هل تحاول إسرائيل نقل معركة حزب الله إلى الجغرافيا السورية؟

صهيب جوهر

لم يعد ممكناً قراءة الضربات الإسرائيلية المتكررة في جنوبي سوريا بوصفها ردود فعل موضعية أو عمليات محدودة ذات طابع أمني تكتيكي. ما يتكشف تدريجياً هو نمط متماسك من السلوك الإسرائيلي يهدف إلى إعادة توزيع جغرافيا الصراع مع حزب الله، عبر توسيع مسرح العمليات إلى خارج الحدود اللبنانية، وتحديداً باتجاه الداخل السوري. هذه المقاربة تعكس إدراكاً متزايداً لدى تل أبيب بأن حسم المعركة مع الحزب داخل لبنان وحده لم يعد خياراً واقعياً أو منخفض الكلفة، ما يدفعها إلى البحث عن ساحات بديلة أو مكمّلة.

في هذا السياق، يتحول الجنوب السوري إلى مساحة وظيفية في الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس مجرد هامش جغرافي. فتكثيف الضربات، واستخدام عناوين مثل “حماية الدروز”، أو “منع التموضع العسكري”، لا يبدو إلا كغلاف سياسي لسياسة أعمق تقوم على خلق بيئة توتر مزمنة، تُبقي دمشق تحت ضغط مستمر، وتفتح المجال أمام احتمالات التصعيد في أي لحظة. الأهم من ذلك، أن هذه البيئة لا تستهدف فقط ضبط السلوك السوري، بل إعادة توجيهه.

الضربة التي استهدفت قوات الجيش السوري في درعا يمكن فهمها ضمن هذا الإطار المركّب. فهي من جهة رسالة مباشرة بأن إسرائيل لن تسمح بإعادة تثبيت السيطرة السورية الكاملة جنوباً، ومن جهة أخرى محاولة لفرض “قواعد اشتباك سياسية” أكثر منها عسكرية. أي أن تل أبيب تسعى إلى التأثير في خيارات دمشق الاستراتيجية، لا فقط في تحركاتها الميدانية.

هنا تبرز نقطة مفصلية، وهي أن إسرائيل لا تضغط على سوريا فقط كي لا تتحرك، بل كي تتحرك في الاتجاه الذي تريده. وهذا فارق جوهري. فالهدف غير المعلن لا يقتصر على تحييد الجنوب السوري، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة دفع دمشق نحو الانخراط في معركة ضد حزب الله، تحديداً في منطقة البقاع وعلى طول الحدود اللبنانية–السورية.

يتحول الجنوب السوري إلى مساحة وظيفية في الاستراتيجية الإسرائيلية، وليس مجرد هامش جغرافي. فتكثيف الضربات، واستخدام عناوين مثل “حماية الدروز”، أو “منع التموضع العسكري”، لا يبدو إلا كغلاف سياسي لسياسة أعمق تقوم على خلق بيئة توتر مزمنة، تُبقي دمشق تحت ضغط مستمر

والمؤشرات السياسية والدبلوماسية، إلى جانب التسريبات الإعلامية، توحي بوجود رغبة أميركية–إسرائيلية في اختبار إمكانية إشراك سوريا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مسار نزع سلاح الحزب. وبالنسبة لإسرائيل، فإن إدخال طرف بحجم سوريا إلى هذه المعادلة قد يشكل نقطة تحوّل في ميزان القوى.

ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي عن الخطاب الموازي الذي يركّز على قدرات حزب الله الصاروخية، وخاصة ما يتعلق بالصواريخ البعيدة المدى المنطلقة من البقاع. فالإعلان المتعمد عن مدى هذه الصواريخ لا يستهدف فقط الداخل الإسرائيلي أو المجتمع الدولي، بل يوجّه رسائل مركّبة إلى بيروت ودمشق معاً.

بالنسبة للبنان، الهدف واضح: زيادة الضغط على الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية للدخول في مواجهة مباشرة مع الحزب، تحت عنوان حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة تهديد إقليمي. أما بالنسبة لسوريا، فالرسالة أكثر تعقيداً: هذه القدرات موجودة على حدودك، وقد تتحول في أي لحظة إلى تهديد لك، وبالتالي فإن الحياد لم يعد خياراً آمناً بالضرورة.

هنا تحديداً تتضح إحدى أدوات الضغط الإسرائيلية الأكثر حساسية، تحويل حزب الله من حليف محتمل أو عامل توازن في الحسابات السورية، إلى مصدر تهديد كامن يجب التعامل معه. ما يبدو أنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين دمشق والحزب، عبر إدخال عنصر الخطر المباشر.

المنطق الإسرائيلي في هذا السياق يقوم على فرضية بسيطة لكنها عميقة، لا يمكن هزيمة حزب الله عبر جبهة واحدة. لذلك، فإن فتح جبهة ثانية، أو حتى خلق بيئة اشتباك ممتدة على الحدود اللبنانية–السورية، قد يؤدي إلى استنزاف قدرات الحزب، وتفكيك تركيزه العملياتي، وإرباك منظومته القيادية.

من هذا المنظور، يصبح دفع سوريا نحو الانخراط في المواجهة هدفاً استراتيجياً بحد ذاته، وليس مجرد خيار تكتيكي. فنجاح هذا السيناريو يعني عملياً نقل جزء من العبء العسكري والسياسي عن إسرائيل، وإعادة توزيع كلفة المواجهة على أطراف أخرى في الإقليم.

لكن هذا الرهان يصطدم بعقبة أساسية، وهي الحسابات التي تقاس بماء الذهب التي أعلن عنها الرئيس السوري أحمد الشرع صبيحة عيد الفطر من قصر الشعب.

حتى الآن، تبدو سوريا أقرب إلى إدارة الحذر منها إلى الانخراط في المغامرة. فدمشق تدرك أن أي تدخل عسكري مباشر ضد حزب الله يحمل مخاطر متعددة المستويات:

  • أولاً، هناك المخاطر الأمنية الداخلية، حيث قد يؤدي فتح جبهة جديدة إلى إرباك التوازنات الهشة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.
  • ثانياً، هناك البعد الإقليمي، إذ إن أي مواجهة مع الحزب قد تضع سوريا في موقع تصادمي مع إيران، أو على الأقل تعيد صياغة العلاقة معها بشكل مكلف.

إضافة إلى ذلك، تدرك القيادة السورية أن الدخول في هذا المسار تحت الضغط الخارجي سيُفقدها القدرة على التحكم بإيقاع الأحداث، ويحوّلها من فاعل إلى أداة ضمن استراتيجية لا تملك قرارها. لذلك، فإن التريث السوري لا يعكس فقط حسابات آنية، بل يعكس فهماً أعمق لطبيعة الفخ الذي قد تُدفع إليه.

في المقابل، لا يعني هذا أن دمشق خارج المعادلة بالكامل. بل على العكس، هي جزء منها، لكنها تحاول إعادة تعريف شروط مشاركتها، من خلال ربط أي دور محتمل بتوقيت يخدم مصالحها، وبسياق إقليمي يضمن لها مكاسب واضحة، وليس فقط تجنب الخسائر.

لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الأميركي، الذي يبدو أكثر ميلاً إلى إدارة الضغط بدلاً من الانخراط المباشر. فواشنطن، بحسب المؤشرات المتاحة، لا تسعى إلى فتح جبهة سورية واسعة، لكنها ترى في دمشق أداة محتملة يمكن توظيفها ضمن استراتيجية أوسع لنزع سلاح حزب الله أو تقليص قدراته.

هذا الموقف يضع سوريا أمام معادلة دقيقة، وهي الاستجابة الجزئية قد تخفف الضغط، لكنها قد تفتح الباب لتصعيد غير محسوب، في حين الرفض الكامل قد يؤدي إلى زيادة الضغوط السياسية والعسكرية عليها.

ما يجري في جنوبي سوريا لا يتعلق فقط بضربات عسكرية أو رسائل تكتيكية، بل هو جزء من معركة أعمق تدور حول القرار الاستراتيجي في دمشق. إسرائيل تحاول إعادة تشكيل بيئة الصراع بحيث يصبح انخراط سوريا في مواجهة حزب الله خياراً أقرب إلى الضرورة منه إلى الاحتمال.

لكن حتى الآن، يبدو أن دمشق تقاوم هذا المسار، ليس فقط عبر الامتناع عن الرد، بل عبر إعادة تموضع سياسي يحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في القرار.

السؤال المفتوح هنا ليس ما إذا كانت إسرائيل ستواصل الضغط—فهذا شبه محسوم—بل ما إذا كانت سوريا ستنجح في البقاء خارج هذا المسار، أم أن تراكم الضغوط سيقودها، تدريجياً، إلى داخل اللعبة التي تحاول تجنبها.

المصدر: تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى