داروين يعود… عنصرية مقيتة في فرنسا

محمد سي بشير

           

حبل سرّي يربط بين التحوّلات السياسية للنخبة السياسية في فرنسا وسجالات المواعيد الانتخابية، نطلق عليها في العلوم السياسية الارتباطات (Correlations)، إذ لا يمرّ أيّ موعد منها (مثلاً، أُجريت الانتخابات البلدية في الشهر الماضي مارس/ آذار) من دون أن تترك بصمات يمكن من خلالها العثور على محاولات إحياء (أو بعث) التراث الأوروبي والغربي الاستعماري كلّه، خصوصاً في جانبه الأنثروبولوجي الذي أقنع العالم برمزيات التفوّق العرقي الذي يبرّر إلزامية حصول الغرب على خيرات العالم، وأنّ ثمّة فروقاً بين الأعراق لا يمكن إنكارها، بل يجب أن تبرز من خلال معاني السيطرة والهيمنة والتسلّطية.
سبب إيراد هذه المقدّمة نتائج الانتخابات المحلّية الأخيرة في فرنسا بتصدّر “فرنسا الأبية” (اليسارية) قوائم بعض البلديات، وفي مقدمها بلديات كبرى سكّانياً وذات رمزية بالنسبة إلى الديانة الكاثوليكية. ولكن، للمفارقة، بعمداء جدد من أصول مهاجرة على غرار ما جرى في بلدية سان دوني (من ضواحي باريس ذات الأغلبية المغاربية والأفريقية) من انتخاب عمدة من أصل مالي، لتثور ثائرة النخبة السياسية الفرنسية، حتى من بعض اليسار، وتبدأ موجة من السخرية بأبعاد عنصرية على العمدة الجديد بالذات، حيناً بالتهكم، وحيناً بتسقّط بعض تصريحاته العادية لمن يريد تنظيم العمل في بلديته بعد تصدّره قائمة حزبه فيها، ولكن هذه المرّة بإعلاء نبرة غريبة استُخدمت فيها عبارات عنصرية تنمّ عن أنّ المستهدَف ليس طريقة التنظيم المقترَحة في البرنامج الانتخابي، بل شخص العمدة الأسمر وأصوله الأفريقية، وما يتعدّاه في بلديات أخرى، إذ صعد عُمَد من أصول مغاربية يرفض اليمين المتطرّف، وطيف كبير من النُّخبة السياسية، وجودهم في فرنسا، فضلاً عن أن تعلو مكانتهم السياسية ويتحوّلوا إلى صانعي قرارات، وإن على مستوى محلّي، وكأنّها منطلق ما يعتبرون “مؤامرة الاستبدال الكبير”، وفق مزاعمهم.

أعادت شخصيات فرنسية الحياة إلى خطاب أنثروبولوجي استعماري لإظهار الشعوب المستعمَرة متأخّرةً

في إطار هذا الحديث، بدأت قنواتٌ معروفة بتوجّهها اليميني وكراهية الآخر في تنظيم “بلاتوهات” لتحليل الوضع، في اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات المحلّية، وشاركت فيها شخصيات كانت تصريحاتهم من التي لا تُعرّف إلا بالخطاب العنصري الذي تُستخدم فيه عبارات واضحة لا لبس فيها، وتشير إلى المهاجرين، وتصفهم بأقذع الصفات، بل أعادت الحياة إلى خطاب أنثروبولوجي صاحَب الحملات الاستعمارية والاستيطانية لإظهار الشعوب المستعمَرة بأنّها شعوب متأخّرة، تنتمي إلى أعراق تستحقّ وصفها بالأعراق المشكّلة جينياً وحضارياً، انطلاقاً من اللون أساساً، ثم في البيئة التي يعيشون فيها ودرجة انخراطهم في التخلّف بمعايير غربية، وكلّها رموز أنثروبولوجية جرى تبنّيها وتطبيق مفرداتها على شعوب القارة الأفريقية، وقبلها طبقها الإسبان والبرتغاليون على شعوب أميركا اللاتينية، عندما عاثوا في تلك الأرض فساداً بحثاً عن “الإلدورادو” أو الذهب، من خلال القضاء على سكّان أراضٍ واسعة بالملايين، كما قالت مصادر تاريخية كثيرة.
جاءت تلك العبارات التي استخدمها ضيوف تلك البرامج الإخبارية من وحي الأنثروبولوجيا، على غرار عبارات “الإنسان البدائي” أو “شيوخ قبائل بدائية” في إشارة إلى عمدة سان دوني، إضافة إلى عبارة “الذكر المسيطر” وصفاً للعمدة الجديد، ما اعتبرته كثير من البيانات المندّدة بها عبارات عنصرية لا تليق بالنقاش السياسي ولا بفرنسا صاحبة الإرث السياسي والحضاري العريق في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.
أحيت تلك العبارات داروين، لأنّ بعضاً من أولئك المحللين أشار، صراحة لا ضمناً، إلى أنّ البشر ينحدرون من القرد، ثم استمرّ في الحديث عن الأنثروبولوجيا في إجابات عن أسئلة وُجّهت له وللضيوف الآخرين عن الخطوات الأولى لعمدة سان دوني الأسمر، وهو ما اعتبره العمدة ذاته وقيادات حزبه من أمثال ميلونشون، في تجمّع سياسي مندّد بالعنصرية، عبارات عنصرية يعاقب عليها القانون، كما عدّ ذلك نوعاً من إظهار التحوّل السياسي للنُّخبة الثقافية الفرنسية التي أضحت ترمي بثقلها في النقاشات، ولكن باستخدام لغة غريبة تعود إلى كتابات ونقاشات عن داروين، “أصول الإنسان”، و”معايير التخلّف”، بل وعن مجال معروف في علم الاجتماع يُعرف بـ”علم الاجتماع البيولوجي” (من أكبر روّاده عالم أميركي يحمل اسم ويلسون)، أي فهم المجتمع من خلال العرق والأنثروبولوجيا، مع إسقاط هذا على أجناس محدّدة من البشر بقصد وسمهم بالتخلّف الحضاري، وأنّهم يستحقّون أن يُسيطَر عليهم وأن يبقوا في الهيمنة، بل وأن يُقادوا وتُنهب خيراتهم دونما حاجة إلى رأي منهم أو موقف، باعتبار أنهم متخلّفون ولا يرقى الواحد منهم إلى مصاف البشر.
احتدم النقاش بعدها، وطلعت تلك القنوات للدفاع عن نفسها بإشراك الضيوف ذاتهم، وبعض وجوه تلك النُّخبة العنصرية، ليؤكّد جميعهم أنّ حرية التعبير مكفولة للكلّ، وأنّ حديثهم لم يكن عنصرياً، بل كان للتعبير عن وضع محدّد عام غير موجّه ضدّ عمدة سان دوني بحدّ ذاته، بل أذاعت قناة CNEWS، القناة الإخبارية اليمينية المملوكة لرجل الأعمال بولوري، شريطاً أعادت فيه عبارات الطبيب النفسي العنصري الذي تحدّث عن “الرجل البدائي” بعبارات من وحي عقل داروين ونظرية التطوّر، وقالت إنّ الطبيب اعتاد الحديث عن تاريخ البشر والأنواع البشرية، متناسيةً أنّ سياق حديثه الذي بثّت أجزاء منه كان مغايراً، وفي نقاشات لا تمتّ بصلة إلى حادثة بعينها وإلى شخص محدّد هو عمدة سان دوني الأسمر ذو الأصول المالية.
أمّا الوضع المحيّر حقيقة، فهو موقف الفيلسوف ميشال أونفري الذي تحوّل، شيئاً فشيئاً، إلى اليمين المتطرّف، وتحدّث في “البلاتوه” ذاته، وفي الحصة نفسها، عن “الرجل البدائي” و”شيخ القبيلة البدائي”، إضافة إلى استخدامه عبارة “الذكر المسيطر”، في سياق تابع فيه حديث الطبيب النفسي، ما اعتبره بعضهم إصراراً على وسم عمدة سان دوني بعبارات عنصرية والحديث عنه بتلك الدونية، وهو كلام غير لائق من فيلسوف ذائع الصيت ومشهور بتفكيكه للخطاب الحضاري الغربي، ولكن، للأسف، أكمل تحوّلاته السياسية في الفترة الماضية، وأضحى من العنصريين المدافعين بشدّة عن نظرية الاستبدال الكبير، وعن مخاطر تهدّد الحضارة الغربية، وواسماً المهاجرين والإسلام بأنّهما مصدران لتهديد العرق الأبيض، والغرب، وأوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص.

قلق من أن يكون ساكن الإليزيه المقبل من اليمين المتطرّف أو ممّن يتبنى خطابه العنصري

طبعاً، لا يمكن إتمام الحديث عن الداروينية واستخدام مفرداتها في سياق العنصرية من النُّخبة السياسية الفرنسية من دون التعريج على تصريحات أهم وجوه هذه النُّخبة، وهو إيريك زمور، الذي حلّ ضيفاً على قناة BFM، معلّقاً على تلك العبارات العنصرية وعلى الصخب المصاحب لها، واصفاً إيّاها بأنّها في سياق حرّية التعبير، ولم تكن عنصريةً البتّة، وهو ما عزّز الرأي لدى جانب من المعلّقين بأنّه هو نفسه معتادٌ تلك العبارات، خصوصاً ضدّ المغاربية، وأنّ الأحكام القضائية ضدّ عنصريته لا تُحصى ولا تُعدّ، ومن الطبيعي أن يكون موقفه من تلك العنصرية بذلك الاستسهال والقبول. بل والقبول لها، ذلك أنّه لا الصحافي ولا هو نفسُه عرّجا على النّتيجة الهزيلة التّي نالها مرشّحو اليمين المتطرّف في الانتخابات البلديّة، وهي فارقة في العمل الإعلامي في بلد يُقال إنه من أعرق البلدان في حرية التّعبير وحقوق الانسان.
في خضمّ هذا التحوّل نحو “التوحّش الدارويني” في خطاب النُّخبة السياسية الفرنسية، نذكّر بمشروع قانون لنائبة يمينية صهيونية في الجمعية الوطنية الفرنسية تحمل اسم YADAN، سيُعرض للنقاش ثم التصويت، يمنع بموجبه انتقاد الكيان الصهيوني، واعتبار أنّ أيّ انتقاد له هو معاداة للسامية يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تصل إلى السجن، ما يوصلنا إلى بيت القصيد من هذا كلّه: إنّ فرنسا تحاول أن تعيش مثل النعامة التي تخبّئ رأسها في الرمل، لأنّها تتناسى إشكاليات الدين العام الضخم (تجاوز الناتج القومي الإجمالي)، والعجز الاقتصادي، وتراجع المكانة والبطالة، وإضافة إلى إشكالية التبعية للمظلة الأمنية الأميركية، بسعي حثيث نحو التركيز على لغة خطاب مقيت يُستخدم فيه الإرث الأنثروبولوجي الدارويني، ما يسير إلى انحدار حضاري فرنسي لم يشكّ أحدٌ البتّة في أنّ فرنسا ستصل إليه يوماً، ولكنّها، للأسف، لم تصل إليه، بل تجاوزته في حقّ عمدة سان دوني، وفي حقّ الغزّيين وفلسطين، وفي حقّ المغاربة، وفي حقّ الهُويّة عموماً.
ونحن على أعتاب رئاسيات صعبة وحيوية في العام المقبل (2027)، لنا أن نتخيّل إلى أين سيصل هذا الخطاب ونبرته العنصرية ضدّ تلك المكوّنات المهاجرة كلّها وهُويّاتها، وبخاصّة أنّ الصراع محتدم، والشكّ أصبح حقيقةً في أنّ قصر الإليزيه، بهذه الحدّة في الخطاب، قد يكون ساكنه المقبل من اليمين المتطرّف أو ممّن لا يمكن إلا أن يكون متبنيّاً ذلك الخطاب ومعتقداً في ذلك التحوّل السياسي والحضاري.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى