
لم تفاجئ أحداً احتفالات حزب الله بـِ “النصر” مع حلول ساعة تطبيق الهدنة منتصف ليل أمس بالضاحية الجنوبية. لكن كثيرين صُدموا بكمية الرصاص وقذائف آر بي جي التي أطلقت وسط ركام الأبنية المدمرة، والتي لم تنتشل بعد كل الجثث المدفونة تحت ردمها (على وصف ابن بنت جبيل الكبير أحمد بيضون في وصف المبتهجين أمس: هؤلاء بشر أم بلاط قبور؟). على مدار أكثرمن ساعتين من الوقت بقي الرصاص ينهمر كالمطر، وشاشات التلفزة تبث صور المحتفلين وهم يوجهون أقذع الألفاظ لرموز الدولة اللبنانية، ولكل من لا يقاسمهم ابتهاجهم. فقد كانوا يحتفلون ليس بـِ “النصر” على إسرائيل، بقدر ما كانوا يحتفلون بالنصر على الدولة اللبنانية، وعلى سائر اللبنانيين الذين يرفضونهم ويرفضون انتصاراتهم الهزائم، انتصاراتهم الكوارث المتوالية على لبنان واللبنانيين منذ أن زرعهم الحرس الثوري في هذه الأرض.
في الحقيقة، الدهشة، إن كان هناك من لا يزال يُدهش، والمفاجأة، إن كان هناك من لا يزال يُفاجأ بسلوك هؤلاء واحتفالاتهم بانتصاراتهم، هي ما يفاجئ وما يدهش. فقد اعتدنا بأن انتصارهؤلاء يبدأ مع لحظة إشعالهم الحرب، ويتضخم مع كل موت يصيبهم أو يتسببون به لمن اختبأوا وراءه، ومع كل دمار وهدم عمار التجأوا إليه أو خزنوا به سلاحهم. هؤلاء لا يهزمون إلا حين يموتون. وطالما بقوا على قيد الحياة، الموت لهم سعادة، ويزفون من يموت ولا ينعونه. يمتشقون عقيدة الموت والعدم.
من السذاجة الاعتقاد أن إسرائيل وإعلامها تناقش انتصارات هؤلاء وهزائمهم التي تعرفها حق المعرفة وتخوض القتال معهم على ضوء ذلك. فهي تتسلح بانتصاراتهم المزعومة لتبرير مواصلة تدمير المدن والقرى وتوسيع رقعة ما تسميه “المنطقة العازلة”.
وكالة الأنباء الإسرائييلية الناطقة بالروسية cursor اعتبرت في 17 الجاري أن بيان حزب الله الأول بشأن الهدنة هو تهديد بشن حرب جديدة على إسرائيل. وكدليل على تأكيدها هذا، توقفت الوكالة عند المقطع في بيان الحزب الذي يقسم فيه بأن “اليد ستبقى على الزناد… ونقسم لقائد المقاومة، نعيم قاسم، ولشعبه النبيل والكريم والمتفاني أننا سنبقى مخلصين حتى آخر نفس ولن نستسلم تحت أي ظرف من الظروف”.
تشير الوكالة إلى أنه بعد استقرار خط التماس بين مقاتلي حزب الله والجيش الإسرائيلي، والذي يمكن أن يتحقق خلال يوم واحد، يرجح أن يجدد الجيش عملية إخلاء الأرض من المقاتلين والبحث عنهم وتصفيتهم. وتتوقع أن يتم تنفيذ هذه الإجراءات وفقًا لنموذج مشابه للممارسة المستخدمة في قطاع غزة في المنطقة الواقعة بين الخط الأصفر والحدود الإسرائيلية.
تنقل الوكالة عن الجيش الإسرائيلي تقييمه الإيجابي للهدنة وتوقيتها. وتنسب إلى كبار المسؤولين العسكريين اعتبارهم أن الخطوة مبررة، وأن مسار الأعمال القتالية قد أدى إلى لحظة بات من الضروري فيها، بالإضافة إلى التدابير العسكرية، توفير مساحة لتسوية سياسية في لبنان.
وبعد أن تؤكد الوكالة أن وحدات الجيش الإسرائيلي ستبقى خلال فترة الهدنة “في عمق الجنوب اللبناني”، تنقل عن مصدر لم تسمه قوله بأنه إذا لم تتخذ السلطات اللبنانية خطوات حقيقية لنزع سلاح مقاتلي حزب الله خلال هذه الفترة، فقد تنتقل إسرائيل إلى إجراءات أكثر شمولاً فور انتهائها.
موقع MigNews الإسرائيلي الناطق بالروسية أيضاً رأى في 17 الجاري أن مناقشة عواقب “الهدنة مع حزب الله” قد أحدثت انقساماً في العالم العربي. وقال إن بعض المحللين والصحافيين برى أن الوضع الراهن قد كشف عن ضعف الدولة اللبنانية. ففي تفسيرهم، تكمن المشكلة الرئيسية في أن القرارات على المستوى الوطني ترتبط عملياً بالمجموعة المسلحة، وليس بمؤسسات السلطة الرسمية. وعلى خلفية هذا الواقع، فإن أي خطوات دبلوماسية، بما في ذلك محاولات التواصل مع القادة الدوليين، تعتبرمحدودة ومرتبطة بجهات معينة.
يرى الموقع أن دور إيران في الهدنة يحوز على اهتمام خاص. ويقول إن عدداً من المعلقين يعتبر أن ما يجري يندرج ضمن استراتيجية طهران المعهودة: تمديد مدة العمليات، وممارسة الضغط عبر أذرعها، واستخدام لبنان كأداة في لعبة جيوسياسية أوسع. وبناءً على هذا المنطق، لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار على أنه نهاية مرحلة، بل كجزء من عملية أطول مدة.
لكن الموقع يرى أنه توجد في لبنان تقييمات مناقضة لهذا الرأي. فبعض المراقبين يرى أن وقف إطلاق النار يصب في مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى. فهو يسمح بتخفيف حدة التوتر على الحدود، ويُحافظ على سيطرتها على الوضع في الجنوب، ويُحوّل في الوقت نفسه تركيز الضغط على النظام السياسي الداخلي اللبناني. وفي ظل هذه الظروف، يعتقدون أن بيروت الرسمية قد تتعرض لضغوط دولية متزايدة للحد من نفوذ حزب الله أو حتى النظر في نزع سلاحه.
لكن الموقع ينسب للنقاد قولهم إن هذه المطالب تبدو في الظروف الراهنة غير واقعية، إذ لا تتوفر للحكومة اللبنانية لا الأدوات ولا التوافق الداخلي لتحقيق هذه الخطوات.
يتحدث الموقع عن تقييم آخر للهدنة يشكك بإستراتيجية حزب الله نفسها. يعتبر هذا التقييم أن انخراط حزب الله في التصعيد كان خاطئاً منذ البداية. فقد أدى إلى خسائر لا داعي لها ووضع لبنان في موقف ضعيف من دون أي فوائد واضحة.
يرى الموقع أنه وفقاً لهذا التقييم لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار على أنه حل، بل على أنه هدنة مؤقتة. فهو يخفف من حدة التوتر المباشر، لكنه لا يحل التناقضات الرئيسية.
موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 17 الجاري نصاً للمعلق في الصحيفة أكيفا لام (Akiva Lam) تحدث فيه عن الهدنة ومبدأ ترامب والألاعيب في لبنان. ورأى في عنوان ثانوي أن الشرق الأوسط أدرك بسرعة جوهر اللعبة: في أميركا يهددون، لكنهم لا يفعلون شيئاً.
استهل المعلق نصه بالقول إنه للوهلة الأولى، تبدو الهدنة التي أعلنها الرئيس ترامب في لبنان بمثابة بلسمٍ لنفس منهكة. فسكان الشمال، كغيرهم من مواطني البلاد، يستحقون فترة راحة وبداية للتعافي بعد حربٍ طويلة. لكن، وكما “تعلمنا” في السنوات الأخيرة، فإن الأخبار السارة بشأن “الهدنات” لا تأتي من إسرائيل. فعندما أعلن ترامب للمواطنين الإسرائيليين عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار، انفجر وزراء الحكومة غضباً. وليس من سبب للدهشة والغضب، فالهدنات السابقة مع حماس وحزب الله وحتى مع إيران لم تعلنها أيضاً إسرائيل. ورأى المعلق في هذا أن الصلة التأسيسية تنقطع بين المواطنين وممثليهم، و”السيادة يتم تخصيصها”.
رأى المعلق أن المشكلة لا تكمن في خضوع إسرائيل فقط، بل في مبدأ ترامب نفسه. فالسياسة الأميركية الحالية تتلخص في سيلٍ عاصف من التصريحات، متناقضة، فارغة، ومن دون أي آلية للتنفيذ. فقد أعلن رسمياً الرئيس مؤخراً وقف إطلاق النار في غزة، بشرط نزع سلاح حماس. لكن المهلة انقضت، وبقي السلاح في الأنفاق، وانتقلت واشنطن ببساطة إلى البند التالي على جدول الأعمال، ولم يلتزم أحد بالإنذار.
يسترسل المعلق في الحديث كيف أدركوا في الشرق الأوسط أن إنذارات واشنطن يمكن تجاهلها. ويضرب مثالاً على ذلك الرئيس جوزاف عون “الذي يقول للأميركيين ما يريدون سماعه، لكنه لا يغير شيئاً في الواقع”.
المصدر: المدن


