هل بدأ “اليوم التالي”؟

عبد اللطيف السعدون

 

ثمة تحركات لافتة من جماعات عرقية إيرانية عانت من المظلومية عقوداً مديدة باتت هذه الأيام تأخذ من مساحة الاهتمام بالحدث الذي كان الأساس في دفعها هذه الأيام إلى الواجهة، وهو الحرب الماثلة في المنطقة، وتكاد تلك التحرّكات أن تصبح عنصراً استراتيجياً في إدارة الحرب، خصوصاً إذا ما قدّر لها أن تأخذ طابعاً عملياتياً أكثر تأثيراً على الخريطة الإيرانية.

وتراهن هذه الجماعات على احتمال انزلاق الأوضاع داخل إيران إلى درجة عجز نظام “ولاية الفقيه” عن إدارة البلاد على امتداد مساحة شاسعة (1,648,000 كيلو متر مربع) في ظل الحرب المشتعلة، ولأن البلاد نفسها تعيش طوْراً مؤسّسياً جديداً، ما يتيح الفرصة أمام تلك الجماعات لتصعيد نشاطها، وقد بدأت هذه التحرّكات تتسلل الى عناوين الأخبار، وقد تصبح من الأخبار العاجلة بين ساعة وأخرى.

في هذه الغضون، شكلت خمسة أحزاب كردية معارضة تحالفاً سياسياً للعمل على تحقيق أهدافها القومية والاجتماعية، لكن الملاحظ أنه ليست لديها رؤية عملية موحّدة لكيفية تحقيق تلك الأهداف، حيث يرى بعضهم أن بالإمكان التغلغل داخل منطقة محدّدة في غرب البلاد، حيث يقيم معظم الأكراد، وهناك يُشرَع في إنشاء مجالس محلية لتقديم الخدمات للسكان وصولاً إلى تحقيق إدارة ذاتية كاملة، فيما يرى آخرون العمل على تعبئة مواطنيهم لإطلاق انتفاضة شعبية مسلّحة قد تفتح جبهة داخلية جديدة ضد نظام طهران. ويتطلب هذا الخيار دعماً خارجياً قد يكون أميركياً، مع ملاحظة أن الرئيس دونالد ترامب بدا متردّداً في قبول هذه الفكرة لسببٍ أو لآخر، كما أن هناك قيادات كردية ترفض وضع نفسها تحت إمرة واشنطن ما لم تتوفر ضمانات كافية، منها ضمان التسليح الكامل (سلاح ثقيل ومتطور)، خصوصاً أن تجربة العمل مع الأميركيين في السابق لم تكن مشجعة، وقد تتخلّى عنهم واشنطن في أي منعطفٍ تجد نفسها فيه غير محتاجة إليهم، فضلاً عن أن أكراد العراق الذين كان متوقعاً أن يكونوا طرفاً مسانداً فضلوا النأي بأنفسهم عن إبداء أي دعم في الوقت الحاضر، وقد وضعتهم جغرافية المنطقة في موقع بين الأطراف المتحاربة لا يحسدون عليه، وسبق لطهران أن هددتهم بأنها لن تتسامح معهم اذا ما أقدموا على دعم أكرادها بأي شكل، واقترن ذلك بقصف الحرس الثوري مراراً، في الآونة الأخيرة، مباني ومنشآت في إقليم كردستان العراقي، قيل إنها مقرّات عمل، ومراكز إيواء لجماعات كردية مناهضة.

استحقاقات لا بد لأي نظام قادم في إيران أن يقبل بها طائعاً أو مرغماً

ومعلوم أن الأكراد يشكلون ثالث أكبر جماعة عرقية في إيران، يصل عدد أفرادها إلى أكثر من عشرة ملايين يعانون من تمييز متجذر، ومن قمع واضطهاد لازماهم منذ عقود.

ليس الأكراد وحدهم من شرع في التحرّك، إذ هناك الجماعات العربية التي شرع ناشطوها في البحث عن صيغ عمل للتقدّم نحو نيل حقوقها القومية، ويقدّر عدد السكان العرب نحو خمسة ملايين يقيمون في جنوب غرب البلاد، قد أعلنت المنظمة الوطنية لتحرير الأحواز، وهي المنظمة الأكبر تمثيلاً للعرب، أنها على طريق “ضمان انتقال آمن” من إدارة طهران إلى “دولة الأحواز العربية”، ودعت “الدول العربية الشقيقة” إلى الاعتراف بها باعتبارها “تمتلك المقومات القانونية والاقتصادية والديمغرافية والتاريخية والجغرافية التي تؤهلها لتكون دولة حرة مستقلة”، بحسب بيانها المنشور على موقعها الإلكتروني..

ولا تتسع مساحة هذه المقالة للاستدلال على تحرّكات مشابهة لجماعات عرقية أخرى، وكلها تقودنا إلى طرح سؤال عن المدى الذي يمكن أن تصل اليه صحوة هذه الجماعات، وهل بإمكانها أن تتحوّل إلى عنصر فاعل في المعادلة الجديدة التي يراد رسمها لإيران؟ وهل يعني ذلك كله أن “اليوم التالي” للحرب المشتعلة قد بدأ مبكراً؟

كل المؤشرات تقول ذلك. ومن الناحية الواقعية، لم يعد في وسع أحد كبح جماح تلك الجماعات في ظل وضع جيوستراتيجي جديد شرع يتبلور في المنطقة ستكون له مفاعيله وارتداداته على أكثر من صعيد، وقد لا تملك هذه الجماعات القدرة والفاعلية على تحقيق ما تسميه “انفصالاً” عن الدولة الأم. ولكن قد يمكنها إحداث تغييرات جيوسياسية بقدر ما على الخريطة، وهذا ما قد يشكل حافزاً لجماعات مشابهة مقيمة في بلدان قريبة أو بعيدة تسعى، هي الأخرى، إلى تحقيق طموحاتها.

… باختصار، تفضي كل هذه الوقائع إلى فرض استحقاقاتٍ لا بد لأي نظام قادم في إيران أن يقبل بها طائعاً أو مرغماً، وهذا هو منطق التاريخ.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى