
رغم الدخول بمرحلة تفاوضية أميركية إيرانية في إسلام آباد لأسبوعين، لكن لم يزل ترمب يستبقها بأنه سيضرب بأقوى الأسلحة حال فشل المفاوضات، مكرراً ذات الإنذار قبل وقف الاعمال العسكرية!
وحتى لا نستبق نتائج المفاوضات لنذهب لمعنى التهديدات الكبرى التي يطلقها ترمب حين أكد على “محو حضارة”! فإنذارات الخطر العالمية اليوم باتت كبرى، وملامح تطور الحرب لما يتخيله عقل يلوح بالأفق وهيروهيتو اليابان غير موجود إيرانياً! وإذ يذكرنا التاريخ أنه في 15 آب/أغسطس 1945 أعلن إمبراطور اليابان، هيروهيتو، الاستسلام أمام الحلفاء، وذلك لحظة إدراكه حجم الكارثة التي فعلتها قنبلتي هيروشيما وناكزاكي النوويتين! القنبلة النووية التي فاجئت العالم بهول قدرتها التدميرية، سواء بلحظة انفجاراها الهائل والتي أودت بما لا يقل عن 200 ألف خلال “زمن صفري”، أو بأثارها المتتالية من تفريغ الضغط والصدمة الحرارية وما يتبعها من الآثار الاشعاعية. القنبلة النووية التي قال عنها آينشتاين باستحالة تنفيذها تجريبياً: بـ”إنها أشبه بمن يخرج الخفافيش من الظلام لتعيش في النور”! حين عُرض عليه إمكانية تطبيق معادلته النسبية وتحرير الطاقة بالتجربة العملية.
يوم استسلمت اليابان كانت الخفافيش النووية قد ظهرت وضح النهار، ومن وقتها العالم يحبس أنفاسه ويخشى تكرار ظهورها من جديد. وليس فقط، بل إن السياسات الدولية بحثت طويلاً في بدائل لحسم الحروب كما فعلت القنبلة النووية. فالتفوق التقني وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وإمكانية اختراق وتتبع كافة معطيات البشرية تفصيلاً والتي أدت لاجتثاث المرشد الأعلى الإيراني ومعه الصف الأول من قادة الحرس الثوري ومن يخلفهم، المشهد الذي يذكر بحسن نصر الله في لبنان بذات الطريقة؛ رغم هذا التفوق التقني الفائق لكنه لم يحسم الحرب، ويبدو أنها لن تحسم بسهولة! وبالضرورة تزايد الحديث عن الحسم النووي مرة أخرى ما لم تستسلم إيران بضغط العمليات العسكرية، وإلا الدخول في حرب طويلة الأمد سعت لها إيران ومن خلفها الصين وروسيا لاستنزاف أميركا وإسرائيل في إيران، في سيناريو يشابه الاستنزاف الروسي في أوكرانيا! هذا ولم ندخل في احتمالات البحث عن الحسم البري المفترض، وعن إمكانية جر دولاً أخرى لمستنقعها، خاصة دول الخليج العربي وعواقبه شديدة الخطر، واليوم بوابة التفاوض مفتوحة على كل الاحتمالات!
اليوم ازداد الحديث عن إمكانية استخدام السلاح النووي، وسبق وأن تكرر الحديث عنه بمواقع عالمية عدة، سواء روسياً في أوكرانيا، أو تهديدات كوريا الشمالية المتتالية، أو من الحرب الحالية الدائرة في الشرق الأوسط على إيران والتي تأتي تحت عنوان منعها من امتلاك قنبلة نووية، ومحاولة قصف مفاعل ديمونة الإسرائيلي النووي. والقراءات العالمية تشير إلى اقتراب عقارب “ساعة يوم القيامة” من منتصف الليل، ما يعرف رمزياً منذ عام 1947 بالساعة الذرية، والتي تُستخدم دلالتها من قبل العلماء لإطلاق إنذارات الخطر التي تهدد بوقوع كارثة تهدد البشرية جمعاء (كحرب نووية أو كارثة مناخية..) حين تشتد الأزمات العالمية كما حدث في حادثة نشر الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا عام 1962، والتي كادت أن تنشب على أثرها حرب نووية بين أميركا والاتحاد السوفيتي، واستمرت الأزمة وقتها لأسبوعين، حبست البشرية أنفاسها خلالها من هول ما قد يحدث!
الخطر العالمي من السلاح النووي لا يقتصر على حمله بالطائرات، فثمة الغواصات النووية والصواريخ الباليستية (بعيدة المدى) القادرة على حمل الرؤوس النووية؛ كما أنه لا يقتصر على الولايات المتحدة بمفردها، فقد دخل العالم في سباق التسلح النووي العالمي. لتنتشر خارطة التوزع النووي إنتاجاً وسلاحاً على عدد من دول العالم، ويصل عدد الرؤوس النووية فيها ل 15 ألف؛ تأتي روسيا في مقدمتها، وتليها مباشرة أميركا، وتليهما الصين وبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان. وهذه الدول السبعة دخلت في معاهدة حضر انتشار السلاح النووي عام 1991، فيما بقيت كوريا الشمالية وإسرائيل خارجها، وإيران كانت تحاول أن تلحق بركبهم.
هذا التوزع للخارطة النووية الذي يغطي المعمورة حال انفلاته عن السيطرة شديد الرعب، فكيف مع تطور التقانات النووية! حيث تطورت معه أسلحة الردع العالمية، والأسلحة التكتيكية التي تستخدم البلوتونيوم بدلاً من اليورانيوم، والمستخدمة في نطاق محدود ومركز، تلك التي تم التهديد بها مراراً في خضم الحرب الروسية على أوكرانيا. هذا بالإضافة لأسلحة اليورانيوم المنضب والذي أفادت تقارير عالمية متعددة عن استخدامه في غزو العراق وحرب البلقان. فبينما قالت أميركا أنه سلاح حراري فتاك مضاد للدروع، أفادت المسوح الاشعاعية عن زيادة مضاعفة في سرطانات الدم خاصة لدى الأطفال العراقيين، وارتفاع الحد الأدنى الاشعاعي الطبيعي ليتجاوز حدود الخطر العالمي في مناطق استخدامه. فكيف إذا ما علمنا أن واحد كغ من اليورانيوم المنشطر نووياً سينتج طاقة لحظية، في أجزاء من الثانية وقبل أن “ترمش العين”، تعادل حرق 25 ألف طن من الفحم، وهذه تحتاج لسنوات لحرقها! طاقة هائلة لحظياً وحرارة تعادل درجة حرارة الشمس تقتل البشر والشجر والحجر في موقع الضربة النووية، ومنطقة تفريغ ضغط هائلة، وآثار سرطانية قاتلة لنواتج الانشطار النووي المنتقلة بالهواء وامتداد عمرها وفعلها التخريبي الجيني لأجيال بعدها، والتي قتلت في اليابان أمثال ما فعلته القنبلة بلحظتها!
أمام هول ما قد نقرأه عن الحدث النووي نتساؤل: أليس صحيحاً أن التطور التقني النووي هو الذي قاد السياسة والوضع العالمي لهذه المواقع المتقدمة في مآزقها؟ وحقيقة الأمر أن السياسة هي التي توجه العلم لموقع مختلف عن غايته. فالسياسة المركوبة بحلم الهيمنة المفردة على العالم حتى وإن فنيت مدن بأكملها وهددت السلم العالمي برمته هو الأزمة العالمية بذاتها. فلا يخفى على أحد أن إيران كانت شراً كبيراً بالمنطقة ساهمت بدمار عدة مدن ودول عربية بدءاً من العراق لسوريا ثم لبنان واليمن ولابد من تحجيمها، لكن حرب إسرائيل وأميركا ضدها وارتداداتها الممكنة والمحتملة شر أكبر وخطر داهم. فرغم الدخول في جولة تفاوضية جديدة لكنها محكومة بتهديدات كبرى! وأمن الخليج العربي ومدنه وإغلاق مضيق هرمز وانقلاب أسعار البترول وتغيرات مؤشرات الاقتصاد العالمي جميعها ما زالت تحت الخطر الشديد! أما ما لا يتخيله عقل هو هذا التوجه للتلويح باستخدام السلاح النووي، والجميع يدرك مدى أخطاره الفائقة عالمياً. ليصبح السؤال الحق عما تريده سياسات الغطرسة والقوة هذه من كل هذا الدمار والحروب ونتائجها الكارثية؟ وهل هو دليل قوة أم ضعف؟ وأظنها لا هذه ولا تلك! بل دليل فاضح على العبث بمصائر البشر والحياة عامة سواء ما فعلته إيران سابقاً أو إسرائيل وأميركا اليوم. فالحرب المولدة لأقسى درجات العنف لا يمكن تبريرها سياسياً، حسب “حنّة أرنت” في كتابها “في العنف”، فكيف وأن تطورت أدواتها لتصبح قابلة لاستخدام السلاح النووي! وأهداف هذه الحرب في الشرق الأوسط أبعد من لجم إيران عن امتلاك السلاح النووي، بقدر الذهاب لإعادة جدولة قواعد السيطرة العالمية على ممرات الطاقة والتجارة البرية والتفرد بها عولمياً، ما سيستدعي تدخلات دولية كبرى، والرعب العالمي بازدياد!
هذه الحرب شرٌّ كبير لا يقل عن شرور إيران السابقة، والعمل على وقفها وعدم الانجرار لدخولها هو العقلانية بعينها؛ فهل يمكن أن يظهر من جديد “هيروهيتو إيراني” اليوم قبل تكرار الكارثة وظهور خفافيش الظلام النووية وضح النهار؟!
المصدر: تلفزيون سوريا






