
في ديسمبر/ كانون الأول من العام المنصرم، احتفل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة باكتمال إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية الذي بدأ الاشتغال عليه في عام 2013. وهو منجزٌ حضاريٌّ كبير لا ينبغي أن يمرّ خبره مروراً عابراً من دون الوقوف على أهميته اللغوية والثقافية التي تتصل بالوظائف المركزية للظاهرة اللغوية الإنسانية في التفاعل الاجتماعي والحياة العقلية وبناء التصوّرات والمفاهيم والمعاني التي يتمثل بها العالم والأشياء في وعينا. فالظواهر الخارجية والموضوعية لا تنعكس في وعينا على حقيقتها الواحدة المستقلة. ولو كان الأمر كذلك، لما اختلف الناس على أمر، ولتطابقت حقائق الأشياء في وعيهم وتصوّراتهم. ولكن واقع الحال أن النظم الرمزية الثقافية التمثيلية (وأعظمها اللغة) تتوسّط بين وعينا والعالم الموضوعي، فنتصوّره ونتمثله ونؤوله من خلالها. وفي سياق التفاعل الاجتماعي، نتفاوض ونتدافع على التأويلات والتعريفات المختلفة للوقائع نفسها، فنسقط عليها المعاني التي نتخيّرها من مرجعنا الثقافي المعرفي اللغوي لخدمة مواقفنا وأغراضنا وفهمنا. وعلى ذلك، تنبني استجاباتنا وردود فعلنا، وتتنوّع سردياتنا المتدافعة، بل المتصارعة أحياناً. والنظام الثقافي في تمثلاته اللغوية الدلالية، وبما يضمه من الرموز والمعاني المتقابلة المتعالقة، يتيح المجال للفاعلين الاجتماعيين لانتقاء المعاني المتخالفة لخدمة مواقفهم، استناداً إلى المرجع الثقافي اللغوي نفسه. وبذلك تتحقق غايتان متعارضتان، وإن كانتا ضروريتين معاً. فمن جهةٍ، استدعاء المعاني المتخالفة من المرجع الثقافي اللغوي نفسه يحافظ على الشعور الجمعي بالانتماء إلى هوية ثقافية جامعة، وفي الوقت نفسه فإن التدافع في اختيار المعاني المتباينة يرفد عملية التدافع والتنازع على المصالح والأغراض. وهي جزءٌ من طبيعة التفاعل الاجتماعي وحيويته وتطوّره، إلا أن يخرج من صفة الاختلاف البناء إلى الصدام والإقصاء المتبادل والتباعد، ما يهدّد النسيج الاجتماعي وينذر بتفكّكه وانحلاله.
على أن التفاوض على المعاني والتعريفات لا يجري على نحو متكافئ، وإنما يخضع لعلاقات القوة. فالأقوى مادّياً ومعرفياً هو الأقدر على تغليب سرديّته وتأويلاته، ولو إلى حين، وعلى الأضعف أن يكافح بكل الوسائل المادية والمعنوية، حتى يعيد تشييد الصورة لمصلحته. وهذا ينطبق على السرديات الكبرى العامة والسرديات الصغرى في سياقات التفاعل الاجتماعي اليومي. وعلى نحوٍ ما، فإن الصراع على المعاني والتعريفات والسرديات، صراع على تشييد صورة الواقع وامتلاكه. ومن هنا تتكشف أهمية النظم الرمزية، ولا سيما اللغوية الدلالية التي تتمثل بها الأشياء والظواهر.
ولا شك في أن اللغة أعظم نظم التمثيل الرمزي. فبها يتم إنتاج المعارف والمفاهيم وتمثيلها في الوعي، ثم تخزينها وإعادة إنتاجها والبناء عليها. فاللغة بكل مستوياتها البنيوية والدلالية والأسلوبية ليست مجرّد وسيلة للتواصل، بل هي الوسيط الأعظم الذي يساهم جوهرياً في تشكيل وعينا ورؤيتنا للعالم. والتطوّر المعرفي في المجالات المختلفة يعني في جوهره تطوّر اللغة التي يتمثّل فيها الموضوع ويحضر في الوعي. واحتجاب المعرفة في ظاهرة ما يعني كذلك أننا لم نتوصل بعد إلى إنتاج اللغة التي تصفها وتمثلها وتشيد صورتها.
معجم الدوحة التاريخي منجز حضاري عظيم يستحق أن يحتفي به الناطقون بالعربية على اختلاف أقطارهم وتقسيماتهم السياسية
اللغة لا تصف وتشير فقط، بل تنشئ وتشيد وتكشف الغائب، وتخرجه من الخفاء. وعلى ذلك، فإن التطور التاريخي لمعجمها ومحمولاته الدلالية هو سجل لتاريخ الثقافة والمعرفة والمجتمع في صيرورته وتحولاته المادية والمعنوية والعقدية والقيمية.
بعبارة أخرى، فإن الدال اللغوي/ Signifier ليس لاحقاً بالمدلول أو المفهوم/ The Signified، بل هما يتخلقان معاً ويتداخلان في الرمز، كما يرى العالم اللساني المؤسس فرديناند دي سوسير. الأسماء هي الأشياء.
وتفيدنا لسانيات تشومسكي ومدرسته التي تنظر إلى اللغة بوصفها ظاهرة إدراكية أن اللغة الإنسانية الطبيعية ذات أصل فطري نولد به، وهو الذي يمكّننا من اكتساب اللغة الأولى على نحو تلقائي غير واعٍ، بخلاف تعلم اللغة الثانية في وقت متأخر بطريقة منهجية دراسية واعية. وتبقى تلك القابلية الاكتسابية الفطرية فعالة على مدى السنوات العشر الأولى من عمر الإنسان أو نحو ذلك، فإذا حجب الطفل عن التعرض لأي محيط لغوي في هذه الفترة لسبب ما، فإن تلك القابلية تتلاشى، وتصبح عملية اكتساب اللغة أو تعلمها مستحيلة، كما دلت بعض الوقائع الاستثنائية. أما في الأوضاع الطبيعية، فإن الطفل إذ يتعرّض للتبادلات الكلامية في محيطه، يعمل جهازه اللغوي الفطري العقلي تدريجياً على استدخال قواعد النظام اللغوي (بمستوياته الصوتية والصرفية والنظمية والمعجمية الدلالية) الذي يتولد به الكلام حتى يكتمل اكتسابه لها، ويصبح قادراً على إنتاج عباراته السليمة في سن الخامسة إلى الخامسة والنصف. وهنا نستدعي تفريق دي سوسير بين اللغة والكلام (Langue Parole) أو الكفاية اللغوية والأداء (Competence /Performance) عند تشومسكي. فالكفاية هي النظام اللغوي الذهني المجرد، وأما الأداء فهو ما يولده ذلك النظام من الكلام الفعلي المنطوق أو المكتوب. وعلى الرغم من أن النظام اللغوي المجرّد يتكوّن من قواعد وعناصر محدودة، فإنه يتسم بالقدرة على إنتاج ما لا يتناهى من العبارات، ومن ثم المفاهيم. وعلى ذلك فإن جل ما نسمعه أو نقرأه من الكلام جديد لم نتعرض له من قبل، ولا نفهمه ونتعقله لأننا اختبرناه واختزناه سابقاً بذاته وعينه، وإنما نتعقله لأن النظام اللغوي الذهني الذي ولده هو النظام نفسه الذي استقبله وتعقل رموزه. فالكفاية أو اللغة نظام عام مجرّد لا يتفاوت فيه الناطقون بلغةٍ ما، بينما الكلام ذو صفةٍ ذاتيةٍ فرديةٍ مبتدعةٍ متعينة. وإن كان متولّداً من اللغة العامة الواحدة. ولذلك يتفاوت الناطقون باللغة الواحدة في مستويات الأساليب والتعابير الكلامية المتحققة ومواهب البلاغة والبيان. فإذ يتم اكتساب الطفل لنظام الكفاية اللغوية في سن مبكرة، يبقى النمو اللغوي الكلامي مستمراً عبر العمر، من خلال توسع معجمه في الحقول المعرفية والدلالية المختلفة، إلى جانب تطور الأساليب الكلامية وتنوعها حسب مقامات القول وسياقاته التداولية. وكل ذلك يجسد توسع الوعي ومهارات التواصل واستدخال الثقافة والمعارف.
ولمّا كانت اللغة المكتسبة ذات أصل فطري طبيعي، فإن اللغات الإنسانية على اختلافها تستوي في قدرتها الكامنة على توليد ما لا يتناهى من الكلام، ومن ثم الأفكار والمعاني والمفاهيم. ولكن الفرق بينها في واقع الحال يتمثّل في خبرتها الثقافية الحضارية المتراكمة في إنتاج المعاني والمعارف والأفكار من خلال نشاط المجتمع الناطق بها، ما يفضي إلى توسع المعجم بكل محمولاته الدلالية. وبهذا تتغلب لغة ما وثقافتها ومعارفها على غيرها، وتضطرّ اللغات الأخرى إلى الاقتراض منها، أو التحول إليها، أو المراوحة بين اللغة القومية واللغة الأخرى المتغلبة في درج الكلام اليومي.
يعين المعجم في التحقّق من صحة الرواية ونسبتها إلى مصدرها الأول السابق على زمن تدوينها
وعلى ذلك، فإن المعجم سجلّ لثقافة المجتمع وتاريخه الفكري وحياته العقلية والمدنية المتطورة. ففي سياق التحولات الاجتماعية والحضارية تنشأ معانٍ ومفاهيم جديدة يعبّر عنها المعجم والأساليب، وتنحسر أخرى أو يقع عليها التعديل والتغيير في مقامات الاستعمال والتداول. ويتجسد ذلك في ما نسميه الحقول المعجمية الدلالية Semantic Fields والحقل الدلالي هو مجموع المفردات (الدوال) التي تنتمي إلى مجال ظاهراتي معين؛ مثل حقول النبات والحيوان والطبيعة والتجارة والأموات والطب والعلوم المختلفة وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية. ومعجم الحقل الدلالي هو شبكة من المفاهيم والمعاني المتعالقة المتقابلة. وكل مفردة فيه تكتسب بعض دلالتها من علاقتها بسائر المفردات في حقلها الدلالي. وفي سياق التطورات الحضارية بجوانبها المادية والمعنوية، تتوسع حقول معجمية دلالية معينة، لتواكب الظروف والمعاني المستجدة، بينما تضمر أخرى لتراجع حضورها العملي والحاجة إليها. وبذلك تتغير صورة العالم وظواهره في وعينا وإدراكنا. وكلما توسع معجم حقل دلالي ما، زاد معنى المفردة الواحدة فيه تخصيصاً ودقة بالتقابل مع سائر المفردات. ومن ثم يصبح وعينا بالظاهرة أكثر اتساعاً وتمييزاً، ومعهما قدرتنا على الوصف والتعبير عنها.
وعلى سبيل المثال، فإن وجود عشر مفردات فقط في معجم حقل دلالي معين يعني أنك ترى الظاهرة المعنية من خلال عشرة تمييزات. أما إن كان معجم الحقل الدلالي نفسه يضم عشرين مفردة، فيعني أنك ترى الظاهرة من خلال عشرين تمييزاً، وهو ما يجعل وعيك بها أكثر اتساعاً ودقة وتبصراً.
وكما أن الحقول المعجمية الدلالية لا تتطابق من حيث سعتها عبر الثقافات المختلفة، فإنها لا تتطابق بين الأفراد والجماعات في الثقافة الواحدة لاختلاف المعارف المتخصّصة والخلفيات الثقافية والاجتماعية والمهنية والاهتمامات والاحتياجات. فالاقتصادي مثلاً يتوفر على معجم دلالي اقتصادي لا يتوفر لعامة الناس، وكذلك حال السياسي والطبيب والفيزيائي والمعماري والناقد الأدبي والفيلسوف وعامل البناء، وقس على ذلك. وبهذا يتضح لنا أهمية العمل التربوي والثقافي والإعلامي لتعريض الفرد لمعاجم الحقول الدلالية المختلفة، ليتسع مدى تصوراته ومدركاته، ويصبح أكثر قدرة على التعبير والتواصل النشط في المجالات الفكرية والاجتماعية المختلفة.
يعين المعجم التاريخي في تحقيق النصوص القديمة وتأويل معانيها وفقاً لما استقرت عليه في زمن تدوينها، لا ما آلت إليه في مراحل لاحقة
ولمّا كان التطور الاجتماعي التاريخي (بجوانبه المادية والمعنوية) يتجلى في التمثيل (Representation) اللغوي الرمزي، فإن الحقول المعجمية الدلالية في حالة مستمرة من التطور والتغير عبر المراحل المختلفة.
في ضوء هذه الحقائق اللسانية التي تتداخل مع الوعي والمعرفة، يمكن أن نتفهم الأهمية القصوى للمعجم التاريخي الذي يتتبع تطور المعجم ودلالات الألفاظ عبر الاستعمالات الوظيفية التداولية، كما تتجسد في النصوص التي ترجع إلى مراحل تاريخية متتابعة. فالمعجم التاريخي على هذا النحو سجل لتاريخ الثقافة والحياة العقلية والمدنية. ومن شأن تتبع رحلة المعجم ودلالاته المتغيرة عبر التاريخ أن يسقط مفهوم الحتمية الثقافية والفكرة القائلة بوجود عقل عربي ثابت ساكن لا تاريخي، يعيد إنتاج الإنسان العربي على نحو نمطي مكرور، وهي فكرة عنصرية تقع في مركز الخطاب الاستشراقي الذي أنتجه المركز الغربي في سياق علاقات القوة والسيطرة. فلم يكن في حقيقته عملية اكتشاف بقدر ما كان عملية تشكيل وإخضاع. ولحق بذلك عدد من المفكرين العرب الذين مارسوا ما أدعوه بالاستشراق الذاتي. فالثقافة بخلاف هذا التصوّر عملية ديناميكية حية.
على أن المقارنة مع اللغات العالمية المتغلبة تكشف مساحات النقص في معاجم الحقول الدلالية الراهنة وعلى وجه التخصيص في المجالات العلمية والتقنية والمعرفية. كما أن المعجم التاريخي يوفر مادة غنية للدراسات الأنثروبولوجية والثقافية المقارنة. ويدفع في اتجاه ابتداع دوال جديدة لتمثيل المفاهيم المعرفية التي سبقت بها مجتمعاتٍ أخرى، وفي ذلك تكثيف جهود التعريب والترجمة. ولكن ذلك بالطبع لا يغني عن جهود المشاركة والتقدم في إنتاج المعرفة. فالتقدّم في إنتاج المعرفة هو المصدر الأهم لقوة اللغة وغنى معجمها.
في سياق التطورات الحضارية بجوانبها المادية والمعنوية، تتوسع حقول معجمية دلالية معينة، لتواكب الظروف والمعاني المستجدّة
ومن جهة أخرى، فإن المعجم التاريخي يعين في تحقيق النصوص القديمة وتأويل معانيها وفقاً لما استقرت عليه في زمن تدوينها، لا ما آلت إليه في مراحل لاحقة. كما يعين في التحقق من صحّة الرواية ونسبتها إلى مصدرها الأول السابق على زمن تدوينها. فإذا وردت فيها معانٍ ومفاهيم لم تكن معروفة أو مطروقة في زمن المصدر المنسوبة إليه، فذلك مما يشكك في صحّة الرواية، ويدخل في هذا المجال قضية النحل والانتحال في النصوص الشعرية القديمة السابقة لعصر التدوين. وهي قضية شغلت علماء العربية وآدابها، وتفرقوا فيها شيعاً وأحزاباً ومواقف. فإن من دلائل الانتحال ورود ألفاظ دالّة على مدلولات ومفاهيم لم تكن قائمة في الزمن المفترض لإنتاج النص، وإنما تخلقت مع مستجدّات العصور التالية.
أختم بالقول: إن معجم الدوحة التاريخي منجز حضاري عظيم يستحق أن يحتفي به الناطقون بالعربية على اختلاف أقطارهم وتقسيماتهم السياسية. ولتقدير ضخامة الجهد الذي بذل فيه، أذكر أن معجم أكسفورد التاريخي للغة الإنكليزية، بدأ العمل فيه عام 1857، ولم يبدأ نشر أجزائه تباعاً حتى عام 1884، ولم يكتمل إنجازه وصدوره كاملاً في عشرة مجلدات إلا في عام 1928. ولا يزال منذ ذلك الحين يتعرض للتجديد والإضافة والمراجعة.
تتغيّر الظروف السياسية التي يتنازع الناس فيها، وتبقى المآثر المعرفية الحضارية ملكاً عاماً وإرثاً باقياً يقطع حدود الأقطار والأمصار والأجيال، ويقع في مركز الهوية الثقافية والتاريخية الجامعة الممتدة، التي تتعرف بها الأمة، ويتقوم بها وجودها.
المصدر: العربي الجديد



