تحولات النظام العالمي ومسألة السيادة الوطنية

معقل زهور عدي

في معاهدات وستفاليا 1648 برزت لأول مرة مسألة “السيادة الوطنية” حين أصبح الاعتراف بتشكيل الدول يتم على أساس قومي، ولم يعد التدخل في الدول وفق أجندات دينية موضع قبول، وجرى تثبيت ذلك في معاهدات وستفاليا، وهكذا منحت الحدود الوطنية للدول صفة الاحترام المتبادل، وفي الحقيقة فقد كان ذلك ضروريا لإرساء السلام في اوربة وإنهاء الحروب الطويلة.

وبعد الحرب العالمية الأولى تكرس مفهوم ” السيادة الوطنية ” لكن ليس من أجل كل الشعوب والقوميات، فتم الفصل بين تطبيق ذلك المفهوم في القارة الأوربية وبين بقية دول العالم.

انحلت الامبراطوريات الأوربية ليخرج من أحشائها الدول القومية ذات السيادة، أما الدولة العثمانية فقد اعتبرت الأراضي التي فقدتها نتيجة الحرب ” أراض محتلة بقوة الفتح ” وكان ذلك مدخلا لتقاسمها بين الدول المنتصرة في الحرب ورسم حدود دولها وفقا لما توافقت عليه بريطانيا وفرنسا ( اتفاقية سايكس بيكو ).

أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد خضع مفهوم “السيادة الوطنية” لإعادة انتاجه ليصبح أكثر شمولا ويضم العالم بأسره , وكان ذلك نذيرا بانتهاء عهد الاستعمار وحصول جميع الدول على استقلالها لتبني دولها على أساس “السيادة الوطنية” .

وبسقوط المعسكر الاشتراكي وانتهاء النظام العالمي ثنائي القطب , وحين حل مفهوم القطب الواحد المرافق للهيمنة الأمريكية العالمية تراجع مفهوم “السيادة الوطنية” , ليفسح الطريق لنظريات إعادة تشكيل الدول لتناسب الخضوع للهيمنة الأمريكية العالمية , وبدأ ذلك المشروع الذي وضع أسسه المحافظون الجدد بالتنفيذ انطلاقا من غزو العراق , ومع فشل غزو العراق توقف مشروع المحافظين الجدد , لكن ذلك لم يكن يعني استعادة مفهوم ” السيادة الوطنية ” مكانته السابقة , لقد تم كسر قدسية الحدود , وكان ذلك مقدمة لحروب لاحقة أكدت ما أصاب مفهوم “السيادة الوطنية” من ضرر كبير .

يمكن التفكير في ارتباط انهيار مفهوم “السيادة الوطنية” بانهيار النظام العالمي ككل وبأن ذلك يتم وفق تطور تاريخي ضمن التحول نحو العولمة وليس فقط بسبب فرض الهيمنة الأمريكية العالمية.

فالعولمة ترى في السيادة الوطنية عائقا لها في عملية تنميط الاقتصاديات الوطنية للدخول ضمن النظام الاقتصادي العالمي، ويتبع ذلك تنميط الثقافة وطرق المعيشة، وتشجيع ولادة ” المواطن العالمي ” على أنقاض مفاهيم مثل ” الوطنية ” أو ” القومية ” أو ” المرجعيات الدينية ” .

لذا تنظر العولمة للحروب الأمريكية حين تدوس على ” السيادة الوطنية ” باعتبارها حروبا ضرورية من وجهة نظر تاريخية بشرط أن لا تلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد العالمي.

يمكن القول إن مصير مفهوم ” السيادة الوطنية ” أصبح وثيق الصلة بالنظام العالمي الفعلي الذي يتحكم بالعالم اليوم، وليس النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية الذي انهار في الواقع.

التناقضات الداخلية للنظام العالمي الجديد:

يمكن وصف النظام العالمي الجديد بكونه نظام الهيمنة الأمريكية العالمية التي تتعايش مع أقطاب ثانوية كما ذهب لذلك سيوم براون بشيء من التحفظ، لكن ما لا ينبغي نسيانه أن وراء تلك الهيمنة الأمريكية العولمة التي تشمل الاقتصاد الدولي المتعولم، مثلما أن الأساس ” الطبقي” للعولمة هي الشركات متعددة الجنسيات، و” الطبقي” هنا هو استعارة مجازية لوصف الهيئات الاجتماعية التي تمتلك وتقود تلك الشركات متعددة الجنسيات.

ترتبط الشركات متعددة الجنسيات بالاقتصاد الأمريكي والدولة الأمريكية بروابط قوية.

 يُقدَّر أن الشركات متعددة الجنسيات الأمريكية (أي التي مقرها في الولايات المتحدة) تمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد العالمي، وغالباً ما يكون رأس المال الأمريكي هو المهيمن فيها بنسبة قد تتجاوز 50-70% في العديد من هذه الشركات خاصة الكبرى مثل شركات الطاقة والتكنولوجيا.

أما على مستوى العالم، فالشركات الأمريكية متعددة الجنسيات تُعد من الأكثر تأثيراً، حيث تستحوذ على حصة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يعني أن جزءاً كبيراً من رأس المال العالمي في هذه الشركات مرتبط بالاقتصاد الأمريكي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

مع تزايد تضخم الشركات متعددة الجنسيات، فإن حضورها في السياسة العالمية والذي اعتاد أن يتم عبر الولايات المتحدة الأمريكية يتحرك ببطء نحو أخذ المبادرة السياسية بحذر شديد، وعبر تزايد تأثيرها في الدولة العميقة للولايات المتحدة. لكن تطور هذا السياق يعني بالضرورة الوصول نحو القفز من التأثير على صنع القرار نحو المشاركة بصنع القرار في مرحلة ما.

وفي تلك المرحلة التي نقترب منها، يمكن للشركات العملاقة متعددة الجنسيات أن تخرج من حاضنتها الطبيعية الأصلية كما يخرج الصوص من البيضة بكسر البيضة نفسها أو ما بقي منها وهكذا يمكن أن تصبح مؤسسات الدولة الأمريكية تحت وصاية الشركات متعددة الجنسيات بدل أن تعمل تلك الشركات تحت وصاية الدولة الأمريكية.

وبعبارة أخرى فإن ما تفعله الولايات المتحدة اليوم من هدم للحدود التي كانت موضوعا لمفهوم “السيادة الوطنية” يمكن أن ينسحب في مرحلة ما نحو داخل الحاضنة الأصلية.

ليس ذلك مجرد توقع خال من الأساس العلمي لكنه سياق موضوعي محتمل لتطور حجم وفعالية الشركات متعددة الجنسيات في الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

لقد ولدت البورجوازية في أوروبا تدريجياً داخل أحضان النظام الاقطاعي منذ أواخر القرون الوسطى، وظهرت مع نمو المدن والتجارة حيث بدأ التجار والحرفيون يكسبون الثروة والنفوذ خارج نطاق المجتمع الاقطاعي القائم على الزراعة، وفي النهاية فإن الطبقة البورجوازية التي نشأت في أحضان المجتمع الاقطاعي قامت بهدم أسس ذلك المجتمع وبناء أسس جديدة تتفق ومصالحها الحيوية عبر حيازة السياسة وعدم الاكتفاء بالتأثير فيها.

مثل ذلك قد يكون ما يحصل الآن بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، وهو يفسر كيف نراقب تآكل النزعة القومية لصالح الاندماج بالاقتصاد العالمي خارج الولايات المتحدة أولا ثم بداية الانتقال نحو الداخل الأمريكي لاحقا.

يمكن تفسير حالة السيولة في النظام العالمي بذلك السياق الذي يتعاظم فيه التأثير السياسي للشركات متعددة الجنسيات دون أن يكون بالإمكان حتى الآن أن يتحول بطريقة حاسمة نحو حيازة الحقل السياسي.

بل يمكن القول إن الشركات متعددة الجنسيات مازالت تفضل ممارسة التأثير السياسي عن بعد على الانخراط في الحقل السياسي مباشرة. فهي تشبه بذلك الطائر الذي لا يمتلك الرغبة والجرأة للخروج من البيضة نحو العالم بخلاف الطبقة البورجوازية التي حسمت أمرها وانتزعت السياسة من يد النظام الاقطاعي الملكي بحلول القرن الثامن عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى