زيلينسكي يعرض خدماته

   زياد بركات

                                      

دخلت الحرب الأوكرانية – الروسية عامها الخامس قبل نحو أسبوعَين، وبوتين في أفضل أحواله: يكسّر الجوز ويلتهمه على مهل مستمتعاً بصوت تهشّمه تحت أضراسه، وعندما ينظر من النافذة ربما يقول لنفسه باطمئنان: لا أحد يستطيع هزيمة دوستويفسكي، حتى لو حذفت جامعات أوروبية أعماله من مناهجها على خلفية الحرب، والحال هذه، ليس ثمّة أجمل من صوت المدافع في الجبهة الأوكرانية.

ليس هذا حال نظيره في الضفة الأخرى من الصراع، فولوديمير زيلينسكي. منذ مجيء ترامب، فقد الرئيس الأوكراني ما كان يظنّها ميزته التي لا تُقاوَم، أنه ضحية بوتين، من دون أن يعترف بأنه كان مجرّد طُعم لاصطياد الرئيس الروسي وتوريطه في مستنقع الحرب، وتحويل دولته (روسيا) إلى قوة إقليمية لا القوة الثانية في العالم. ومنذ ذلك الاستقبال المهين جدّاً له في البيت الأبيض، في فبراير/ شباط من العام الماضي (2025)، وزيلينسكي يبحث عن مقعدٍ حيثما ذهب، فلم تعد المنابر تجدي ولا إلقاء الخطب، ولو عبر الفيديو، لتقريع دول العالم لتخلّيها عنه، بل أصبح البحث عن مكان تحت الشمس ما يسعى إليه. وربما وجدها سانحةً في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لإثبات جدارته بمكانٍ بين الكبار يتيح له عرض قضيته كما في الأيام الخوالي في عهد جو بايدن، حيث كانت الأسلحة تتدفّق والمليارات كذلك، ما كان يبهج السيّدة الأولى (زوجته)، المُغرَمة بالحقائب باهظة الثمن.

يعرض زيلينسكي خدماته: نزوّد دول المنطقة (الخليج) بالمسيّرات المضادّة لمسيّرات “شاهد” الإيرانية، مقابل تزويدنا بالباتريوت، وتحديداً صواريخ باك-3 التي تُستخدم في المنظومة الدفاعية. أنتم تحتاجون إلى دفاعات أرخص وأكثر فعّالية، وهي ما طوّرناه في مسيّرات تتصدّى منذ وقت طويل لمسيّرات “شاهد” التي طوّرتها موسكو، وتقصف بها أراضينا.

تبدو المقايضة مغرية، لكنها ليست عادلةً ومفخّخة، خصوصاً أن الشراء أكثر أماناً لدول الخليج لو فكّرت في ذلك، فلا حاجة إليها للتورّط في حرب زيلينسكي على روسيا واستعداء بوتين، والأخير بالنسبة إليها ليس عدوّاً، وحتى لو كان، فإنه “عدوّ عاقل”. ومن شأن المقايضة التي تقضي بمنح هذه الدول صواريخ باك- 3 لكييف أن تدفع بوتين إلى تكسير كثير من الجوز على سبيل إظهار الغضب، من غير أن يتذكّر دوستويفسكي وحتمية انتصار روسيا في حروبها كلّها.

يتوسّل زيلينسكي: ألا تعرفون أنكم أطلقتم أكثر من 800 صاروخ باك-3 في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب؟ ألا تعرفون أن هذا العدد من الصواريخ يزيد على كلّ ما نمتلكه منها منذ بدء الحرب علينا؟ ولم تكن هذه المقايضة الأولى التي يقترحها وتُرفَض، فقد سبق أن اقترحها في بداية الحرب على بلاده قائلاً: عاملونا مثل إسرائيل، فأنا يهودي أيضاً. وفي هذا لم تتعاطف معه تل أبيب نفسها التي تعرف أكثر من غيرها أن من الحماقة الدخول في عداء مع بوتين من أجل رئيس فاسد.

قد تردّ بعض دول المنطقة بالإيجاب على عرض زيلينسكي، لكنه سيكون قبولاً مشروطاً، لا يرقى في أيّ حال إلى درجة المقايضة التي تعني دخولها الحرب ضدّ بوتين، وتقضي بقبول شراء المسيّرات الأوكرانية والاستعانة بخبراء تشغيلها. وسوى ذلك قد يتلقّى الرجل مديحاً مرتجلاً من هذه الدولة أو تلك التي يعرف قبل غيره أنها سبق أن ساعدته على التوسّط أو سواه، من دون أن تستغلّه على النحو الذي يسعى هو إليه.

ما تحتاج إليه دول المنطقة إنهاء حرب علقت في وسطها من دون رغبتها، أمّا الدفاع عن نفسها فهو ما تفعله، وبكفاءة من دون مساعدة واشنطن نفسها. وحتى لو كانت المسيّرات الأوكرانية أكثر فعّالية، وهذا يحتاج إلى تدقيق وتأكيد، فلن تغيّر تلك المسيّرات شيئاً من مجريات الحرب. ولو كانت كذلك لعرضها زيلينسكي على إسرائيل، ودول الخليج تعرف هذا وسواه.

وممّا تعرفه هذه الدول أيضاً أنها قد تتحوّل خلال هذه الحرب، وبعدها، إلى سوق سلاح، يتنافس كثيرون لعرض بضاعتهم فيها بزعم حمايتها، علماً أنها حرب نتنياهو لا هذه الدول، فلا هي سعت إليها ولا هي تريدها. وهي تعرف قبل غيرها أن كثيرين سيستغلّون اللحظة لتحويلها إلى حرب بين هذه الدول وإيران، قبل أن يتفرّغوا لعرض بضائعهم الأمنية وأسلحتهم، وهم ينظرون من النوافذ مثل بوتين، وفي ظنّهم أن لا أحدَ في المنطقة يقرأ ما يدور في رؤوسهم… انتهى ذلك الوهم.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى