
تأخّرت الفصائل العراقية الموالية لإيران نحو أربعة أيام قبل أن تدخل فعلياً في الحرب التي بدأت، منذ لحظة العدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران، بضربة أطاحت المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. وكما هو متوقَّع، استهدفت هذه الفصائل مصالح ومؤسّسات أميركية، وتحديداً بالقصف الصاروخي من شمال محافظة الموصل باتجاه مطار أربيل وقاعدة حرير، حيث يوجد الأميركيون، وكذلك مبنى القنصلية الأميركية الذي أُعلن افتتاحه في 3 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
تنفّس سكّان ناحية عنكاوا (ذات الغالبية المسيحية) شمال أربيل الصعداء، لأن القنصلية انتقلت من مقرّها السابق الذي شغلته 18 عاماً في قلب الحيّ السكني القديم. وقد تعرّض ذلك المقرّ في سنوات سابقة لهجمات من الفصائل. لم يعلن الأميركيون أيّ خسائر مادية أو بشرية جرّاء القصف الصاروخي، إذ اعترضت دفاعات قاعدة حرير والقنصلية جميع الصواريخ. لكن عملية الاعتراض جرت قبل وصولها إلى القنصلية، وتحديداً فوق سماء الحي، ما أدّى إلى سقوط شظايا الصواريخ المتفجّرة فوقه، وتسبّب في اندلاع حرائق في بعض البنايات، وتدمير أجزاء من كنيسة، وسقوط جريح، وقُتل عنصرٌ أمنيٌّ في مطار أربيل الملاصق لحيّ عنكاوا، إضافة إلى شيوع حالة من الهلع بين الأهالي.
تصاعدت الهجمات في الأيام اللاحقة حتى وصلت إلى استهداف قاعدة فيكتوريا قرب مطار بغداد، ثم مقارّ شركات النفط في البصرة، واستهداف أبراج اتصالات تابعة للجيش العراقي، لتبلغ في الخامس من مارس/ آذار الجاري 29 هجوماً خلال يوم واحد. وفي المقابل، كانت الطائرات الأميركية هي التي بدأت الهجوم على الفصائل، إذ نفّذت يوم 28 الشهر الماضي (فبراير/ شباط) عدة ضربات على مقارّها في ناحية جرف الصخر، ما أدّى إلى مقتل عناصر وجرح آخرين، وكأنها رغبت في جرّ الفصائل إلى مواجهة غير متكافئة، ثم انتهى الأمر إلى تبادل الضربات بين الطرفَين، إلى الحدّ الذي اعتبره مراقبون دخولاً رسمياً للعراق في الحرب، خصوصاً مع هجماتٍ نُسبت إلى الفصائل ضدّ مصالح في الكويت والسعودية. ومرّت هذه الأحداث كلّها تفصيلاً جانبياً في صورة الحرب الكبرى التي تتوسّطها الهجمات الإسرائيلية – الأميركية على إيران، والصواريخ الإيرانية على تل أبيب وأهداف إسرائيلية مختلفة.
رافقت مشاركة الفصائل في الحرب حالة من الاستياء الشعبي في العراق، بسبب تداعيات جرّ البلاد لتكون واحدةً من ساحات المواجهة بين الطرفَين، مع صدور بيانات رسمية متحفّظة لم تتهم فصائل بعينها بالاسم، لكنها أكّدت وقوف العراق على الحياد في هذه الحرب، وعدم تعريض مصالح المواطنين أو الهيئات الدبلوماسية الدولية للخطر. في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي البرامج الحوارية السياسية في القنوات الفضائية العراقية، يكاد موضوع الحرب وتداعياتها على الداخل العراقي يكون هو الموضوع الأساس في النقاشات، خصوصاً تلك القضايا التي تتعلّق بالحياة اليومية للمواطنين. فالعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على وارداته النفطية، مقبل على كارثة بعد تراجع صادراته في الأيام الماضية إلى ما بين 60 و70% من المستوى المعهود.
كما أن البلد يعاني من انسداد سياسي، وتديره حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة. وتعاني النُّخب السياسية الحاكمة من صراع مرير بين جناحَين: الأول موالٍ لإيران ويريد الانغماس أكثر في الحرب، وآخر أكثر واقعية وعملية. لكن الطرفَين معاً يتحمّلان مسؤولية وضع العراق على الحافّة بسبب غياب التخطيط للأزمات، وعدم وجود استعدادات للطوارئ، على الرغم من أن البلاد تلقّت إنذارات من حرب الـ12 يوماً بأن حرباً مثل التي تجري اليوم واردة الحدوث، وكان ينبغي الاستعداد لها.
ستفشل الحكومة جزئياً في تسديد مرتّبات الموظفين والمتقاعدين في مواعيدها، وسيعاني البلد من مشكلة في تجهيز الطاقة الكهربائية التي تعتمد على الغاز الإيراني. ومنذ الآن، بدأت السوق العراقية تعاني ارتفاع الأسعار. وعلى الرغم من انخفاض هجمات الفصائل (ساعة كتابة هذه السطور) قياساً بالأيام الماضية، إلا أن التهديدات الأمنية للمواطنين ومصالحهم جرّاء المواجهة بين الطرفَين تبقى مصدراً لقلق دائم.
يكمن الكابوس الحقيقي في احتمال أن تمتدّ الحرب أشهراً طويلةً من دون حسم سريع، وأن يتأخّر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة إلى أن ينقشع غبار المعارك، ويرى الفاعل السياسي العراقي الطرفَ المنتصر كي يمضي معه، بغض النظر عما إذا كان ذلك يصبّ في مصلحة العراقيين أم لا.
المصدر: العربي الجديد


