دبلوماسية إيران الإقليمية تحت المجهر

   سمير صالحة

تواجه إيران اليوم أزمة ثقة إقليمية متفاقمة، تتجاوز الطابع السياسي التقليدي لتلامس عمق التوازنات الاستراتيجية في المنطقة. فعلى الرغم من إرثها الدبلوماسي وقدرتها التاريخية على إدارة التفاوض وبناء قنوات التواصل، تبدو طهران في موقع مختلف، حيث ما زال منطق النفوذ والهيمنة يتقدم على حساب قواعد العلاقات الدولية وأعرافها.

تسعى إيران إلى تثبيت حضورها الإقليمي عبر أدوات متعددة، تجاوز بعضها الأطر الدبلوماسية التقليدية، ما انعكس سلبًا على طبيعة علاقاتها مع دول الجوار، ودفع بهذه العلاقات نحو مستويات غير مسبوقة من التوتر والتصعيد.

أدى انخراط إيران المباشر في ملفات إقليمية حساسة إلى تعميق الفجوة بينها وبين غالبية عواصم المنطقة، من بيروت ودمشق إلى بغداد وأنقرة ودول الخليج، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة طهران على احتواء تداعيات هذا المسار أو الحد من عزلتها المتنامية.

وتتجلى هذه المعضلة في سلسلة من المؤشرات المتسارعة، من بينها تزايد مذكرات الاحتجاج الرسمية ضد بعثاتها الدبلوماسية، واستدعاء سفرائها بشكل متكرر إلى مباني وزارات الخارجية، وصولًا إلى خطوات غير مألوفة، كإعلان سفرائها شخصيات غير مرغوب فيها، ومطالبتهم بمغادرة الدول المستضيفة. وهي مؤشرات تعكس حجم التصدع في الثقة، وتؤشر إلى مرحلة جديدة من إعادة تقييم دول المنطقة لعلاقاتها مع طهران، في إطار الاستعداد لمسار “اليوم التالي” من الحرب التي تخوضها إيران ضد أميركا وإسرائيل.

كما يضع القرار مسألة السيادة في صلب المواجهة السياسية، في ظل تصاعد الدعوات إلى إعادة ضبط العلاقة مع طهران، وإنهاء حالة الانخراط الإيراني في المشهدين السياسي والأمني، والتي حمّلت لبنان أعباءً داخلية وخارجية متزايدة خلال السنوات الماضية.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة: لماذا تواجه الدبلوماسية الإيرانية اليوم تصدع ثقة حقيقية على المستوى الإقليمي؟ وما الذي يدفع دول المنطقة لاتخاذ هذه الإجراءات في هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل نحن أمام ردود فعل تراكمية تدفع نحو إعادة صياغة العلاقات الإقليمية مع إيران؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة؟

تعكس خطوة قرار طرد السفير الإيراني في لبنان مستوى متقدمًا من التوتر، لا يرتبط فقط بطبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، بل يتصل بإصرار طهران على التمسك بلعب ورقة حزب الله في صياغة المعادلات السياسية والأمنية، سواء داخل لبنان أو في امتداداته الإقليمية. ويحمل قرار الخارجية اللبنانية أبعادًا تتجاوز الإجراء الدبلوماسي التقليدي، إذ يعكس تحولًا في مقاربة دولة الأرز تجاه الدور الإيراني، ويبعث برسائل واضحة، في مقدمتها رفض التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية ومحاولات التأثير على خيارات بيروت وعلاقاتها مع محيطها العربي والدولي.

كما يضع القرار مسألة السيادة في صلب المواجهة السياسية، في ظل تصاعد الدعوات إلى إعادة ضبط العلاقة مع طهران، وإنهاء حالة الانخراط الإيراني في المشهدين السياسي والأمني، والتي حمّلت لبنان أعباءً داخلية وخارجية متزايدة خلال السنوات الماضية.

تدعو طهران أميركا لاحترام سيادتها، في وقت تُتهم فيه بتقويض سيادة دول أخرى عبر دعم قوى محلية فاعلة تتحرك ضمن أجنداتها الإقليمية. وفي المقابل، ترى طهران أن سياساتها الإقليمية تندرج ضمن إطار حماية أمنها القومي ومواجهة التهديدات الخارجية، في ظل ما تعتبره عدوانًا أميركيًا–إسرائيليًا عليها. وتؤكد أن دعمها لحلفائها يأتي في سياق بناء توازن ردع إقليمي، معتبرة أن ما يُوصف بالتدخل هو، في جوهره، تعاون مع قوى محلية ضمن معادلات أمنية وسياسية لا بد منها. كما تحاول، منذ سنوات، الدفاع عن مقاربتها الأمنية التي تقوم على نقل خطوط المواجهة إلى خارج حدودها الجغرافية، واعتماد استراتيجية الرد الاستباقي لحماية مصالحها. غير أن هذه التبريرات لا تبدد، حتى الآن، حالة القلق المتزايدة لدى دول المنطقة.

من هنا، لا يمكن قراءة ما جرى في لبنان كحدث عابر، بل يشكل مؤشرًا على مسار أوسع من إعادة تعريف العلاقة الإقليمية مع إيران، وقد يكون مقدمة لتحركات سياسية ودبلوماسية إضافية تهدف إلى تقليص نفوذها ودفعها إلى مراجعة سياساتها في المنطقة ككل.

تمثل الكويت نموذجًا آخر للدول التي واجهت ضغوطًا إيرانية، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة تحت ذريعة استهداف القواعد الأميركية. وقد استدعت الخارجية الكويتية السفير الإيراني لديها أكثر من مرة للتعبير عن احتجاجاتها، لكن الخطوة الأبرز جاءت في أعقاب سلسلة من الاعتقالات والتحقيقات الأمنية التي استهدفت أفرادًا مرتبطين بأنشطة تمس أمن الدولة، حيث أشارت تقارير إعلامية محلية وعربية إلى تورط السلطات الإيرانية أو محاولتها التأثير في هذه التحركات.

تعكس المواقف الكويتية أيضًا رسالة إقليمية واضحة: الدول العربية، ودول الخليج تحديدًا، أصبحت أكثر يقظة وتماسكًا وصلابة في مواجهة النفوذ الإيراني ومحاولة التدخل في شؤونها، وهو ما يُعد تهديدًا للأمن القومي والاستقرار الإقليمي.

تواصل إيران استهداف دول الجوار بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تحت ذريعة مهاجمة القواعد العسكرية الأميركية هناك. وهي تدرك جيدًا أن هذه الممارسات تضعها أمام مأزق سياسي ودبلوماسي مفتوح. فهي تراهن على تحويل اعتداءاتها اليومية إلى أوراق ضغط سياسية وأمنية واقتصادية، متجاهلة أن صبر دول الجوار على السلوك الإيراني لن يستمر إلى ما لا نهاية. إن خروقات سيادة هذه الدول لن تمنعها من ممارسة حقها المشروع في الدفاع عن أراضيها، وهو ما يعكس صعوبة استمرار السياسات الإيرانية على نسقها التقليدي دون دفع ثمن سياسي ودبلوماسي وعسكري.

تردد إيران أن حماية مصالحها في الإقليم تعتمد على التوازن بين القوة والنفوذ السياسي والالتزام بعلاقات حسن الجوار، لكن ممارساتها على الأرض في الأسابيع الأخيرة ذهبت كلها باتجاه مغاير. دول المنطقة تتحرك اليوم باتجاه وضع حد لطريقة تعامل طهران مع الملفات الإقليمية، والدفع باتجاه تكييف سياساتها بما يحافظ على مصالحها بما تملكه من أدوات ووسائل.

تقف الدبلوماسية الإيرانية عند مفترق طرق حاسم: بين ماضيها وحاضرها. الاعتداءات والاستفزازات الحاصلة ستقود حتمًا إلى عزلة سياسية إيرانية متزايدة، وتآكل نفوذها وتراجع سياساتها وعلاقاتها مع دول المنطقة.

يمثل استدعاء سفراء إيران من قبل الدول المضيفة، من منظور القانون الدولي، حقًا شرعيًا لحماية الأمن الوطني وفق اتفاقيات فيينا، ويشير إلى أن أي تدخلات مستقبلية قد تواجه مزيدًا من الإجراءات السياسية والدبلوماسية على أكثر من مستوى. أما من منظور استراتيجي، فتعكس هذه الخطوات أن طهران ستواجه قيودًا متزايدة على قدرتها في ممارسة نفوذها التقليدي، وأن استمرار سياساتها الحالية سيؤدي إلى توسيع دائرة الرد بأكثر من وسيلة.

بذلك، تقف الدبلوماسية الإيرانية عند مفترق طرق حاسم: بين ماضيها وحاضرها. الاعتداءات والاستفزازات الحاصلة ستقود حتمًا إلى عزلة سياسية إيرانية متزايدة، وتآكل نفوذها وتراجع سياساتها وعلاقاتها مع دول المنطقة.

نظرة خاطفة على مواقف العديد من دول الإقليم حيال السلوك الإيراني الاستفزازي حتى اليوم، تظهر كيف تعاملت هذه القوى الفاعلة بصبر ودراية لتأمين استقرار سياسي ودبلوماسي وأمني في ملفات مشتركة مع جيرانها. ما فعلته إيران ذهب باتجاه معاكس لمنطق أن ضبط التوتر عبر الدبلوماسية الدقيقة والمفاوضات البناءة يحقق نتائج أكثر استدامة من الاعتماد على القوة أو التلويح باستخدامها.

كما قيل في الدبلوماسية: “القوة بلا حكمة تزرع العزلة أكثر من النفوذ”، وهي مرآة ينبغي على طهران مواجهتها إذا ما كانت راغبة في إعادة بناء الثقة مع جيرانها وتجنب المزيد من العزلة الإقليمية.

تواجه إيران اليوم مفترق طرق إقليميًا حاسمًا: إما المضي قدمًا في سياسات التدخل المباشر والضغط العسكري والسياسي، ما سيؤدي إلى تعميق عزلة طهران وتآكل نفوذها التقليدي، أو إعادة صياغة سياستها الإقليمية عبر استراتيجية متوازنة تجمع بين التهدئة والرغبة في الحوار والتفاوض البناء، والالتزام الصارم بالأعراف الدبلوماسية الدولية. إن قدرة طهران على استعادة ثقة جيرانها وتجنب مزيد من العزلة ستتحدد بخياراتها في الأيام المقبلة.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى