
في أواخر حكم الشاه، تحديدًا في عام 1978، كتب ميشيل فوكو جملةً مهمةً تقول إن “التخلف في إيران هو النظام بذاته“.
وبطبيعة الحال كان فوكو يرى ما يراه الإيرانيون؛ فحكم الشاه لم يكن بأي حالٍ حكمًا يليق بإيران، وكانت فكرة الثورة محقَّةً كلَّ الحق لمواجهة انتهاك حقوق الإيرانيين وهدر ثوراتهم، ووضع حدٍ لممارسات جهاز السافاك الذي كان يشبه منظومة مخابرات الأسد. وبطبيعة الحال، انبهر هذا الفيلسوف لاحقًا بالثورة التي غطَّى أحداثها بوصفه صحفيًا في حينها، وأبدى إعجابه تحديدًا بما سمَّاه “محاولة فتح بُعدٍ روحاني في السياسة”. كان ذلك بعد فترة قصيرة من مقولةٍ للرئيس الأميركي جيمي كارتر في ليلة رأس السنة عام 1977 عندما كان يشرب نخب السنة الجديدة مع الشاه محمد بهلوي حيث قال: “إن إيران جزيرةُ الاستقرار في منطقةٍ مضطربة”. ثم انتصرت الثورة الإيرانية وحوَّلت قبر أبي محمد، رضا بهلوي، إلى مرحاضٍ عمومي، في وقتٍ كان يقول فوكو إن الثورة الإيرانية جعلت رأيه أقرب إلى رؤية الحداثة بوصفها “دانديزم” (Dandysme)، كما كان يراها بودلير، أي إنَّها الأناقة، والجمال الأنيق بذاته. فإذا بهذا الدانديزم، ويا للصدمة، قد اقترن بفكرة المرحاض أولًا، ثم شيئًا فشيئًا، عاد التخلف في إيران هو النظام ذاته، وتمَّ التخلص من أي أحدٍ قد “يُشتبه” بأنَّ له علاقة بالجمال، أو الأناقة، أو الحداثة بوصفها دانديزم، مثل شابور بختيار، ومهدي بازاركان، وكريم سنجابي، وآية الله شريعة مداري، وحتى أبو الحسن الصدر الذي عاد مع الخميني على الطائرة نفسها. وتمَّ استبدال الحرس الامبراطوري بالحرس الثوري الذي صار أكثر سوءًا وإجرامًا. وفي سياق نفي تهمة الدانديزم، وإثبات التخلف، تمَّ قمع أوَّل تظاهرة نسائية في طهران نادت “يسقط الخميني” بعد أقل من شهرين من عودته من باريس، تحديدًا في الثامن من مارس عام 1979، وكانت هذه المدة كافية لإعدام المعارضة. هذا التخلف بالتحديد هو الذي يُعاد إنتاجه، في بلدٍ أبناؤه بعيدون كلَّ البعد عن التخلف، وقريبون بالفعل من الجمال والروح الجميلة وحب الحياة. ويكفي أن يزور المرء إيران مرةً واحدة ليلمس هذه الفجوة بين تخلف النظامين، الشاه والخمينية، من جهة، وبين جمال الإيرانيين من جهةٍ أخرى. ويبدو أن الصراع لم يلغِ هذا التوتر العالي، ولم يضع حدًا لاستمرار التعايش بين النفط والبؤس في هذا البلد الكبير.
إنَّ إغلاق البعد الروحاني في السياسة هو أهم ما يمكن أن نقوم به بوصفنا شعوبًا تريد الحياة الكريمة، والسلام العادل، ولا تمتلك إمكانية فرض إرادتها هذه بالقوة العسكرية، أو التكنولوجية، في عصر الحروب الهجينة والذكاء الاصطناعي.
وعلى أي حال، صارت إيران الآن مضطربة، بعكس ما قاله كارتر؛ ويبدو أن ترمب يحلم في أن يعيدها إلى ما كانت عليه، ليس إلى جزيرة استقرارٍ وفق الفهم الأميركي فحسب، بل إلى جزيرةٍ تعيش في منطقةٍ يريد ترمب أن يجعلها مضطربةً مرةً أخرى ما لم يصبح النفط ثمنًا للاستقرار، وما لم يصبح السلام مربوطًا بطاعة إسرائيل من دون شروطٍ، والموافقة على سلوكها في فلسطين، وفي المنطقة كلها؛ ومن ثم الرضوخ لطريقة هندستها للإقليم بالطريقة التي تريد. وبطبيعة الحال، ما من شيءٍ يدعونا، نحن السوريين، إلى تغيير نظرتنا إلى النظام الإيراني لأنّ إسرائيل تقصفه اليوم، وما من شيءٍ يدعونا لتغيير آرائنا بإسرائيل الإرهابية لأنها تعادي الإيرانيين، بل إن من يكون ضد التخلف والمتخلفين، والإجرام والمجرمين، لا يمكن أن يتحالف مع إرهابيين، وأبناء عصابات.
أهمُّ ما في الموضوع بالنسبة لنا، نحن الشعوب التي لا ناقة لها في هذه الحرب ولا جمل، ألّا يتم بناء التحالفات الجديدة على أسسٍ طائفيةٍ مرةً أخرى؛ فلا يتم العمل على تأسيس “منظومةٍ سنية” للسياسة مثل “المنظومة الخمينية الشيعية” التي تتلقى ضرباتٍ قاصمة في هذه الأيام، فهذه الذهنية في العمل والتفكير هي بالتحديد الحقل السياسي الذي تشعر فيه إسرائيل بالراحة التامة، وهذا الحقل ملعبُها المفضَّل ومنطقةُ شقائنا الدائم. وفي هذا السياق قال نتنياهو استنادًا إلى فهمه الخاص للمنطقة إنّه يسعى إلى التصدي إلى الاثنين معًا.
ويبدو الآن واضحًا أكثر من أي وقتٍ مضى أن الذهنية العقائدية التي تتسلل إلى الذهنيات السياسة على حساب مصلحة الإنسان ورفاهه وسلامة أبنائه في المستقبل، هي بالضبط ذاك البعد الروحاني في السياسة الذي رآه فوكو في إيران وانبهر به، فيما كان هو مصدر الكوارث في الماضي، وسيكون، على الأرجح، الشيء الأبرز الذي يهدد المنطقة في المستقبل ما لم نعتبر. وبطبيعة الحال، هذه ليست إدانةً لفوكو أو ملامةً، فالمسألة بالنسبة لشخصٍ غربي التكوين مغرية ولافتة، كما كانت “الروحانية السنيَّة” مغريةً ولافتةً بالنسبة للكثير من مثقفي سورية، الذين يرون انتصار الشعب السوري على بشار الأسد في أحد أوجهه انتصارًا للسنيَّة السياسية على الخمينية أيضًا. ولكن، يرى كاتب هذه السطور أننا قد عانينا ما يكفي لنقول إنَّ إغلاق البعد الروحاني في السياسة هو أهم ما يمكن أن نقوم به بوصفنا شعوبًا تريد الحياة الكريمة، والسلام العادل، ولا تمتلك إمكانية فرض إرادتها هذه بالقوة العسكرية، أو التكنولوجية، في عصر الحروب الهجينة والذكاء الاصطناعي.
أضعفت الروحانية السياسية إيران، وأنهت فاعلية نفطها، وجيشها، وتركتها مهدمةً يشمت فيها الصديق قبل العدو؛ فإيران الشيعية الخمينية حطَّمت إيران القوية، وهذه الحالة نفسها ستبدأ بالظهور أكثر في إسرائيل اليهودية.
تضعنا الروحانية السياسية دائمًا موضع المفعول به في السياسة الدولية الراهنة. وإضافةً إلى أنها صارت مجربةً، وأنها أنتجت مشروعًا طائفيًا كارهًا للبشر في إيران وكانت سببًا في معظم كوارث الإقليم؛ فإن إرادة إسرائيل وأميركا هي أن تبقى هذه الروحانية، وتمتد لتصبح مشروعًا لبداية “السياسة السنية” في المنطقة أيضًا. ويبدو اليوم أن إسرائيل لديها قناعة بأنَّنا سوف نستمر في اللعب في ملعبها المفضَّل هذا، ولذلك بدأت فعلًا بنسج تحالفاتٍ مع “كارهي الإسلام” من أمثال ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، الذي بدا في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل مُمثلًا استعراضيًا يؤدي دور الصهيوني أكثر ممّا بدا رئيسَ وزراء، وهذا ليس غريبًا فالرجل كارهٌ للإسلام، وصاحب مشروع قومي هندوسي، وكان فاعلًا في حركة رام التي حشدت لهدم مسجد بابري عام 1992، وهو مسجد أثري، تمَّ بناؤه في بدايات القرن السادس عشر.
على أي حال، في النهاية أضعفت الروحانية السياسية إيران، وأنهت فاعلية نفطها، وجيشها، وتركتها مهدمةً يشمت فيها الصديق قبل العدو؛ فإيران الشيعية الخمينية حطَّمت إيران القوية، وهذه الحالة نفسها ستبدأ بالظهور أكثر في إسرائيل اليهودية. فإذا تنبهنا نحن إلى ذلك، وتنازلنا عن البعد الروحاني في السياسية، وأبدلنا به بُعدًا عقلانيًا جماليًا لا ينكر الدين، بل يحترمه أكثر، ويسمو به فينأى به عن الكراهية، وينأى بالدولة عن مفهوم الخلاص، يومها، وبهذا الفهم، نتسلح استراتيجيًا بالسياسة، نحن أبناء المنطقة الذين يرون الحداثة “دانديزم”، وحبًا للحياة، وسعيًا إلى التطور والتنمية، ومستقبلًا جميلًا لأبنائنا. إذًا، لنترك الروحانية في السياسة لإسرائيل ومنتفعاتها، وستكون هذه الروحانية كفيلةً بإضعافها وإنهائها في يومٍ من الأيام.
المصدر: تلفزيون سوريا


