
يعيش لبنان أزمة بنيوية مركبة تشهد مجموعة متراكمة من المشكلات التي لا تجد لها حلا مما يفاقم تأثيراتها السلبية على المجتمع اللبناني وأخطر ما فيها انقسام اللبنانيين أفقيا وعاموديا وغياب أية رؤية وطنية شاملة لمجمل الأخطار والتحديات والتطلعات المستقبلية..
فمن أول نظام المحاصصة الطائفية الفاسد المرتهن للوصايات الدولية ، إلى العدوان الصهيوني المستمر والمتواصل دون أي إعتبار لأية سيادة أو حقوق أو حدود أو إتفاقيات ، مرورا بشبكة متكاملة مترابطة من الفساد المنظم توجهه وتستفيد منه مافيات و قوى راسمالية خارجية وأدوات لها محلية من أبناء البلاد الفاسدين الفاجرين ، وصولا إلى أزمة ما يسمى بالسلاح وحصرية السلاح ونزع السلاح وما يدور حولها من أخذ ورد ليس موضوعيا دائما ؛ يعيش اللبنانيون ازمة معيشية طاحنة تتمثل في ركود إقتصادي وتضخم وبطالة وضعف الخدمات العامة وتزايد نسبة الجرائم الإجتماعية والسلب والنهب والإعتداء ؛ تزيد حدتها مع إضمحلال دور الدولة ومؤسساتها القضائية والقانونية بما يؤدي لغياب سلطة القانون وفساد منتشر فيها وغلبة الصفقات والمحسوبيات على التعيينات والأدوار العامة والسياسة المباشرة الخاصة والعامة..وهذا ما يزداد تفاقما في ظل ما يتحكم بمعظم اللبنانيين من عصبيات من كل نوع : طائفية ومذهبية ومناطقية وعائلية وفئوية..وهي العصبيات التي تعميهم عن إدراك حقيقة واقعهم الوطني والأسباب الحقيقية لما يعانون منه من مشكلات متفاقمة..ومن المعروف أن منظومة الفساد والتبعية تغذي وتحرض على تلك العصبيات التقسيمية الخبيثة والكريهة بغية أبقاء سيطرتها وتحكمها بموارد الوطن ومصادرة مستقبله لحساب مصالحها الذاتية أولا ثم لحساب حماتها من قوى النفوذ الأجنبي..الأمر الذي يبقي المشكلات الحقيقية بعيدة عن الإدراك وبعيدة عن الإهتمام لتصبح خارج دائرة الحوار اليومي والتفاعل الحياتي المباشر..وقد أضحت العصبيات وما تستدعيه من ولاءات غاشمة وإصطفافات غبية هي المحرك الأساسي والمحدد الأكثر فعالية لمواقف غالبية اللبنانيين..
وبالمقابل فإن إفتقاد المشهد اللبناني لأية رؤية وطنية متكاملة الأبعاد ، يجعل المخارج الممكنة للأزمات الراهنة أمرا صعب المنال لا تبدو له آفاق عملية قريبة..
كما أن غالبية القوى ذات الطابع الوطنى أي تلك التي لا تنطلق من خلفية طائفية أو مذهبية ؛ لا تمتلك فعالية التأثير من جهة وتطرح رؤى مجتزأة للواقع يعجزها عن إمتلاك رؤية تغييرية واقعية وفاعلة ..
فلا النقابات المهنية خالية من الفساد والنخر الطائفي والمحاصصة ولا الأحزاب ” الوطنية ” خالية من إصطفافات مصلحية فئوية أو عصبيات نرجسية فضلا عن ضعف شديد في الإمكانيات مما يبقيها في دائرة المواقف النظرية غير القادرة على الفعل في الواقع الوطني العام..فضلا عن رؤاها المحددة بمصالحها أو توجهاتها الجزئية وتوافقاتها الفئوية والحزبية..
وما الإعلام المحلي إلا أحد أدوات الإنقسام وتعميق العصبيات والتبعية وتعزيز سلطة الفساد والدفاع عنها وتبريرها..
وهكذا يجد اللبنانيون الوطنيون أنفسهم مهمشين ومحاصرين ومستهدفين فضلا عن تشتتهم وضعف إمكانياتهم الشديد..
ويبقى المشهد الراهن منقسما بحدة بين رؤيتين لا تمتلك أيا منهما كامل الحقيقة..
– ” السياديون ” يجتزئون من الوقائع ما يناسب إلتزاماتهم ومصالحهم ومنطلقاتهم الثقافية والفئوية..
فلا يرون إلا ” السلاح ” مشكلة تنتهي كل مشاكل لبنان بتسليمه إلى الدولة ..وهذا مخالف للحقيقة تماما..فضلا عن تعميته لكل مشاكل لبنان الأساسية عن وعي وإهتمام اللبنانيين..وإذا كان من الموضوعية القول أن لبنان لا يستطيع وحده تحمل تبعات أية مواجهة مع العدو الصهيوني ؛ فضلا عن أنه دفع ثمنا غاليا جراء معارك إسناد حرب غزة ؛ ولا يستطيع تحمل المزيد من التضحيات ؛ فإن تجاهل الخطر الصهيوني وعدوان الكيان الإسرائيلي المستمر والمقبل واللاحق وأطماعه الموثقة في لبنان ، أمر غير مقبول فضلا عن كونه لا يدل على فهم صحيح وإلتزام وطني يحتم التصدي لأطماع الصهاينة وعدوانهم..إن لم يكن تدليلا على تبعية ما لأحد أشكال النفوذ الأجنبي وإستفادة مصلحية منه..
– ” المقاومون ” بالمقابل لا يرون من الوقائع إلا العدوان الصهيوني وخطره المستمر على لبنان كله..وبالتالي لا يعتبرون ما قدمه لبنان من تضحيات بشرية وعمرانية ؛ أمرا غريبا أو مرهقا ، بل هو جزء من ضريبة لا بد من دفعها لمواجهة الكيان الغاصب الطامع المعتدي..وعليه لا يقبلون بالتخلي عن السلاح طالما بقي العدوان..
وإذا كان هذا صحيحا – وهو كذلك صحيح ومبرر ومقبول – إلا أنه يجتزئ الوقائع ولا يأخذ في الحسبان عدم قدرة لبنان على تحمل تبعات المواجهة منفردا ..كما أنه لا يستطيع إلتزام إستراتيجية للعمل الوطني المقاوم مستقلة عن العلاقات مع أيران والخلفيات المذهبية المشتركة حتى مع الحاجة الماسة للدعم الإيراني..
ومما لا شك فيه أن الكيان الصهيوني خطر وجودي على كل لبنان وكل اللبنانيين..وينبغي إعطاء أولوية كبيرة لمواجهته ورد عدوانه المستمر..هذا العدوان قبل أيران وقبل حزب الله وسيبقى ما بقي الكيان الغاصب..وسيستمر حتى وإن تم تسليم كل قطعة سلاح كبيرة أو صغيرة..حتى ولو كانت سلاحا فرديا بسيطا لدى أي لبناني في أقاصي وديانه وأعالي جباله..إن الضغوط الأميركية والتهديدات الصهيونية والإعتداءات اليومية سوف تضع لبنان تحت السيادة الصهيونية التامة ..وهو ما لا يتخذ ” السياديون ” منه موقفا واضحا..وتبقى مشكلتهم الأخطر :
– أنهم لا يعتبرون ” إسرائيل ” عدوا للبنان ..
– ويطلبون رعاية أميركا وكأنها صديق مخلص محايد..وهو غير صحيح بتاتا..
وتبقى مشكلة ضعف الدولة وفساد أطرافها الطائفية وعدم إمتلاك الجيش قدرات عسكرية تؤهله حاليا لحماية لبنان أرضا وشعبا وهي مهمته الأساسية والوحيدة فيما الولايات المتحدة تدفعه ليكون قوة للأمن الداخلي وليس جيشا لحماية الوطن..
انطلاقا من هذه المعطيات والوقائع نرى أهمية وضرورة أن يتشارك جميع المخلصين – شعبيين ورسميين ؛ شخصيات ونقابات وأحزاب ومؤسسات وتنظيمات شعبية وفعاليات وطنية – لوضع إستراتيجية للعمل الوطني تحمي لبنان وتعزز فعالية المؤسسات الرسمية وتحاصر الفساد والفاسدين الكبار قبل الصغار وتفتح أبواب أوسع مشاركة شعبية في تقرير المصير الوطني وحل مشكلاته المتراكمة وفق برنامج مرحلي يحسب الأولويات والإمكانيات والظروف المتاحة..
ولعل مسؤولية ” المقاومون ” المبادرة إلى وضع إستراتيجية للمقاومة الوطنية تستوعب كل الطاقات وتتجاوز الإنتماءات المذهبية والمصالح الفئوية وتعاهدات الولاءات الخارجية..إستراتيجية شاملة تتعدى السلاح إلى كل ميادين الحياة وفي مقدمتها ميدان الوعي والمعرفة والتكاتف والتضامن والتوحيد والمشاركة ..
وما لم يعترف دعاة السيادة بالخطر الصهيوني المحدق وضرورة مواجهته ، فلن يفلحوا في تشكيل موقف وطني يقر بهم وبتمثيلهم ويشارك مطالبهم..مع العلم أن مطلب تفعيل دور الدولة ومؤسساتها وتطهيرها من الفساد ؛ هو قاسم مشترك يجمع معظم اللبنانيين اللهم إلا الفاسدين والمتعيشين من الفساد والصفقات والمحاصصات..
فلا أمل في نظام طائفي مرتهن فاسد ..وما محاربة الفساد سوى الخطوة الأولى في مسيرة بناء دولة حقيقية


