إما أن تكون قيامة لبنان أو الظلام الأبدي لنا

عمر قدور

فرضت عملية “الظلام الأبدي” نتائجَها سريعاً، إذ أُُعلن عن بدء مفاوضات مباشرة بين الحكومة اللبنانية وتل أبيب. العملية كانت غير مسبوقة من حيث كثافة القصف الإسرائيلي الذي تعرّض له لبنان خلال دقائق معدودة، وما نجمَ عنها يبدو منطقياً بناءً على اختلال ميزان القوى، وإن ظهر خارج منطق المقاومة والحزب الذي لا يعترف عادةً بعواقب الاختلال الكبير. بينما في الجانب الآخر، كان نتنياهو صريحاً في وضع النتيجة التي يريدها من المفاوضات: نزع سلاح حزب الله وإقامة علاقات سلمية.

نظرياً، تحقق أول المطالب الإسرائيلية بفصل مسار المفاوضات مع لبنان عن مسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وهو أيضاً مطلب لقوى لبنانية تريد أن يكون قرار الحرب والسلم سيادياً، غير مرتبط بحسابات إقليمية، أو رهن مشيئة طرف لبناني. أما مطلب نزع سلاح حزب الله فلا يمكن واقعياً فصله عن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، والأخيرة قد ضمنت فيما يبدو حتى الآن بقاء النظام الحاكم، وبقاء نفوذه في العراق واليمن، ليكون الكلام عن أذرعه منصرفاً إلى لبنان في المقام الأول، وربما الأخير أيضاً.

ولا بد من ملاحظة أن فصل المسارين، الإيراني واللبناني، هو شكلاني في البداية، بسبب تأثير مجريات المفاوضات الإيرانية-الأميركية على المسار اللبناني، لذا يبدو الفصل المطلوب في النتائج أكثر مما هو في البداية. وسيتحقق الفصل إذا قبِل الحزب، المواكب للمفاوضات على الجانبين، نزعَ سلاحه. وهذا لا يعني انتهاء دوره في لبنان، بل سيعني مشاركته في الصيغة اللبنانية الجديدة التي يمكن التحدث فيها لأول مرة بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وبعد انقضاء عهد الوصايتين، السورية والإيرانية.

وبينما يكثر الحديث عن شرق أوسط جديد، لجهة انتهاء الحسابات الإقليمية السابقة، يظهر لبنان في رأس قائمة التغييرات المقبلة. فالأسئلة اللاحقة على الحرب، وقد لا يكون موسمها بعيداً على الإطلاق، تتعلق بالصيغة اللبنانية؛ سواءً أتت بتطبيق الطائف الذي لم يُطبَّق منذ توقيعه، أو بالبحث عن صيغة جديدة، وتفاهمات لا تُقرّ تحت تهديد السلاح، إذا أمكن الوصول إليها من دونه! وسيكون لبنان لأول مرة بلا سلاح خارج عن سيطرة الدولة، التي كان سلاحها ضعيفاً دائماً؛ من حسن حظ اللبنانيين، ومن سوئه أحياناً.

لقد قيل الكثير في معنى لبنان، ولطالما كان على سبيل الإنشاء أو ضمن المزاد السياسي اللفظي. لكن، بالرغم من ذلك، من المفيد جداً استحضار ذاك المعنى الآيل إلى الاندثار، وبواقعية شديدة. فلبنان قدّم النموذج الذي يبدو مستحيلاً حتى الآن في منطقة شرق المتوسط؛ نموذجَ الحريات الذي اندلعت لأجله ثورات في العديد من بلدان المنطقة، ووجِهت بأعتى قوى الماضي، وكأن شعوب تلك البلدان عوقبت لأنها طلبت الحرية يوماً.

من الجيد أن تُستعاد مفردة “اللبننة”، لا للتخويف، بل لتخليصها من حمولتها السلبية، حينما راح يستعملها مستبدون لإخافة الشعوب من مصير مماثل. ومهما قيل عن صعوبات التعايش بين الطوائف اللبنانية فهو مأخوذ مما هو صريح ومعلن في جو من الحرية، والحرب الأهلية اللبنانية، في أعتى أطوارها، لا تضاهي الحروب الداخلية في العديد من بلدان المنطقة، لا من حيث عدد الضحايا، ولا من حيث منسوب الوحشية المستخدمة، ولا من حيث انخراط الدولة في تلك البلدان لتكون طرفاً أساسياً في الحرب.

وفي الحديث عن كون الدولة طرفاً في الحرب، يجب الانتباه إلى مغزى ذلك على صعيد خصخصة الدولة لمصلحة فئة ما، في حين نجا لبنان من الالتباس المدمّر بين السلطة والدولة؛ السائد في معظم بلدان المنطقة. ومن المرجَّح أن وجود الدولة على هذا النحو لعب على نحو خفيّ كصمام أمان أيضاً، إذ لم تأخذ الصراعات اللبنانية المنحى الأكثر راديكالية لجهة الانقلاب على السلطة برمّتها، أو الاستحواذ عليها كما هو حال الاستبداد السائد في الجوار.

كان قدر لبنان، بعد سنوات قليلة على الاستقلال، أن يظهر على خلاف مع مسار الأنظمة الصاعدة في المنطقة. ففي مصر أتى صعود الضباط الأحرار فوق أيديولوجيا لا تقيم اعتباراً للحريات الشخصية، وبعدها بحوالى عقد من الزمن لحق البعث السوري بالتجربة المصرية، ليتأخر عنها لا زمانياً فقط، إنما على مستوى التجربة ككل. لذا بدا لبنان صغيراً وضعيفاً بالمقارنة مع الدور الذي لم يختره أبناؤه له ولأنفسهم، واختارته عنهم ظروف المنطقة.

لكن لبنان، من دون المعنى والقدَر المشار إليهما، يكون ضعيفاً أيضاً، وتنتفي الحاجة إليه، ولا يُستبعد أن يكون مصدراً لأزمات لنفسه وللجوار. والتمسك بجمرة معنى لبنان، على صعوبته، هو الأمل الوحيد المتاح حالياً من أجل اللبنانيين، ومن أجل الجوار أيضاً، ومن أجل ألا يحاول الجوار مرة جديدة تدمير ما هو إيجابي في النموذج اللبناني.

إن عملية “الظلام الأبدي” الكبرى تكون بإدخال لبنان في السياق الذي هرب منه الكيان اللبناني، وأن لا يكون لبنانَ الحريات، وتعايشَ المختلفين الذي لم يكن ولن يكون سهلاً ووردياً دائماً. هو بالأحرى “ظلام” شرق المتوسط الذي سيكون قاتماً جداً، ما لم تُفتح نافذة نور منه، وقد كان لبنان لعقود بمثابة تلك النافذة، وليس من مرشِّح لخلافته في هذه البقعة. فالجوار السوري لا يسير في الاتجاه المؤدي إلى ازدهار الحريات الفردية، وثمة شكوك قوية حول السبيل الذي سيسير فيه بعد المرحلة الانتقالية. والمثال العراقي غير مستقر، وربما يتعزز فيه النفوذ الإيراني كثمن لانحساره عن لبنان.

ما سيؤول إليه لبنان قريباً سيكون على الأرجح مؤشِّراً على حال الجوار أيضاً، لأن نجاح اللبنانيين في الحفاظ على نموذجهم، المتقدِّم ولو نسبياً، يُحسب لهم أولاً، وقد يشجّع البلدان المجاورة بعد انكفاء مطالب الحريات فيها. من جانب آخر، إذا ساعدت قوى إقليمية على بقاء النموذج اللبناني فهذا يدلّ على وجود حد أدنى من نوايا الاستقرار في المنطقة، وعدم المخاطرة بإدخالها بأسرها في ظلام أبدي.

في هذه الأيام شديدة القسوة على اللبنانيين، وبينما هاجسهم الخلاص من “الظلام الأبدي” والإبادي الإسرائيلي، ربما يكون من القسوة تحميلهم ما يتجاوز همومهم المباشرة. لكننا ننطق بدافع الحب إذ نتمنى أن تكون قيامة لبنان، لئلا يكون الظلام الأبدي من نصيبنا جميعاً.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى