
كان من اللافت في إعلان الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية عطلة عيد الفطر أنها صدرت لأعياد: (الثورة، والفطر، والأمّ، والنوروز) معاً، لتبدو تشكيلة أعياد مميزة دينية وسياسية واجتماعية مميزة لا تترك أحداً من السوريين دون عيد واحتفال؛ فلولا أول هذه الأعياد “الثورة” لم يكن آخرها “النوروز” الذي اعتُرف به أول مرة بعد التحرير فيما أفاده الكُرد من سوريا الجديدة بالمرسوم رقم 13، الذي أعاد لهم حقوقاً بقيت مسلوبة منهم لعقود؛ فأفادوا من الثورة ضد نظام البعث والأسد البائد وإن لم يحاربوا ضده طوال سنوات الثورة كلها مع أنهم من أكثر المتضررين منه لعقود؛ لكنها ثورة الكرامة التي كسب معها جميع السوريين، مَن كانوا معه فضحَّوا وبذلوا ومَن تفرّجوا بأقلّ تقدير.
ومع هذا الفرحة بهذه الأعياد للجميع يعلق في الحلق تساؤل: تكرر على لسان الرئيس الشرع وغيره: “الثورة السورية انتهت وبدأت مرحلة الدولة”؛ فإن كانت الثورة انتهت، وعيدُها لحفظ تاريخها فقط، فلماذا عادت الاحتفاليات على امتداد سوريا في الذكرى الخامسة عشرة للثورة؟
هل ذلك لأن الدولة التي بدأنا ببنائها هذه الأيام مَدِينة بفضل بنائها للثورة التي انطلقت في آذار2011؛ فالاحتفال اليوم هو على الوفاء فحسب؟ ويبعد أنّ السوريين الأحرار أبناء الثورة شعروا بالحنين إلى الثورة بعدئذ لم يجدوا في الدولة كل ما منَّوا به أنفسهم طوال سنوات الثورة، فرجعوا يحتفلون بثورتهم وإن لم تكن مناسبة عامة يحتفل بها الجميع في دولتهم؟!
هل يلزم أن تنتهي الثورة حتى ندخل في مرحلة بناء الدولة؟ لماذا الإصرار على تكرار تلك الكلمة بأسلوب صار يوهم، أو يبرهن لبعض مَن يعجبهم ذلك أن الثورة = فوضى = همجية = عناد وحربجية، وهذه قيم وأخلاق لا تتوافق مع بناء الدولة التي فيها كل شي مستقيم منتظم إلا ما يتصل بالثورة!
عابَ بعضُ إيرانيي الهوى على السوريين من قريب ابتهاجهم ببعض الهَلكَى من قتلى إيران وأتباعها بتوزيع البقلاوة وأنها لا تبني الدولة الجديدة، ثم جاء هذا الإعلان؛ فهل يُعترض عليهم كذلك أن لهم أعياداً كثيرة والأعياد لا تبني كذلك الدولة، وأن هذه الأعياد تُرضي جميع السوريين؛ فمَن لم يحتفل بعيد الفطر الذي للمسلمين احتفل بعيد الأم الذي للجميع، ومَن لم يكن مع الأحرار فيحتفل بعيد الثورة احتفل بعيد النوروز مثلاً؟
حيث إن هذه الأعياد هي جزء من هوية سوريا الجديدة فهي تبني الدولة وإن لم يعجب أولئك؛ فأنْ يجد أبناء الثورة الذي ضحّوا طوال سنوات ذكرى ثورتهم باقية وإن أُعلن انتهاؤها فهذا حقّ، وأن يجد كُرد سوريا عيد النوروز ضمن أعياد الجمهورية فهذا يُسعدهم لأنه من حقوقهم. والأصل في أعياد الدولة كلها أن تكون لجميع أبنائها؛ فلابد أن يقتنع الكُرد أنه لولا أن ثورة الكرامة انتصرت لم يكن المرسوم 13 وترجع لهم حقوقهم ويكون لهم عيد يحتفلون به في دار الأوبرا بدمشق كما أعلنت وزارة الثقافة “تأكيداً على ثراء التنوّع الثقافي السوري، وترسيخاً لقيم التعايش بين المجتمع السوري”؛ وعلى هذا فما يُسعد الكُرد بهذه المناسبة التي لا تتعارض مع مبادئنا وقيمنا فهو يُسعدنا، ولكن مع تثبيت أنه لم يكن لنصل إلى مهرجان عيد النوروز بدمشق لولا ثورة الكرامة التي وصل أبناؤها دمشق وحرّروها من النظام البائد. فذكرى الثورة مناسبة عامة لجميع السوريين من عرب وكُرد وتركمان وآشور وشركس وسريان، وتحت رايتها ينال الجميع حقوقهم وإن لم يشاركوا فيها بالدماء والآلام كما فعلت الأكثرية، والنوروز يوم يفرح فيه جميع السوريين ما دام هو فرحةً لمكوّن رئيس في البلد وحقّاً تحصّل لهم بعد انتصار الثورة وتحرير البلد ممن خرّب تنوّعها ودمّر نسيجها الاجتماعي بأبشع مما دمّر اقتصادها وجيشها ومؤسساتها، وعلى جميع السوريين أن يفرحوا بعودة الحقوق لأصحابها؛ فالبلد لا تُبنى إلا بجميع أبنائها، ولا يشارك بالبناء إلا مَن يشعر أنها بلده، ولا يشعر بهذا مَن لا يُعطى حقّه ويُصان له.
وهنا يرجع ذلك التساؤل: هل حقّاً الثورة انتهت؟
بعد تلك المقدّمة نضيف: هل يلزم أن تنتهي الثورة حتى ندخل في مرحلة بناء الدولة؟ لماذا الإصرار على تكرار تلك الكلمة بأسلوب صار يوهم، أو يبرهن لبعض مَن يعجبهم ذلك أن الثورة = فوضى = همجية = عناد وحربجية، وهذه قيم وأخلاق لا تتوافق مع بناء الدولة التي فيها كل شي مستقيم منتظم إلا ما يتصل بالثورة!! وفي زلّة لسان من مسؤول سوريّ: “طلعت المعارضة سهلة؛ لأننا كنّا كلما فعل النظام البائد شيئاً قلنا بخلافه، ولكن حينما صرنا الدولة وجدنا الأمر أصعب بكثير؛ لأن البناء أصعب من الهدم، فالآن نحن دولة ولسنا معارضة”!!
أجزم أن الرئيس الشرع لم يقصد حينما قال تلك الكلمة الإساءة للثورة، ولعلّ المحافظ الموقّر لم يقصد كذلك تسخيف كل ما أنجزناه خلال سنوات “المعارضة”؛ إلا أن يُراد لنا تصديق أن أبناء الثورة ليسوا بأكفاء، ولا يصلحون لإدارة البلد بعد أن حرّروها؛ فهم “شوفيرية بنادق”، وعليهم أن يتنحّوا ليفسحوا المجال لغيرهم للإدارة؛ شكر الله سعيهم!!
لاسيما وأنّ هذه تأتي مع عدة كلمات ومواقف انتشرت واشتهرت على وسائل التواصل الاجتماعي، فيها إساءة لهذه المجموعة أو تلك، بأوصاف لا تليق ولا تخرج عن تلك المزاعم على الثورة وأبنائها.
ليس من المبالغة في الثورية أن لا سقف يجمع السوريين أعلى من سقف ثورة الكرامة بقيمها التي انطلقت منها وبلغت تحرير سوريا من النظام البائد، ولن تصلح الدولة التي تجمعنا وهي موزّعة بين بقايا النظام البائد وتطعيمات من الثورة..
ثم ففي الأعياد المعلن عن عطلتها عيد ديني “الفطر” وآخر اجتماعي “الأم” مع ذينك العيدَين اللذين لا يخلوان من طابع سياسي ووطني؛ ولن يكون من الغلوّ والتنطّع أن نستحضر سلامة الحياة الدينية وسلامة الحياة الاجتماعية بضوابط الثورة والسِّلم بين مكوّنات المجتمع كما سبقت الإشارة إليه بذكرى الثورة والنوروز. وما حصل في الحياة الدينية من تقدُّم لم يحصل في الحياة الاجتماعية ما يوازيه بعدُ؛ فقد وصلنا في الأولى إلى إطلاق ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، وهو خطوة مهمة ومتقدّمة على صعيد ضبط الخطاب الديني ووحدة الصف وتجاوز الخلافات، وقد سبقت فيها سوريا الثورة خلال عام من التحرير دولاً مستقرة منذ عقود لم تصل هذا المستوى في ضبط الخطاب وتوحيد الصف الإسلامي. وتمامه الذي يدخل في الحياة الاجتماعية في ظل مكتسبات الثورة أن يكتمل إلى وحدة الخطاب الديني لكل مكوّنات المجتمع السوري؛ وهذا ما ذكر مستشار الرئاسة للشؤون الدينية “عطون” أنه الخطوة التالية لهذه الخطوة، وهو ما نؤمّله لاستقرار الحياة الاجتماعية أكثر، وضبط ما يُطلق هنا وهناك من إساءات وتجاوزات ضد الآخرين. فالواقعية تقتضي منا الإقرار أن المجتمع السوري منقسم أفقياً وعمودياً كما لم يكن من قبل؛ ففضلاً عن الانقسامات السابقة بين مجتمع الريف ومجتمع المدينة، والانقسام بين الأغنياء والفقراء لاسيما مع محو أكثر الطبقة المتوسطة، وبين مكوّنات المجتمع وطوائفه؛ صرنا أمام انقسامات جديدة تتشعّب عن الانقسام بين مجتمع الثورة بأماكن نزوحه وتشرّده المتعددة ومجتمع النظام البائد، إذ يجرّ هذا من جديد انقساماً فكرياً وأيديولوجياً واجتماعياً.
وليس من المبالغة في الثورية أن لا سقف يجمع السوريين أعلى من سقف ثورة الكرامة بقيمها التي انطلقت منها وبلغت تحرير سوريا من النظام البائد، ولن تصلح الدولة التي تجمعنا وهي موزّعة بين بقايا النظام البائد وتطعيمات من الثورة؛ فهي بهذا خليط غير متجانس لا يساعد على التغيير والتطوير، ما أشبهها بالبطة العرجاء التي لا تستقرّ مشيتها على نحوٍ واحد.
لن نكون في أعيادٍ وطنيةٍ عامةٍ ونحتفل على الحقيقة ونحن نطعن ببعض، ولن يستقيم لنا أن نحتفل بالأعياد الاجتماعية والدينية والوطنية ونحن نُزري بالثورة وأهلها بعد أن وصلنا بها إلى حيث نحن اليوم نقول وننتقد؛ وإنّ الثورة لم تنتهِ، ولن تنتهي ما دام في البلد اعوجاج وفساد؛ فالثورة فكرة، والفكرة لا تموت.
المصدر: تلفزيون سوريا






