطع في أيام المجرم بشار الأسد وأبيه الأكثر إجراما. وقال: صحيح أن المنطقة العربية، بل والعالم، يعيشان مراحل حساسة ودراماتيكية في حاضرهما، وقد يكون في مستقبلهما القريب، إلا أن السياسة الدبلوماسية السورية تصر على تأسيس سياقات جديدة قادرة على الوصول إلى حضور فعلي وحقيقي لسوريا، كما كانت إبان مرحلة الاستقلال الأول الذي نحيي هذه الأيام ذكراه الثمانين، والذي خرجت فيه سوريا من عباءة الاستعمار الفرنسي، وهي اليوم تنتج استقلالا جديدا يضاف إلى ما بناه السوريون في السابق، قبل أن يخطف البلاد المجرم حافظ الأسد.

وعلى هامش المنتدى، التقى الرئيس الشرع والوفد المرافق مع الرئيس أردوغان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس الاستخبارات إبراهيم كالن، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف.

استئناف الاتصالات السياسية الرسمية مع سوريا

ويعتزم الاتحاد الأوروبي استئناف الاتصالات السياسية الرسمية مع سوريا وفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، مع إعادة تفعيل اتفاقية تعاون قديمة وتعديل نظام العقوبات.

وتشمل الخطوات دعما للإصلاحات، وملف اللاجئين، وتعزيز الشراكة الإقليمية، في تحول لافت في سياسة التكتل تجاه دمشق، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن وثيقة أسمتها “المرجعية”.

وبحسب الوثيقة التي اطلعت عليها “رويترز”، فإن الاتحاد الأوروبي يعتزم توطيد الروابط مع سوريا من خلال إعادة الاتصالات السياسية الرسمية وتمهيد الطريق لعلاقات اقتصادية وأمنية أقوى، في أحدث خطوة ضمن تحول أوسع نطاقا في السياسة حيال دمشق بعد جمود في العلاقات على مدى سنوات.

وتقول الوثيقة المرجعية، التي أعدتها الإدارة الدبلوماسية للتكتل وأرسلت إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قبل أيام، إن التكتل سيستأنف العمل بالكامل باتفاقية تعاون موقعة في عام 1978 مع سوريا، وسيبدأ في حوار سياسي رفيع المستوى، وهو تعبير يستخدمه الاتحاد للإشارة إلى محادثات رسمية ومنظمة، مع السلطات في سوريا في 11 أيار المقبل.

وفي تعديل ملحوظ للسياسات المتبعة، ذكرت الوثيقة أيضا أن الاتحاد الأوروبي قال إنه “سيعيد تشكيل ويعدل” نظام العقوبات للحفاظ على وسائل ضغط، في وقت يتواصل فيه مع القيادة السورية ويستهدف من يؤثرون سلبا في العملية الانتقالية.

وتسعى سوريا، مع رفع غالب العقوبات الغربية عنها بنهاية العام الماضي، إلى اندماج أكبر في المجتمع الدولي في ظل قيادة الرئيس أحمد الشرع.

وتحدد الوثيقة خططا لتعزيز الشراكة الاقتصادية، بما في ذلك إطار عمل للتجارة والاستثمار، وتحفيز تمويل القطاع الخاص، ودعم الإصلاحات لتحسين بيئة الأعمال في سوريا من خلال مركز جديد للمساعدة التقنية.

وتسلط الوثيقة الضوء على طموحات تهدف إلى دمج سوريا في مشاريع الربط الإقليمي، بما في ذلك الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مما يجعل البلاد مركزا للنقل والطاقة والروابط الرقمية.

ويرى المراقبون أن التحول في السياسة السورية الجديدة يعكس إرادة دمشق الأكيدة في السعي نحو تصفير الأزمات والانفتاح على جميع دول العالم المحبة للسلام، وفق مبدأ المصالح المشتركة، في ظل تزايد الاعتراف الدولي بهذا الدور، وإشادات أميركية معلنة، وتحركات للاتحاد الأوروبي من أجل إعادة تفعيل شراكاته مع دمشق. ويبقى هذا كله مقرونا بقدرة الدولة السورية على ترجمة النجاحات الدبلوماسية إلى استقرار مستدام وتنمية اقتصادية شاملة تعيد بناء ما دمرته عقود من العزلة والحروب.

 

المصدر: الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى