
خلال الحرب الجارية بين إيران والولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، تُستدعى العوامل الثقافية بشكل كبير، خصوصاً في بعدها الأنثروبولوجي التاريخي. يُعاد إحياء الذاكرة، والتلاعب بالرموز وتوظيفها، فضلاً عن السرديات اللغوية التي يُعبّأ بها المقاتلون والرأي العام، المحلّي والدولي. فليست “الوعد الصادق” و”العصف المأكول” أو غيرها من التسميات سوى شحن ديني وروحي للهجمات التي تشنّها كلّ من إيران وحزب الله، ردّاً على سرديات أخرى تظلّ عموماً مستوحاةً من متن تاريخي قديم يعود إلى إرث الإمبراطوريات والأمم القديمة، فضلاً عن تمثّلات التوراة والتلمود لأقوام مجاورة، وتحديداً الفرس، والإسلام لاحقاً.
ستعثر الأمم المتوثّبة للحروب على سبب ثقافي ما كافٍ لإعلان الساعة الصفر للحرب أو مواجهتها
لا يمكن أن تندلع الحروب من دون استدعاء العامل الثقافي واستحضاره بشكل مكثّف. قد تكون أسباب اندلاعها اقتصاديةً أو سياسيةً أو حتى جغرافيةً تتعلّق بالحدود أو النزاع حول مجاري المياه ومصبّاتها والمناطق الغنيّة بالثروات الطبيعية المتنازع عليها، إلى غير ذلك. ومع ذلك، في أحيانٍ كثيرة، يُقدَّم العامل الثقافي حاسماً في التعبئة وإضفاء مشروعية على الحرب. ويُبتكر من ذلك المعطى الثقافي أو انتشاله من قاع التاريخ، وقد كان منسياً مهملاً، وتحريكه إلى واجهة الصراع. ثمّة نزعة تراجيدية ضرورية في الحروب؛ فالأمم لا تخوض حروبها إلا إذا كانت ترى في الموت تضحيةً تليق بمن سقطوا في جبهات القتال، وإلا كان الموت عبثاً هو أقرب إلى الانتحار الذي لا يليق بعظمة الحروب.
ستعثر الأمم المتوثّبة للحروب على سبب ثقافي ما كافٍ لإعلان الساعة الصفر للحرب أو مواجهتها. رأينا دولاً تتقاسم الديانة نفسها، ومع ذلك اندلعت بينها حروب كانت الثقافة فيها حاضنةً واسعة، كما تطالعنا أيضاً حروب بين بلدان تتقاسم اللغة والديانة. ومع ذلك خاضت حروباً شرّعتها عوامل ثقافية. ولا تخلو الحروب الأهلية بين أبناء الوطن الواحد من وجود عوامل ثقافية، فقد خاضت الجماعات الإثنية والقبلية والدينية حروباً دامية داخل الوطن الواحد، وغذّتها مع ذلك كلّه من عوامل ثقافية. الحروب الأهلية الرواندية والسودانية والعراقية واللبنانية واليمنية كلّها أمثلة من هذه اليد الثقافية الخفية التي تظلّ “الراعي الرسمي” لتلك الحروب.
قد تستند هذه السرديات التي يقدّمها الساسة وقادة الحرب والإعلام إلى رموز ثقافية حديثة، أي ابتُكرت وأُنتجت بالتزامن مع الحداثة الأوروبية، والغربية عموماً، إذ يصوّر الخصوم بعضهم بعضاً استناداً إلى ثنائيات “المتخلّفين” و”المتقدّمين”، وهي ليست في الحقيقة سوى تحديث لثنائية ظلّت منذ قرون عديدة قابلة للترجمة بلغات عصرها، على غرار “برابرة ومتوحّشون” في مقابل “حداثيون”. في هذه الثنائيات الثقافية كلّها المشحونة بذكريات قديمة، أشبه بالخرافات والأساطير لما يشوبها من تضخيم، على غرار معارك كسرى وكورش الأكبر وغيرها، تُؤجّج العواطف ويُعبّأ الناس حتى التوحّش.
كانت الحروب التي شنّتها القوى الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر تُبرَّر باسم “المهمّة الحضارية”، إذ ادّعت تلك القوى المتنافسة والمتنازعة أنها تخوض حروبها القاتلة ضدّ شعوبٍ كادت أن تُباد، رغبةً منها في “إقحام” تلك المجتمعات في دائرة الأنوار والحداثة. بل إنها لم تتردّد في نفي صفة الاحتلال عن فعلها، فنعتته بالحماية والانتداب، إلى غير ذلك. تتصرّف القوى الاستعمارية وكأنها مكلّفة وفق أمر إلهي أو طبيعي بمهمّة تخليص البشر من التخلّف والتوحّش والبربرية. إنها ضمير الإنسانية المزعوم الذي يبرّر تلك الفظاعات كلّها المرتكبة في حقّ بشر آخرين يُنزَّلون إلى مرتبة الوحوش.
تؤكّد جلُّ تنظيرات المفكّرين المتخصّصين في الشؤون الاستراتيجية أن حروب القرن الحادي والعشرين قد تتغيّر أسبابها، فتسمّى حروب مياه أو حروب طاقة، إلى غير ذلك، لكنّها ستكثّف شرعيتها بكلّ التبريرات الثقافية الممكنة. وقد يكون من أهم تلك التبريرات المستقبلية خوض الحروب ضدّ “الإسلام” بوصفه ثقافةً تحديداً، خصوصاً أن عديدين منهم يعتقدون أن الإسلام لا يخلو من روح قتالية دفينة قد تستنهضها بعض الجماعات الإرهابية المتطرّفة. ولذلك يُعدّون من جهتهم لهذه المعركة ثقافياً أيضاً، ولديهم خطط من أجل ضمان غلبة ثقافية.
لا يمكن أن تندلع الحروب من دون استدعاء العامل الثقافي بشكل مكثّف
حين اندلعت الحرب العالمية الثانية، تفطّنت النازية إلى أهمية التبرير الثقافي للحرب، فضلاً عن أهمية دوره في التعبئة، فكلّفت وزارة الثقافة آنذاك بتقديم سرديتها الخاصّة للحرب، فضلاً عن ضرورة ابتكار مسوّغاتها، ووجدت في التفوّق العرقي الجرماني (المتوهَّم طبعاً) سبباً كافياً، فضلاً عن تحويل “اليهود” إلى أمّةٍ تحتاج إلى المحرقة لما ارتكبوه من شرور وآثام. وهذه الحجج المقدَّمة، المعادية لأبسط حقوق الإنسان، علاوة على سقوطها في نزعة معادية للسامية، كانت آنذاك سلاحاً فتّاكاً لا يقلّ إجراماً عن الأسلحة الألمانية كافّة التي صُنعت. وما إن انتهت الحرب حتى حُلّت وزارة الثقافة وأُحيلت جميع أنشطتها إلى البلديات وغيرها من الهيئات المنتخَبة. لقد كان غوبلز، المقرّب من هتلر، والحائز دكتوراه دولة في فقه اللغة، قد تمكّن من السيطرة على جميع الصلاحيات المتعلّقة بالإعلام والمسرح والسينما والكتاب، واستطاع أن يغسل بصورة واسعة دماغ النُّخب الألمانية بفضل مهاراته وتقنيات الدعاية التي ابتكرها، علاوة على مناخ الخوف والترهيب الذي ساد معه. ولذلك كانت نهايته بشعةً حين أقدم هو وزوجته على قتل أطفالهما الستّة، ثم الانتحار مباشرة.
المصدر: العربي الجديد






