القومية العربية: من حلم بالوحدة إلى حروب بالوكالة

أحمد ماهر

الأخبار عن منطقتنا العربية مليئة بالمفاجآت وعدم الاستقرار، وبعيداً عن أخبار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، نجد أيضاً كثيراً من صراعات عربية – عربية كامنة أو ظاهرة، تتزايد وتتصاعد كل فترة، ما يطرح سؤالاً ربّما يراه بعضهم ساذجاً عمّا تبقّى من أفكار العروبة أو القومية العربية، وهي التي ظلّت مسيطرةً على المنطقة بشكل كبير في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصاً في الستينيّات والسبعينيّات والمواجهات المباشرة مع إسرائيل، وعمّا تبقّى من تلك الشعارات في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنّها تتحرّك عكس ما بشّرت به هذه الفكرة يوماً. فالأخبار المتلاحقة لا تضرب في الواقع السياسي فقط، بل تمسّ جوهر الفكرة التي قامت على وحدة المصير والتكامل بين الدول العربية، فالصراعات حول النفوذ تتصاعد بين دول عربية رئيسة، أبرزها التنافس غير المباشر بين السعودية والإمارات على زعامة الإقليم، مثل الصراع الحادّ بينهما في اليمن، الذي دفع عملياً نحو تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي فيه، وكذلك الصراع العربي – العربي (بالوكالة) في السودان والصومال.
نشأت بذور القومية العربية ردّة فعل على سياسات التتريك التي انتهجها حزب الاتحاد والترقّي في الدولة العثمانية، وفي هذه الفترة بدأت القوميات المختلفة تنتبه إلى وجودها في ظلّ بقايا الإمبراطوريات القديمة التي بدأت في التفكّك بعد الحرب العالمية الأولى، فكانت هناك كتابات تتحدّث عن جوهر فكرة القومية العربية والهُويّة المشتركة، ثم ظهرت جمعيات سرّية، مثل “العربية الفتاة” و”العهد”، مطالبة باللامركزية ثم الاستقلال. وقد شكّلت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي لحظةً مفصليةً بالتعاون مع بريطانيا ومساعدتها في الحرب العالمية الأولى ضدّ الأتراك مقابل قيام دولة عربية كبرى، ولكن النتيجة كانت اتفاقية سايكس بيكو التي كرّست الحدود الحالية بدلاً من الوحدة.
لاحقاً، مثّلت كتابات (ومجهودات) المنظّرين الأوائل مثل ساطع الحصري وميشيل عفلق وآخرين الإطار الأيديولوجي للقومية العربية الحديثة، قبل أن تبلغ ذروتها السياسية مع صعود جمال عبد الناصر، الذي جسّد حلم الوحدة والتحرّر. وظهرت مشاريع وحدوية لم تكتمل مثل الجمهورية العربية المتحدة، وهي الوحدة التي لم تكتمل بين مصر وسورية. بعد ذلك، صعدت أحزاب مثل حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في سورية والعراق.
تحوّلت القومية العربية إلى أيديولوجيا منغلقة تعتنقها أنظمة حكم سلطوية وشمولية
لكن مسار التراجع بدأ مبكّراً، فهزيمة 1967 كانت هزيمةً كبرى للمشروع برمّته. وكانت قبل ذلك صراعات بينية بين الأنظمة القومية العربية التي تدّعي السعي إلى الوحدة، ثم كان السطر الأخير والهزيمة الكبرى مع غزو العراق للكويت عام 1990، وأخيراً ثورات 2011 التي كشفت فشل الدولة السلطوية في تحقيق التنمية أو المواطنة. القومية العربية، كما مورست سياسياً، ارتبطت بالاستبداد وقمع الحريات، وفشلت اقتصادياً وعسكرياً، كما أحدثت توتّرات هُويّاتية مع مكوّنات غير عربية كان لها أثر كبير، مثل المشكلات مع الأكراد في سورية والعراق التي لا تزال تبعاتها مستمرّة، أو المشكلة مع المكوّن الأفريقي في السودان التي انتهت بانفصال الجنوب.
غالباً ما تحوّلت القومية العربية من فكرة تحرّرية إلى أيديولوجيا منغلقة، تعتنقها أنظمة حكم سلطوية وشمولية تستغلّ خطاب القومية والمقاومة من أجل البقاء في السلطة مدى الحياة، فتحوّلت فكرة الوحدة والمصير المشترك إلى ذريعة لتبرير تقييد الحرّيات الداخلية، وإرجاء أيّ إصلاح ديمقراطي، بالإضافة إلى تكريس مفهوم الدولة الأمنية، وقمع الهُويّات والتعدّدية من أجل إيجاد “أمّة عربية” موحّدة ثقافياً. ثم كانت هزيمة الفكرة من الداخل من خلال الصراعات بين زعماء الأنظمة القومية، وكانت الخلافات الشخصية والمصالح القطرية الضيّقة إحدى أهم نقاط فشل التجربة العملية.
تعيد التهديدات الإقليمية الحالية إنتاج الظروف التي وُلدت فيها القومية العربية
ما يستدعي السؤال بشأن القومية هو ما يحدث هذه الأيام من مواجهات عربية – عربية بشكل مباشر أو غير مباشر، فأخيراً تتواتر التقارير عن دور أبوظبي في دعم مشاريع انفصالية في الصومال، وليس خفيّاً على أحد ذلك التعاون الإسرائيلي – الإماراتي والدفع نحو قيام دولة أرض الصومال. يطرح ذلك تساؤلات أعمق بشأن مستقبل الأمن القومي العربي، فالكيان المعروف باسم “أرض الصومال”، الذي يسعى إلى الحصول على اعتراف دولي، قد يتحوّل إلى نقطة ارتكاز جيوسياسية تمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً على البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على توازنات المنطقة وأمن مصر الاستراتيجي. ففي هذه الحالة يكون هناك عمل ضدّ المصالح العربية والمصرية برعاية الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا.
وفي السودان، تشير تقارير أيضاً إلى دور الإمارات في تأجيج الحرب الأهلية عبر دعم مليشيات الدعم السريع، بما يطيل الصراع ويعمّق انهيار الدولة الوطنية بدلاً من الحفاظ عليها. إضافةً إلى أن ذلك يعدّ تحدّياً غير مباشر للمصالح المصرية المتضرّرة بسبب الوضع في السودان. وفي المغرب العربي، وصلت المفارقة إلى ذروتها مع توقيع اتفاقات عسكرية وتعاون في التصنيع الدفاعي بين المغرب وإسرائيل، في سياق تحالفات يُفهم أنها موجّهة ضمنياً ضدّ الجزائر، وعلى خلفية نزاع الصحراء الغربية. المفارقة الساخرة أن السلطة المغربية نفسها اتهمت احتجاجات شبابية داخلية بأنها “مؤامرات خارجية”، في وقت يتسع فيه التعاون مع قوة طالما قُدّمت رسمياً بأنها الخصم التاريخي.
يتزامن ذلك مع صعود خطاب يميني شعبوي مدعوم من بعض الحكومات، يدعم الانسلاخ من الثقافة والجذور العربية والإسلامية، مثل تيار “الكمايتة” أو أبناء مملكة كيميت المصرية القديمة، وهو تيار يميني شعبوي متصاعد في مصر يحاول إلحاق نفسه بمصر الفرعونية، يعادي اللاجئين أو المقيمين في مصر من حاملي الجنسيات العربية أو الأفريقية ويدعو إلى طردهم من مصر، ويعادي كذلك القضية الفلسطينية والتعاطف معها. وبالطبع، يعادي ذلك التيار ثورة يناير (2011) وقيم الديمقراطية والتعايش وكل الأفكار التي دعت إليها الانتفاضات العربية.
ما يستدعي السؤال بشأن القومية هو ما يحدث هذه الأيام من مواجهات عربية – عربية بشكل مباشر أو غير مباشر
تذكّرت فترة 2011 عندما انتشرت عدوى الثورة انتشار النار في الهشيم، وهو ما يطلق عليه تأثير الدومينو، فبدأ الشباب العربي في التنسيق فيما بينهم خارج الأطر الرسمية، وكانت لحظة التكامل العربي الصادقة على المستوى الشعبي، وليس على مستوى الأنظمة المرتبط بشخص الزعيم وأطماعه الشخصية. وكان هناك أفكار شبابية حالمة بتكامل ثقافي واقتصادي وسياسي بين كل الدول العربية.
المفارقة أن التهديدات الإقليمية الحالية (من التفكّك الداخلي إلى الاختراقات الخارجية) تعيد إنتاج الظروف التي وُلدت فيها القومية العربية أصلاً: شعور بالخطر المشترك وضرورة العمل الجماعي. ولكن بدلاً من ذلك تتصاعد المؤامرات العربية – العربية ومزيد من الانصياع للمشروع الأميركي الإسرائيلي لإعادة تشكيل المنطقة. فالعدو الصهيوني أصبح هو المُنقِذ والحامي لدى بعض العواصم العربية من الأخطار الإقليمية، وأصبح التطبيع والعلاقة الودّية مع الكيان مفتاحا البقاء في السلطة لدى بعض الحكام.
في نهاية المطاف، يضعنا المشهد الراهن (من صراعات الوكالة في السودان إلى المواجهات شبه المباشرة في اليمن إلى التجاذبات الجيوسياسية في القرن الأفريقي) أمام حقيقة ارتباط القومية العربية بالأنظمة الشمولية أو السلطوية، بينما تهرول بعض العواصم نحو “الخلاص الفردي” عبر تحالفات انتهازية مع العدو الرئيس. ولكن إيقاف المشروع الصهيو – أميركي لا يتطلّب إحياء الخطب الحنجورية القديمة، بل بدء مشروع حضاري ديمقراطي يتصالح فيه المشروع العروبي مع الإسلامي، ومع المصلحة المشتركة والتنمية، وليس الشعارات العاطفية الجوفاء واستهلاك نظرية المؤامرة بهدف تخويف الشعوب. فلن تُبعث العروبة من جديد بقرار فوقي أو نخبوي، بل بقدرة الشعوب على استعادة روح التضامن العابر للحدود التي تجلّت في 2011، وتحويل فكرة المصير المشترك إلى حقيقة، وأن يكون الإنسان العربي هو المركز والبوصلة، وأن تكون الأولوية لحقوقه وكرامته.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى