الثأر… حين تتحول العدالة إلى غيابٍ طويل

عساف سلامة السلمان 

ليس الثأر مجرد فعل عنف معزول، بل هو نتيجة متراكمة لفراغ كبير اسمه العدالة. حين تغيب الدولة، أو تتواطأ، أو تعجز عن إنصاف المظلوم، ينشأ قانون بديل، بدائي وقاس، اسمه “خذ حقك بيدك”. عندها لا يعود الدم حادثةً تُطوى، بل يتحول إلى دين مفتوح، تورَّثه الأجيال كما تُورَّث الأرض والأسماء.

في المجتمعات التي لم تكتمل فيها فكرة الدولة، يبقى القاتل طليقا أو يُحمى بعشيرته، وتبقى العدالة مؤجلة إلى أجلٍ غير مسمى. هنا يبدأ التحلل الحقيقي: لا تثق العائلة بالقضاء، ولا تؤمن بالقانون، فتحتفظ بجرحها حيا، كدُمَّلة في الصدر، تكبر مع الزمن بدل أن تندمل. ومع كل تأجيل، يصبح الثأر ليس خيارا، بل واجبًا اجتماعيا، أو هكذا يُصوَّر.

ما جرى في منبج -بعد تحريرها من سلطة النظام المجرم – بين الدمالخة والرشيديين مثال صارخ على تفاهة الشرارة وعظمة الكارثة. خلافٌ بسيط على فرن خبز يتحول إلى قتل، ثم إلى تهجير، ثم إلى إحراق بيوت، ثم إلى انتظار بارد للانتقام. وبعد عام كامل، يأتي الثأر، لا في ساحة عدل، بل على دراجة نارية، أمام طفل صغير أُبعد لحظة عن الموت ليشهد موت أبيه. أي عدالة هذه التي تُراعي سلامة طفل، لكنها لا تتردد في إعدام رجل خارج عن القانون؟

وفي حادثة البوسلطان بعد تحرر منبج من سيطرة النظام البائد ، تتجلى عبثية الثأر بأوضح صورها. رصاصة طائشة بين أولاد عم، تُدفع ديتها، ويُنفى القاتل، ثم تعود الحياة إلى ظاهرها الطبيعي. لكن تحت هذا السطح، يبقى شيء لم يُحلّ. بعد خمسة وعشرين عاما، كلمةٌ جارحة بين امرأتين تُعيد فتح القبر، فيُقتل إنسان لم يشهد الحادثة الأولى، بل لم يكن قد وُلد أصلا. هنا لا يعود الثأر مرتبطًا بالجريمة، بل يتحول إلى فكرة مستقلة، تعيش بذاتها وتبحث عن أي ذريعة لتنفجر.

أما ما حدث أمام مشفى الرقة يوم أمس 17أبريل  2026 ، فهو الوجه الأكثر خطورة: حين يتلبس الثأر لباس السلطة. رجلٌ من الأمن العام، يُفترض به حماية الناس، يستخدم سلاحه لتصفية حساب قديم، فيقتل المطلوب، ويقتل معه بريئا لا علاقة له بالقصة. هنا لا ينهار القانون فقط، بل يُستبدل بنقيضه. يصبح السلاح الرسمي أداة للثأر الشخصي، وتصبح الدولة نفسها طرفا في الفوضى. وكل يوم نسمع احداث دهس وقتل بسبب تفشي المخدرات والانفلات الأمني في منبج والرقة وبعض المحافظات .

السؤال الحقيقي ليس: لماذا يثأر الناس؟ بل: لماذا نتركهم يصلون إلى هذه النقطة؟ حين يكون السلاح متاحا لكل جاهل، وحين لا توجد رقابة، ولا محاسبة، ولا قضاء سريع وعادل، يصبح الثأر نتيجة شبه حتمية. السلاح بحد ذاته ليس المشكلة، بل غيابه عن إطار القانون. كما يقول المثل: “الخنجر بيد النذل يجرح”، لكن الأصح أن نقول: الخنجر بلا قانون يجرح الجميع.

في المقابل، تقدم الدول التي تحترم نفسها نموذجا مختلفا. ليس لأن شعوبها أكثر أخلاقا، بل لأن القانون فيها حاضر، صارم، ومطبق على الجميع. حمل السلاح هناك ليس حرية، بل مسؤولية ثقيلة، مقيدة بشروط صارمة. الفارق ليس في طبيعة الإنسان، بل في وجود نظام يردع قبل أن يعاقب، ويمنع قبل أن يندم.

الثأر في جوهره إعلان فشل: فشل الدولة، وفشل المجتمع، وفشل العدالة. وكلما تأخر الإصلاح، طال عمر هذا الفشل، وتحوّل إلى ثقافة. والخطر الأكبر أن يعتاد الناس عليه، وأن يروا فيه شكلا مشروعا من أشكال العدالة.

لن ينتهي الثأر بالمواعظ، ولا بالصلحات المؤقتة، ولا بدفع الديات. ينتهي فقط حين يشعر المظلوم أن حقه لن يضيع، وأن القاتل لن يفلت، وأن القانون ليس حبرا على ورق. عندها فقط، يمكن للدم أن يجف، وللجراح أن تلتئم، وللأجيال أن تتوقف عن وراثة الموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى