
في خضم ما كُشِف عنه مؤخراً من وثائق ومراسلات مرتبطة باسم جيفري إبستين، برزت إشارات عابرة لكنها تحمل دلالات تتعلق بقضية معتقل فلسطيني سوري، لتفتح الباب من جديد على ملف المعتقلين ومصير الضحايا، وحدود ما يمكن أن تفعله العلاقات على مستوى شخصيات بهذا الحجم ضمن حيز مثل هذه القضايا.
وثيقة لا تقول كل شيء لكنها تشير إلى شيء
من بين المراسلات المتداولة، تظهر رسالة إلكترونية مؤرخة بتاريخ 21 تشرين الأول/أكتوبر من عام 2015، أرسلها رجل الأعمال الياباني الشهير جوي إيتو إلى إبستين، يشير فيها صراحة إلى محاولته إخراج صديق له من السجون في سوريا، ويسأل عمّا إذا كان لدى إبستين معرفة بأي شخص لديه نفوذ على بشار الأسد.
الرسالة، في نصها الحرفي، لا تذكر اسم المعتقل صراحة، ولا تتحدث عن مسار وساطة حدثت بالفعل أو حتى عن نتائج ملموسة، لكنها تُرفق رابطاً لتدوينة منشورة قبل يومين من المراسلة على موقع Creative Commons، تتعلق بحملة دولية للمطالبة بالإفراج عن المعتقل الفلسطيني السوري، المهندس باسل خرطبيل الصفدي.
واضح أن إرفاق هذا الرابط لم يكن تفضيلاً ثانوياً، فهو ما يشكّل القرينة الأساسية التي تربط بين الصديق المطلوب الإفراج عنه في المراسلة وبين اسم باسل خرطبيل. والاطلاع عليها يشي بذلك، دون أن يبلغ الأمر حد الجزم القطعي، لكنه دون شك مؤشر قوي جداً على أن المقصود هو ذات الشخص.
تكشف أن القضية طُرحت في المراسلة عبر إرفاق رابط المدونة المتضمنة للحملة المتعلقة بشخص باسل خرطبيل بالذات، وأنها كانت محل نقاش ضمن دوائر نخبوية عالمية بهذا المستوى، وأن هذا النقاش لم يكن كافياً لإنقاذ حياته ولا لتغيير مسار مصيره.
باسل خرطبيل: اسم قوي في قلب عالم البرمجيات
لم يكن المهندس باسل خرطبيل اسماً عابراً أو هامشياً في حقل الشبكات البرمجية وهذا العالم التقني والمعرفي المتطور، فهو مهندس وعالم برمجيات وناشط بارز ضمن حراك المعرفة الحرة دولياً، وقد ارتبط اسمه بمشاريع كبرى مفتوحة المصدر ومجتمعات تقنية عابرة للحدود. وهذا الارتباط يفسر لماذا تحولت قضيته إلى حملة عالمية، ولماذا وجدت طريقها إلى مراسلات بين شخصيات نافذة في عالم التكنولوجيا، وفي أوساط النخبة من المشاهير في العالم.
المؤسف أن كل هذا الزخم العالمي لم يمنع المأساة؛ فقد كان باسل معتقلاً في سجون النظام السوري البائد منذ عام 2012، وتم نقله إلى مكان مجهول في خريف عام 2015، ثم تبين لاحقاً أنه أُعدم في العام نفسه دون علم عائلته أو اطلاع الرأي العام على ذلك، وأُعلن رسمياً عن وفاته عام 2017.
هنا تحديداً تبدو عبارة «محاولة وساطة بعد فوات الأوان» جلية وظاهرة للعيان، رغم قسوتها.
ما الذي تكشفه الرسالة، وما الذي لا تكشفه؟
من المهم التمييز جيداً بين ما تقوله الرسالة فعلاً وحرفياً، وبين ما قد يُغري البعض بتحميلها ما لا تحتمل. وهذا ما كان واضحاً في منشور تفصيلي لمنصة مبادرة فلسطينيي سورية للرقابة الشعبية – مرصد، التي نشرت الوثيقة وعرضت تفاصيلها بحذر شديد وحرص على أن تأخذ بُعدها الواقعي دون إفراط أو تفريط.
فالمراسلة لا تثبت وجود مسار وساطة فعلية قد تم تنفيذه، ولا تشير إلى أي نفوذ حقيقي تمت ممارسته، أو حتى قناة اتصال ناجحة قد تم فتحها.
كما لا تنسب لإبستين دوراً عملياً أو نتيجة محددة، بل تظهر تحفظه في ردوده على طرح مثل هذا الموضوع عبر البريد الإلكتروني.
لكنها، في المقابل، تكشف أن القضية طُرحت في المراسلة عبر إرفاق رابط المدونة المتضمنة للحملة المتعلقة بشخص باسل خرطبيل بالذات، وأنها كانت محل نقاش ضمن دوائر نخبوية عالمية بهذا المستوى، وأن هذا النقاش لم يكن كافياً لإنقاذ حياته ولا لتغيير مسار مصيره.
فلسطينيو سوريا: الضحية المركّبة
قضية المهندس باسل خرطبيل ليست معزولة عن سياق أوسع، فهي تعكس واقع فلسطينيي سوريا الذين وجدوا أنفسهم ضحايا أزمة مضاعفة؛ فهم لاجئون بلا حماية، ومواطنون بلا حقوق مُصانة، ومعتقلون خارج أفق وحدود أي عملية مساءلة، وينتظرون اليوم نتائج ملف عدالة انتقالية على أمل جبر الضرر وتعويض ذوي الضحايا، أقله في الوصول إلى الحقيقة وكشف مصير جثامينهم، ليُصار إلى دفنهم ومواراتهم في قبور تبقى شواهد على مأساتهم.
هذه القبور التي غدت حلماً يبدو وكأنه بعيد المنال في المدى المنظور.
ما يزيد اللوعة والأسى أنه حتى حين تحولت بعض ملفات قضاياهم إلى شأن دولي، كان التدخل متأخراً ورمزياً وعاجزاً عن إنقاذهم، أو حتى كشف مصيرهم.
الأهم أن شخصاً معتقلاً بحجم وقيمة وقدر المهندس باسل خرطبيل، قد مكّنه اسمه من الوصول وتداول قضيته ضمن نادي النخبة العالمي، لكن ماذا عن بسطاء المعتقلين من فلسطينيي سوريا؟
الفلسطيني السوري حيث لا يُفترض أن يكون
هذه الفقرة بالذات ترددت في كتابتها، كما ترددت مبادرة «مرصد» – كما علمت من فريقها المختص – بطرح القضية على الرأي العام ضمن ملفات إبستين، خشية اختلاط الأمر على عامة الناس في ظل ملابسات وحيثيات هذه الملفات ذات الطابع الفضائحي، أو على الأقل المثير للشبهة.
لكن على ما يبدو، وكما يُقال في موروثنا الشعبي: «الفلسطيني في كل عُرس له قرص»، وذلك في إشارة إلى حضوره الدائم حتى في أكثر السياقات والمواضيع بُعداً عنه. وربما لا توجد استعارة أدق من هذا الوصف لظهور فلسطيني سوري في مراسلات من هذا النوع، مراسلات لا يُفترض منطقياً أن تحضر فيها قضيته أصلاً، أو على الأقل لا يخطر لنا أن تكون ضمنها.
غير أن هذا الحضور ليس صدفة، بل على ما يبدو أنه نتاج تاريخ طويل من اقتلاع الفلسطيني من أرضه وتشتته بعد نكبته الأولى، ثم وجوده وزجه في أتون نكبة ثانية، ما جعله موزعاً على أربع جهات الأرض، وحاضراً في شبكات نخبوية عالمية، لكنه غائب عن أي درع أو حصانة، أو حتى أي نوع من الحماية الحقيقية.
وعليه، تجد ملفه ضمن بريد إلكتروني لشخصيات نافذة، وإن بشكل متأخر، بعد أن تكون أنظمة دكتاتورية قد حسمت مصيره وأنهت حياته في زنازينها، ليبقى حضوره شاهداً على الكارثة أكثر من كونه فرصة للخلاص منها.
أخيراً
يبقى أن نقول إن تسليط الضوء على هذه الوثيقة، وإدراج هذه المراسلة ضمن أرشيف التوثيق، لا يهدف إلى الإثارة، ولا إلى كسب سبق صحفي، ولا حتى إلى بناء سرديات مؤامرة، بل إلى تثبيت حقيقة أبسط، وإن كانت أشد إيلاماً: مفادها أن السعي إلى العدالة المتأخرة ليس عدالة، وأن العلاقات والنفوذ – مهما بدا واسعاً – يفقدان أي معنى حين يأتي التحرك بعد أن يكون القرار قد اتُّخذ من جلادي الزنازين.
والأهم أن شخصاً معتقلاً بحجم وقيمة وقدر المهندس باسل خرطبيل، قد مكّنه اسمه من الوصول وتداول قضيته ضمن نادي النخبة العالمي، لكن ماذا عن بسطاء المعتقلين من فلسطينيي سوريا؟
في النهاية، هذه وثيقة إدانة لنظام مجرم، ولعالم صمت وعجز عن إنقاذ حياة مئات آلاف الأشخاص. ومن دون شك، تُعيد طرح السؤال الأهم الذي أشرنا إليه سابقاً:
كم من فلسطيني وسوري آخر لم يصل اسمه إلى أي بريد إلكتروني نافذ، وربما لم يُسمع عنه مطلقاً، ومات دون أن يعرفه أحد، ولم نصل إلى جثمانه بعد؟
المصدر: تلفزيون وسريا




